كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

ورقةٌ من خريف تشرين

كل العرب · 18/11/2008 الساعة 14:56

تذكر أنّها كانت تمشي على حافة الطريق، كانت مرهقةً، ليس من العمل، بل من الألم المخيّم في قلبها، من إنسانٍ أحبته ومنحته قلبها وحبها، وهو كذلك بادلها نفس الشعور، ولكن لا تدري ما الذي جرى وإذ به ينبئها في لقاءٍ معها، كان هو الأخير، إنَّ الأمل باستمرار العلاقة بينهما أمرٌ مستحيل، أكثر من هذه الكلمات لم ينطق، وهي حاولت مطولاً أن تعرف ما السبب، لكن دون أن تصل لتبريرٍ مقنع يفسّر له غيابه المفاجئ.
 لم تدرِ كيف وإذ بالذاكرة تجرفها سنةً إلى الوراء، لتذكر لحظات جميلة لم تبرح من بالها مطلقًا، وإذ بها أمام سكةِ حديدٍ عليها قطارٌ، كان القطار سريعًا، كان أشدُّ وطأةً من ذكرياتها السعيدة مع وسيم، ولكنها الآن في حزنها، ولم تكد تذرف لها دمعة حتى وجدت نفسها أما القطار السريع، قطارٌ ينهب الأرض نهبًا، لم تدرِ كيف وإذ بها تنجو بأعجوبة من سيره السريع، فقد كانت قريبةً جدًا منه في تلك اللحظة، لدرجة لو لم تتفقّدها رحمة الله  لكانت قد  تقطعت إربًا إربًا على سكة القطار، ولكنّها نجت بأعجوبة، وظلّت تمشي في الشارع وحيدةً، عين الشارع الذي كانت تلتقي فيه مع وسيم، وتحت نفس الشجرة تجلس هي الآن، وحيدةً، خلا من رسالةٍ كانت هي الأخيرة التي كتبها لها وسيم قبل أن يرحل عنها، خطَّ لها في نهاية الرسالة أنّه يتمنّى لها كل التوفيق والأمل أن يحالفاها في دروب الحياة، وفي النهاية كلمةُ وداعٍ كان لوقعها في نفس ازدهار دموعٌ وعبرات تناثرت كسيل المطر على وجهها.
    مرَّ من الأصيل أولّه، فمنتصفه، وهي ما زالت في صمتها، في تأملها وتألمها، على غياب الحب عن قلبها، هكذا دون أن تُدرك سببًا لغيابه، مشت بعد ذلك خطواتٍ مصرّةً على المسير، حتى وصلت البيت، كان الليل بعد في أوله، فاستراحت من تعب المسير، وألقت بجسدها على الفراش،  فنامت واستيقظت مع إشراقة اليوم التالي على صوت الباب يُدّق، فقامت من فورها لتفتح، كان الشخص الواقف على الباب ساعي البريد، فناولها رسالةً، تمعنّت بها جيدًا، فرأت في أسفل الرسالة أنّها مبعوثة من لندن فتفاجأت، فهي لا تعرف أحدًا في لندن، ففتحت الرسالة فوجدت بداخلها خاتمًا، دُهشت عندما رأت هذا الخاتم، فقرأت الرسالة، وعرفت أنَّ المرسل وسيم، يسألها عن حالها، ويخبرها عنه أنّه يعيش الآن في انجلترا، ويتمنّى لو أنّه بقي معها كما كان قبل سنة وما وراء السنة، ولكنّ ظروفه لم تسمح له بالبقاء، وفي الختام تمنّى لها التوفيق والنجاح في حياتها.
        ها إنّه من جديد يفاجئها بخطاباته المبهمة، الآن وقبل عام، وكأنّه لا يدري أنّه عند اغترابه عنها لم يودّعها أو بالأحرى لم يقل إلى أين هو ذاهب، إنّه الآن بعد مرور سنة يتذكر أنَّ له حبيبة فيسأل عنها الآن، وقلبها قد اختلطت  فيه مشاعر الفرح والحزن ، ومن جديد عاد ليخبرها أنَّ الظروف لم تسمح، ليته يوضّح، يفصح عمّا تكون تلك الظروف!
      دار دولاب الحياة دوره المعتاد، فرجعت إلى عملها في المدرسة، فهي معلمة لغة عربية للمرحلة الإعدادية، ووسيم بعيدٌ عنها، إنّه في لندن، وهي حسبها أنّه يتمتع هناك بحياةٍ رغيدة، حتّى أنّها ظنّت أنَّ تفاهةً منه أن يراسلها الآن بعد مضيّ عام، ولكنها لو كانت تدري عن حاله، عن قصته لما ظلّت متمسكةً بآرائها!
         أجمع الأطباء في لندن أنَّ حالة وسيم لَمستعصية، فلا أمل من شفاءه، فالمرض العضال نخر جسده إلى العمق، الأمر الذي بسببه باتت حالته مستعصية وصعبة الشفاء.
مرَّ عامٌ وهو تحت إشراف الأطباء، الجميع من أهله وإخوته يزورونه دومًا، وأمه لا تكاد تفارق غرفة المشفى، وهي التي ليسَ لها سواه، بعد أربع أخوات أكبر منه، تزوجنّ جميعهنّ، وهو ابنها الوحيد، ومع أنّه في الخامسة والعشرين، إلاّ أنّه في نظرها يبقى  وسيما الصغير المدلّل، الذي يحبه الجميع، وهو الآن في مرضه الأليم، كيف لها أن لا تتفقده يومًا بيوم ولحظة بلحظة، وهي إن خسرته تشعر كأنّها خسرت روح قلبها، دومًا كانت تطمئنه أنَّ حالته ستتحسّن، فقد غدا شاحبًا كالوردة الذابلة ، بالكاد يتناول طعامه، وحالته تزداد سوءًا، ومع إصرار الأطباء أن لا أمل في علاجه، فالخلايا توقف عملها في جسمه، إلاّ أنَّه في قرارة نفسه مصّرٌ أنّه سيتحسن وستغدو حالته أفضل، إنّه مؤمنٌ بالشفاء، وأيضًا مؤمنٌ بحبه لازدهار، حتمًا لن تفرط بالخاتم الذي أهداها إياه في رسالته الأخيرة، ذلك أنّه يدرك جيدًا من تكون، ولكن هي الآن تُقلّب أمره في ذهنها مرارًا، فلماذا الخاتم وحتّى الرسالة وما المعنى لهما؟ إن هو رحل وحتّى لم يقل إلى أين ذاهب، هو رحل، لكنه لم يرحل من قلبها ، حتّى أن بلغ بها الأمر أن ظنّته يتلاعب بها، وهو ينعم في حياة الرفاهية والرغيد، وربّما أيضًا عرف فتيات كثيرات غيرها، وكانت له علاقاته، وإنّه الآن تذكرها لا من أجل حبّه بها، بل ليزيد عذابات قلبها آهاتٍ!
وفي يومٍ خريفيّ من أيام تشرين، ووسيم بعد لا يزال بالمستشفى تحت العلاج، دخل عليه الطبيب في محاولةٍ أخيرة له، مع أنَّ الطبيب متأكدٌ أن سيعاينه وللمرة الأخيرة ولن يستفيد شيئًا، فإنَّ أمره محتومٌ، مآله الموت السريع، لكن ما حدث كان أشدُّ غرابةً، فما أن عاينه الطبيب حتى وجد كل شيءٍ يسير عكس ما تصوّر، فكل شيءٍ تحسّن في جسمه، والمرض لم يعد له أثرٌ.
لم ينسب وسيم شفاءه لأحدٍ بقدر ما نسبه لله عزَّ وجلَّ، فهو قادرٌ على كل شيء،فخلال ما مرَّ من أيام كثيرة ووسيم في المستشفى لم يتوقف عن الصلاة بقلبٍ مرهف الإيمان، ومع قناعة  الأطباء أن لا أمل في شفائه، إلاّ أنَّ الأمل ظلَّ مقيمًا في خلجات فؤاده، ظلَّ مؤمنًا متفائلاً وهو يدري أنَّ نظرات الجميع له هي الشفقة عينها، والرأفة نفسها، لكنّه انتصر على المرض بفضل إيمانه بساكن العرش  .
وبعد يومين خرج من المستشفى بصحة سليمة، وقلبٍ واثق، وهو يحمد الله على شفائه، نعم، لأجل هذا أرسل وسيم لازدهار الرسالة ومعها الخاتم، قلبه أنبأه أنّه سيُشفى وسيعود لها، سيجدها، إنّه رحل دون أن يقول لها شيئًا، وها إنّه سيعود أيضًا دون أن يخبرها، لأنه يحبّها  ، لم  يكن  يقوَ على إخبارها برحيله، فإن هو أخبرها إنّه راحلٌ، فإن استطاع أن يكذب على الجميع فعليها لن يستطيع، فحتمًا سيُرْغَمُ أن يخبرها أنّه سيسافر من أجل العلاج في لندن، حينها قلبها لن يقوى على تحمّل ثورة هذا البركان، ربّما سينهار، ولكن الآن بعدما شُفي سيعود لها بقلبٍ ملؤه الحب، وهو واثقٌ كلّ الثقة أن سيجدها في عملها، في حبّه لها دون أن تبعثره أوراق خريف تشرين!

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع