حلمٌ بعثرته الأيام- فؤاد جورج خوري
بينما كانت تجدل سوزان ضفيرتي أختها، وإذ بالدبوس يقع منها أرضًا، فتنحني لتتناوله، وكأنَّ بيدها تقف عند لونه وشكله، وتجرفها الذاكرة إلى الحنين لزهرةٍ فقدتها وهي في عامها الثاني، فقدتها وفقدت معها الرجاء والسلوى بالعيش، الأمل أضحى صفحةً في قاموس النسيان، وهو من سبرَ أغوار قلبها عند ولادة ياسمين.
ياسمين كانت الزهرة، كانت العطر الذي يسري في روحها وكيانها، ولكنها ما حظيت بالسعادة مطولاً، ولم يكتمل جذلها، فغابت ياسمين وغاب معها الفرح، ولم يبق سوى كتاب الذكريات، تُقلبّه سوزان كلَّ يومٍ والدمع كالمطر ينهمر على وجنتيها، فهلاّ ترجعين يا ياسمين، وبيني وبينها عالمان متناقضان، هل لي أن أراك بين يديّ، لا بين أحضان الطبيعة التي لم تكتف بما لها من ياسمين، فأخذتكِ منّي وأنا بدونك غدوت تائهة بين الخيال واليقين، أفلا تعودي يا زهرتي الياسمين!
أوَ يرضى الصنوبر وتحتمل الرياحين فراقك، يا من ازدانت الطبيعة بك، حبًا بك هلاّ تنظرين، وتتأملين، فواقعي مرٌّّ غدا ممزوجًا بأنين.
أخذوك مني، ومن عمرك بعد لم يمّر سنين، لم تكتف الحرب بإضرام قلبي يشتعل على رحيلكَ يا زوجي، ها إنّها تخترق كياني وحِسّي، فتأخذ بنيتي، لتحرقها لتنهشها، وتجعلها فريسة المنّية.
كانت يومها السماء صافية، وسوزان رغبت أن تذهب للسوق، لتشتري لياسمين حذاءً ذهبيًا، كلون شعرها، كلون غطاء شعرها وعقد حاجبيها، لكن دويّ الحرب كان أقوى من كلِّ هذا، كانَ أشدَّ قسوةً من دموعك يا ياسمين عندما تتأوهين، فالرصاصة الطائشة التي غرست أثارها في عينيك، ليتها يا بنيتي كانت بعينيًَّ، بين ذراعيَّ كنتِ، عندما صرختِ، ودمًا نزفت، وبعدها آهِ قلتِ ومُتِ!!
وكأنَّ القدر يأبى إلاّ أن أصَوَّرَ معك في عين اليوم، يوم الحادثة...
تمامًا كما كان قبل سنتين، ولكنّك بعد لم تُولدي يا ياسمين، كنتُ يومها برفقة والدك، وكُنّا نضحك وكان صوتنا عاليًا، فرحين، إلى أن هبّت الرصاصة فأصابته ولم تصبني، فانطرح أرضًا مائتًا، كنتِ حينها في أحشائي يا صغيرتي، وبكيتُ على والدكِ إلى أن نفَدَ الدمع من عينيّ، وبعدها ولدتك وكنتِ مطلقًا لا تشبهينني وأنا في حالة بؤسي وألمي حزنًا على والدك، فأتيتِ إلى الدنيا والابتسامة تغّرد على شفتيْكِ، أوَ كنتِ تدرين بحالي يا بنيتي؟!، ومرّت الأيام ومرَّ عامٌ على فراقكَ يا عاد ل، وعامٌ مضى من عمركِ يا ياسمين، ودويّ الحرب كلَّ يومٍ ينهش من جسدي وروحي، أخاف عليك يا ياسمين، فاعذريني، ولا تلومي تصرفي، فأنا من بقيَ لي غيركِ!
وهكذا ظللت أسيرةً في البيت، لا أخرج منه مطلقًًا ، فالقلق والحزن قد سمرّاني في مكاني، فكيف أخرج، ألكي تلقاك رصاصةٌ وأخسرك كما خسرت والدك قبلكِ؟! أيحتمل القلب بعد ألمًا ولوعةً.... أوّاه! لو تدرين بحالي!!
كم كنت تشبهين خالتك ازدهار يا ياسمين، فالضفائر ذاتها، فبعد رحيلك يا بنيتي لم أجدّل لها ضفائرها إلاّ لكي أتذكرك، لكي أتذكر الحزن، لا الفرح... أيام كنّا أنا وأنتِ!
وتلت السنة سنة أخرى، غدوتِ في عامكِ الثاني، أوَ تذكرين كم كنت تضحكين، وحلَّ يومًا من أيام نيسان، يومٌ عاصفٌ، شمسه قابعة منذ الصباح لا تتحرك، وكنت حينها تمشين في أولِ خطاكِ، أتذكرين يا ياسمين، فقررت أن أشتري لكِ حذاءً ذهبيًا كما ضفيرتيك، ولكنّي... لم أشترِ سوى الدموع والحزن والأسى!
بين أحضاني كنت والرصاصة أقبلت عليك، ولكنّي ظللت ممسكةً بك، فأهون عليَّ من أن أموتَ أنا على أن تموتي أنتِ...
يا لها من رصاصة بلهاء طائشة، لم تنجح في أن تُمزّق كياني، فمزّقتكِ أشلاءً وشظايا وأنت تنعمين بالدفء بين يديَّ، والدم يلوّن يديَّ وأصابعي ووجهي وخصلاً من شعري، آهٍِ، يا ليته لونَّ فؤادي!!
فماذا بعد انتظر من الحياة أن تمنحني، فيوم غبت لم تقبل رغبتي، فطوى مثواكِ جمالك يا صغيرتي، ولم يفلت منك سوى دبوسُ ذهبيُ كنت أزّين لك شعرك به، هو الدبوس الذي وقع منّي عندما كنت أجدّل ضفيرتي خالتكِ، أيُّ فاجعةٍ بعد ستُهديني إيّاها الأيام، وأنا لم أعتد أن أفقد من أحب إلاّ في لحظة هنائي معهن فأنتِ وأبوكِ قبلك، لكم كنّا سوف نُسعد ثلاثتنا، لكم كان يحلم فيك وبأخيك وبعائلة دافئة تضمنا ، فذهبت أحلامه أدراج الريح، وذهبتِ أنتِ وبقيت أنا يا لحني وأنشودتي.
وأنا الآن، بعد مضيّ أعوامٍ كثيرة، لا اعرف سوى أن أحلم، بك وبوالدكِ قبلك، وبأخيك الذي لولا مرارة الأحداث، لكنت الآن أنعم به، وبعمري التائه بين عواصف الزمن، ما زلتُ احتفظ لكِ بألبوم الصور، وأنتَ يا زوجي، اعذرني إن نسيتك وانشغلت عنك، ما حدث لابنتنا كان أقوى من الذكرى والذاكرة، فلم أهتم بكَ كثيرًَا بعد وفاتك، وذكراك ما فتئت أن توقفت من ذاكرتي، أواه، لو تدري ماذا حصل بعد غيابك، ولدت ياسمين، ولكنها لم تبق لي، فذهبت لتكلّل نفسها بين أزهار الجنة، حبي هو هو يا زوجي، عميقٌ وكبير كما تعهد، ولكّن زهرتي اقتُلعت من بستاني، ذهبت إليك يا سلوى أحزاني.