حلم من ورق
عندما أماطت الأرض بلثامها عن وجه الغروب الحزين, رحت ابحث كالمعتوه عن أحبائي هنا, هنا وهناك بعد أن أعياهم الملل حتى باتت أجسادهم الصغيرة متثاقلة لا تقوى على الحراك, وأنا التي عجزت عن ردع أسطول تساؤلاتي من أن يصول ويجول في الأعماق ,لعله أخيرا يجد موطئا له ولكن عبثا ما حاولت.
فما لمسته في الوجوه كان كافيا ليطرز شعوري بالحيرة بين دفاتر كتاباتي, فلما تؤول حياة إنسان إلى نفق مظلم بل لماذا يأذن لمتاهة الزمان أن تكون قاتلة العقول ومقبرتها, ولما يقرر عمد الأمة أن يهدم صومعة أحلامه وشبابه اليافع ويهب نفسه للعدم واليأس قربانا.
ورغم أشواك الألم التي انغرست في هذا القلب الجريح, فما وجدت نفسي إلا وإنني امسك بيدي المرتجفتين صور لآمال أدماها الضياع والتشرد وفجأة وبعد برهة وفيما كنت أحملق بتلك الصور المبعثرة أمامي, استوقفتني مقولة الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس"كلنا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ" فتساءلت في نفسي مرارا وتكرارا أليس عجبا أن يترك الشاب نفسه لكون الفراغ وهو الذي ينتزع الإبداع من الألباب ويجردها من جمالية الابتكار في سباق الجري نحو التقدم الثقافي الحضاري, لما يتجنب استنزاف قواه في سبيل التلذذ ولو بقليل من طعم التفوق, فهل يا ترى يرضى بان تهجره زغاريد الفرح وضحكات الغيوم, حتى ثرثرة الفراشات فوق الزهور لتشد الرحال إلى غير هذه الديار دون عوده؟!.
وبينما كانت لحظات النشوة تخيم على جلستي وقعت بين أناملي السيرة الذاتية لأشهر فناني النهضة الإيطالية ليوناردو دا فينشي فبدأت أقرأها بنهم لعلي افقه شيئا, فما رأيت نفسي بعدها إلا وهي تمشي على استحياء على غير عادتها حتى أنها كادت تتوارى بين أزقة الصمت, فما هي الآلام التي تكسو مسرح الحياة حتى أضحى الزمن أحقر ما يمكن أن يكون لدى شباب يملأ فضاءهم الفراغ,فها هو دافنشي صاحب المكانة الاجتماعية المرموقة يستشرس في إبعاد رصاصات الكدر التي اقتربت لتخترق فؤاده وقد أغدا احد أشهر الرسامين فضلا عن كونه رائدا في العديد من الأبحاث العلمية خاصة في مجال التشريح, البصريات وعلم الحركة,غير مكترث ماضيا بمسعاه نحو تحقيق العلا, ليس آبها لبراثن الحرمان بعد أن ولد في بلده صغيره وهو الابن الغير شرعي وقد طلقت أمه من زوجها فور ولادته بفترة قصيرة مما جعله يفقد حنان الأم.
فمهما كانت مرارة الأيام, يكفيك مثلا أن الشمس تشرق كل يوم من جديد, وكما قال المؤلف الأمريكي دايل كارينجي مطور الدروس المشهورة في تحسين الذات و مدير معهد كارنيجي للعلاقات الإنسانية "لدينا جميعاً إمكانيات لا نعرف عنها شيئاً وبالتالي فنحن نستطيع القيام بأشياء لم نكن حتى نحلم بقدرتنا على القيام بها"
هي معادلةٌ بسيطة:أن تحيى في عالم الفراغ = أن لا تندفع بطموحك نحو القمة =أن تغدو أحلامك كالورق قابلة للاندثار...فهل تحب أن تبقى كذلك?!
أو يعقل يا هذا أن تقف متفرجا على أحلامك التي قد تمسي بلحظة كالهشيم الناري في مهب الريح.