الأخبار العاجلة
يلاحظ أن غرس حبّ"القيادة والزّعامة" في نفوس الشّباب قد أصبحت ثقافة سائدة في مجتمعنا، ثقافة تغذيها التنظيمات والأحزاب ووسائل الاعلام والمؤسّسات بمختلف تسمياتها، فعندما يُعتقل شاب ما، أو يتحرر شخص ما من الأسر، أو يتم توظيف شخص ما للقيام بعمل ما، أو يتمّ نعي شهيد أو مُتوفّى ما، فإنّ صفة "القائد الكبير" تلصق بهذا الـ "ما" حتى يخال المرء أنّ كلّ أبناء شعبنا قيادات، ولم يتبق علينا سوى استيراد شعب لتسوسه وتقوده هذه القيادات، وهذا مخالف لسنّة الحياة وطبيعتها، وثقافة"القيادة" هذه خطيرة على الشّعب، وعلى مرحلة البناء الذي يفترض أن تكون حثيثة ودؤوبة وصادقة على مختلف الأصعدة، وعلى رأي مثلنا الشعبي"إذا أنا أمير وأنت أمير فمن يقود الحمير"؟ وتحضرني هنا حكاية شعبيّة يرويها أبناء البادية ومفادها"أنّ ابنتي شيخي قبيلتين كانتا صديقتين، وكانتا تتمازحان، فقالت إحداهما للأخرى"قبرتِِ أهلك"! فردت عليها الثانية"كثّر الله شيوخ أهلك"! وعادتا الى بيتيهما، فروت الأولى ما جرى بينهما لوالدها معقبة بأن صديقتها بلهاء بدلالة ردّها عليها، فقال لها والدها: بل أنت البلهاء يا بنيّتي، فالموت لا يقطع أحدا، لكن كثرة شيوخ القبيلة هلاك لها.
وإذا كنّا نفاخر بوعي أو بخلافه بكثرة قياداتنا التي يصعب حصرها وتعدادها، فلماذا لم نتساءل ولو مرّة واحدة عن سبب المصائب التي نعيشها؟ ولماذا لم ننتبه بأنه لا يمكن أن يكون شعبنا كلّه قيادات؟ وأستذكر هنا ما قاله الرّئيس الرّاحل ياسر عرفات عندما استقبل مرشّحي انتخابات المجلس التّشريعيّ بداية العام 1996 عن دائرة القدس في مكتبه في أريحا، وكان عددهم يزيد على الخمسين شخصا يتنافسون على سبعة مقاعد، فقال –رحمه الله- مازحا: مِنْ أين سنأتي بناخبين لكلّ هؤلاء المرشّحين؟
والغريب أنّ حبّ الألقاب عامّة وطامّة حتّى وصلت عالم الإبداع، وجاءت وسائل التّواصل الاجتماعيّ لتغذّي هذه الظّاهرة؛ لتنتشر على نطاق واسع! فهناك من يعتبر نفسه شاعراة أو قاصّاة أو روائيّاة أو ناقداة أو فنّاناة وهوي لا يعرف تفعيلات العروض أو الشّروط الفنّيّة للقصّة أو الرّواية أو المدارس والنّظريّات النّقديّة....إلخ، وهو مع ذلك يعتبر نفسه وهناك من يسحّج له "كبيرا" في مجاله الذي ارتضاه لنفسه. وهناك "مؤسّسات" وهميّة على وسائل التّواصل الاجتماعي تقوم بمنح الألقاب والصّفات الوهميّة، فيتلقّفها البعض وينشرها ويجد من يشيدون به ويقدّمون له التّهاني والتّبريكات، حتّى صار البعض يعتبر نفسها صاحبة أفضل ديوان شعر أو رواية أو مجموعة قصصيّة أو مسرحيّة أو لوحة فنّيّة. وهناك من صدّقت نفسها بأنّها واحدة من أفضل مئة مبدعة في العالم!
كما انسحبت ثقافة "القيادة" على "دعاة الدّين" في عالمنا العربيّ، وإن بطريقة أخرى، فكثرت فتاوي الجهلة التي تسيء ولا تنفع...وهكذا.
وقد انسحبت ثقافة ألقاب "القيادات" على السّاحة العشائريّة أيضا، فوجدنا صكوك العطوات والصّلحات العشائريّة على صفحات الصّحف المحليّة تزخربـ:" وعلى رأسها....عميد الإصلاح في المحافظة و....رئيس لجنة الإصلاح و...شيخ مشايخ منطقة...."ولا أحد يعلم كيف أصبح العميد عميدا أو رئيس اللجنة رئيسا أو شيخ المشايخ شيخا" ولهذا فان المشاكل العشائريّة تزداد وتستشري ولا تجد من يضع لها حدودا.
إن كثرة القيادات تعني عدم وجود جيش من العاملين في مختلف المجالات، وبالتّالي ستكون هناك أزمة خانقة في مختلف المجالات، فهلا راجعنا حساباتنا في ثقافة"القيادة والزّعامة" المزعومة وما يترتب على كثرتها من ويلات، وهل تساءلنا فيما إذا كانت لدينا حقّا كلّ هذه الكفاءات فلماذا نحن الشّعب الوحيد في الكرة الأرضيّة الذي لا يزال يعيش تحت الاحتلال؟ والحديث يطول.
27-3-2025
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency