كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

أم الفحم بين ليبرمان وحمدان...

كل العرب · 23/10/2008 الساعة 16:03

لم تكتف الحركة الإسلامية بإقصاء واستبعاد رئيس بلدية أم الفحم السيد هاشم عبد الرحمن ، بل وأمعنت ب "اغتصاب" صورته وزجها في دعايتهم الانتخابية ، والملفت للنظر أن الحركة وللمرة الأولى تلجأ إلى الصور الشخصية ، تلك "البدعة" المنبوذة إسلاميا وغير المستحبة حسب وجهة نظرهم ، فماذا عدا مما بدا حتى اضطرت الحركة إلى زج صور مرشحها وصور ثلاثة رؤساء سابقين ، وتعتمد أسلوبا في اعتقادهم "علماني" لا يليق بورعهم وتقواهم .
حقيقة الأمر أن القضية ابعد من الصور وابعد من مجرد دعاية انتخابية ، فان عودة الحركة لاستهلاك شعار "الإسلام هو الحل" بعد أن زنحته لفترة غير وجيزة ، له دلالات بالغة وتعبير عن عمق الأزمة الفكرية التي تتخبط  بها . وان لم تخني الذاكرة  فان هذا الشعار لم يظهر في الانتخابات الماضية إطلاقا ، حيث اعتمدت الحركة على شعبية السيد هاشم عبد الرحمن وحققت انتصارا ساحقا  ، وعلى كل حال ليس هذا نقاشي وللحركة كامل الحق أن تستعمل الشعار الذي تراه ، ولكن من حق كل مواطن فحماوي أن يرى الأمور بشكل مغاير سيما  وقد  ثبت على ارض الواقع أن الأمور الدنيوية بحاجة إلى حلول دنيوية ، وانه من غير الممكن فصل أم الفحم عن محيطها وتحويلها إلى أمارة إسلامية ، وتجربة عقدين من هيمنة الحركة أثبتت عكس القسم المشهود على ملعب الباطن ، وأثبتت أنها حركة سياسية رجعية تعمل بفئوية ضيقة وتتخذ من الدين ستارا لممارساتها الرجعية ، فهاكم  مسألة إقصاء رئيس البلدية ، ومسألة انفصال السيد طاهر جبارين ، وهاكم  ممارسات الشركة الاقتصادية وانعدام النزاهة والعدل في قضية الشيكونات وهاكم انتشار مظاهر العنف والجريمة وتصاعدها بوتيرة موازية لتصاعد وتيرة الدروس الدينية !!  فما الذي حدث ؟؟؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحضيض ؟؟؟
حين نقول أن أم الفحم تقف اليوم عند مفترق طرق ، فإننا لا نبالغ ، بل ومن الممكن أن تكون عند منعطف تاريخي حاد . ولفهم طبيعة هذا المنعطف من الضروري كشف طبيعة الصراع والأزمة الفكرية التي تحيق بالحركة الإسلامية ، فمهما غالت الحركة بتلونة صور رموزها ، إلا أنها غير قادرة على تكنيس أزمتها تحت البساط وإخفائها عن المواطن الفحماوي .
لا شك أن حقبة رئاسة السيد هاشم عبد الرحمن أوجدت تيارا براغماتيا فاعلا داخل الحركة الإسلامية ، حاول تجميل صورة أم الفحم وإشراكها في الحراك السياسي للجماهير العربية والحراك الاقتصادي والاجتماعي ودمج أم الفحم بالحياة السياسية ، خاصة في ظروف تصاعد فكر الترانسفير ودعوات الترحيل من قبل المأفون ليبرمان واليمين الإسرائيلي ، والى حد ما حقق هذا التيار بعض النجاحات ، إلا انه اصطدم في نفس الوقت مع جوهر الحركة الراديكالي ، أي انه اصطدم بتيار القوقعة الفئوية الدينية ، واعني تيار : الإسلام هو الحل والأقصى في خطر، الذي يقوده السيد خالد حمدان والسيد رائد صلاح ، وهو التيار الأقوى داخل الحركة . ومع ذلك لا يستطيع التيار البرغماتي أن ينأى بنفسه عن إخفاقات الحركة سياسيا ، اجتماعيا وإداريا .
في الواقع يصعب على المواطن العادي أو على القارئ العادي فهم هذا المشهد السريالي !! فكيف ينتصر فكر "الأقصى في خطر والإسلام هو الحل" بينما يعيش البلد في جو من العنف والجريمة وبأخلاقيات "بوس الواوا.. خلي الواوا اح" ؟؟؟؟
اعتقد المؤرخ ماكس تسترباوم " إن مسالة التدين الشخصي للإنسان الفرد هي مسالة وجدانية ذاتية ، لكن التدين السافر لحركة سياسية ليست سوى ستار شفاف لرجعيتها" ، ولا تستطيع الحركة الإسلامية اليوم وبعد عشرين عام من ممارستها للسلطة أن تقنع الناس أن عودتها إلى شعار "الإسلام هو الحل" هو عودة للقيم والأخلاق ، والحقيقة أنها اضطرت صاغرة لاستهلاك الشعار تأجيجا للمشاعر الدينية وإقصاء للعقل والتفكير . وهذا فقط جانب واحد من أوجه الأزمة ، أما الجانب الآخر فهو كامن داخل شعارها "الأقصى في خطر" .
لا ينتطح عنزان ولا يختلف اثنان أن الأقصى فعلا في خطر ، ولكن هل فقط الأقصى في خطر؟؟
أليست أم الفحم أيضا في خطر ؟؟ وهل غزة في غير خطر ؟ أم عكا أصبحت في أمان واطمئنان وكل أسباب السكينة وراحة البال قد حلت على الخليل ورام الله ؟؟ وما نفع حجارة الأقصى دون الانسان الفلسطيني الذي تقتلعه إسرائيل يوما بعد يوم من القدس العربية المحتلة ؟؟ ولماذا تتشبث الحركة باستعمال البعد الديني للمسجد الأقصى ولا ترى البعد القومي والوطني لكونه ارض محتلة استولت عليها إسرائيل بقوة السلاح عام 1967 تماما كاستيلائها على كل القدس العربية والضفة الغربية وقطاع غزة !!أم أنها تتماثل مع مشروع حماس لإقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة على اقل من 60 بالمائة من أراضي غزة والضفة مشروطة إسرائيليا وأمريكيا بهدنة طويلة الأمد تؤجل حل القضية الفلسطينية لأجيال قادمة ؟؟
حين نطرح بديلا وطنيا لهيمنة الحركة الإسلامية فإننا نتماثل أولا وقبل كل شيء مع المشروع الوطني الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة وذات سيادة على كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 67 بما فيها القدس ، وإحقاق حق اللاجئين بالعودة أو التعويض ، المشروع الذي ترفضه الحركة الإسلامية !  وبالمناسبة ترفضه حماس وترفضه إسرائيل أيضا !! وبالمناسبة أيضا تجتهد إسرائيل في تأجيل أي حديث أو مفاوضات مع السلطة الفلسطينية حول المقدسات في محيط المسجد الأقصى ، لكنها لا تمانع أن تكون مسالة الأقصى مسالة حوارية أو خلافية بينها وبين الحركة الإسلامية أو حتى بينها وبين الجماهير العربية على اعتبار أن كل الأحزاب العربية بما فيها الحركة الإسلامية هي أحزاب قانونية وتعمل ضمن القانون الإسرائيلي ، وبذلك تصبح قضية الأقصى قضية إسرائيلية داخلية لا  يجوز للسلطة الفلسطينية التدخل فيها . ففي حين تبالغ الحركة في مركزية مسألة العبادة ، يقر المشروع الوطني الفلسطيني ونقر نحن أن جوهر القضية هو السيادة وليس العبادة .
وحين نطرح بديلا حضاريا لهيمنة الحركة الإسلامية فإننا نتماثل مع طموح وآمال أهل هذا البلد الصابر في إحداث قفزة نوعية بإدارة بلديتها وتحقيق أمنية كل مواطن أن يكون البلد بلده وأم الفحم لكل أهلها ، بعيدا عن نهج المحسوبية والفئوية التي أصبحت ميزة وسمة من سمات الحركة الإسلامية .... نتماثل مع طموح كل شابة  وكل شاب بالعلم والعمل وتكافؤ الفرص .... نتماثل مع قلق كل أم وكل أب على مستقبل أبناءه....
ملاحظة:
عادة استمع إلى ملاحظات زوجتي السيدة أم وطن حول كتاباتي قبل نشرها ، وغالبا أدرجها بالسياق ، ولكن نظرا لرفضي ملاحظتها هذه المرة قررت إشراك القراء بالملاحظة ، فقد اعترضت على قولي : السيد فلان والسيد علان ،  وسألت  لماذا  لم  استعمل كلمة " الشيخ " ؟؟
فاقتبست إجابتي من قول المؤرخ الفلسطيني المهجّر ابن قرية المشهد الجليلية د. فضل عباس ، إن الشيخ هو واحد من ثلاثة : شيخ شيّخه الرحمن ، وشيخ شيّخه الزمان ، وشيخ شيّخه السلطان.    ولما كان آخر من شيّخه الرحمن هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولما انتفت عن جميع من ذكرت صفة تشييخ الزمان ، أخشى ما أخشاه أن يكون قد شيّخ احدهم السلطان ، والسلطان قد يكون الحاكم وقد يكون المال ، فيغدو ختما مطاطيا بيده .

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع