30° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

أين الموضوعية في تحديد المسؤول!؟

لا شك أنه أمر مؤلم ومحير أن نرى جثث قتلى من الفلسطينيين في قطاع غزة أزهقت أرواحها بأيد فلسطينية. كما أنه من المؤلم أيضا أن نرى تلك الدماء التي نزفت في أحياء وحواري وشوارع غزة قد نزفت بفعل الرصاص الفلسطيني نفسه. ويتضاعف الألم عندما نشاهد من خلال شاشات التلفزة ذلك الدخان المنبعث وذلك الدمار المهول الذي لحق بغزة ومنشآتها جراء صدام الإخوة الأعداء.نعم... كل ذلك مؤلم ومحزن ومثبط، إلا أنه من المهم هنا أن لا تضيع ضمن سحب الدخان المنبعث في فضاء غزة والدمار المستنكر الذي حل فيها الرؤية الثاقبة والعميقة والشاملة لتلك الأحداث وتأسيساتها والتي خلفت عشرات القتلى والجرحى في صفوف حماس وفتح والمدنيين، في حين كانت إسرائيل تتابع فرحة ذلك القتال الأعمى وتغذي أسبابه.بداية ينبغي القول أن الموضوعية لا تعني الحيادية. بل إن الموضوعية تعني الانحياز إلى الحق. والموضوعية هنا تقتضي أن ثمة ظالما وثمة مظلوما. وأن ثمة معتديا وثمة معتدا عليه. والحيادية في مثل هذه المواقف تكون بحد ذاتها انحيازا للظلم والظالم وللاعتداء وللمعتدي.إن تلك الصدامات لم تبدأ جراء قتل أو خطف أو اعتداء فصيل على كوادر فصيل آخر فقط. بل إنها ليست ارتدادا لفوز حماس الانتخابي الكاسح مطلع العام الماضي فحسب، وعدم قدرة فتح على التعايش مع هذا الفوز الساحق لغريمتها حماس وهزيمتها المدوية. إن الموضوعية تقتضي أن نتلمس جذور المشكلة بالعودة إلى انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987، والتي شهدت ولادة حركة حماس. منذ ذلك التاريخ والعلاقة بين فتح وحماس سيئة، وما تكاد تندمل الجراحات بينهما حتى تنتكئ من جديد. السبب الرئيس لسوء العلاقة هو أن فتح لم تعتد منافسا لها على الساحة الفلسطينية. ومنذ انبثاق حماس من رحم جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية كان واضحا أنها لن تكون في الصفوف الخلفية لساحة تعج بفصائل المقاومة، وإنما انطلقت مباشرة إلى المقدمة لتكون رأسا لرأس مع أكبر وأقوى فصائل المقاومة الفلسطينية: حركة فتح. هذا بالطبع لم يعجب فتح وقياداتها في الداخل والخارج. ومما زاد من التوتر والحساسيات بين الفصيلين هو ذلك الشعور الذي تملك قادة فتح التاريخيين بأن الزمن يعيد نفسه ولكن بأدوار وسياقات مختلفة. فكثير من قادة فتح التاريخيين خرجوا من تحت عباءة الإخوان المسلمين في منتصف الخمسينيات. وهم قرروا أن يشكلوا إطارا نضاليا بعد أن رفضه الإخوان الفلسطينيون في غزة وذلك جراء شراسة الحملة الناصرية عليهم. فكان أن كانت فتح والتي اعتبرها الإخوان المسلمون حينها خروجا تنظيميا غير مقبول، وما لبثت الجماعة أن دخلت حينئذ معركة استقطاب مع التنظيم الجديد: فتح، كان من نتيجته أنها خسرت جلّ كوادرها النشطة لصالحها. ومع انبعاث حماس بقرار إخواني مؤسسي هذه المرة، شعرت فتح بأن الصفعة ترد لها من قبل الإخوان، وبأن الجماعة التي خسرت معركتها نسبيا معها في منتصف الخمسينيات على أبواب أن تكسبها الآن في أواخر عقد الثمانينيات، وهذا ما كان.وفي محاولة لمنع ذلك من الحدوث، شهدت أواخر الثمانينيات وحتى تشكيل السلطة الفلسطينية عام 1994، بناء على اتفاق أوسلو، صدامات دموية بين الفصيلين الأكبر، خصوصا في السجون، استلزمت اجتماعات على مستوى قيادة الحركتين في الخارج في محاولة لرأب أسباب الصراع. دوافع تلك الصدامات كانت كثيرة. فمن ناحية كان هناك الشعور بالتحدي من قبل حركة فتح، وهو الأمر الذي لم تعهده من قبل. وضاعف من ذلك الشعور اشتراط حماس لنسبة 40% من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني وبقية أطر المنظمة إن أريد منها دخول منظمة التحرير الفلسطينية، فضلا عن الخلاف الحاد بين الفصيلين حول العملية السلمية. حينها سارت قيادة فتح فيها ورأت فيها الوسيلة الوحيدة لحل القضية الفلسطينية، في حين اعتبرتها حماس حينئذ خيانة لقداسة القضية. إلا أن الاصطدام الأكبر بين التيارين سيأتي بعد قيام السلطة الفلسطينية في شهر تموز/يوليو 1994. حينها دخل الآلاف من مسلحي فتح (المنتسبين إلى جيش التحرير الفلسطيني) إلى مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة بموجب اتفاق أوسلو. وانضم إليهم آلاف آخرين من كوادر فتح في الداخل. وهكذا أصبح لدى فتح، والتي تحولت إلى حزب للسلطة عشرات الآلاف من المسلحين، تحت لافتات الأجهزة الأمنية المختلفة. وحسب اتفاقات أوسلو فإن الوظيفة الرئيسية لهؤلاء المسلحين كانت منع عمليات المقاومة ضد إسرائيل على أساس أنها "شريك سلام". حينئذ كانت حماس فصيل المقاومة الأكبر والأقوى، ولا زالت إلى اليوم. وحينها رفضت حماس اتفاقات أوسلو والتزامات السلطة الفتحاوية الأمنية مع إسرائيل. إلا أنها ورغم ذلك لم تدخل في صدام مسلح مع حركة فتح، ولم تسع إلى التصدي للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية. إلا أن حماس فعلت شيئا آخر استلزم التصعيد بين الحركتين. فقد استمرت حماس في عملها المقاوم رغما عن السلطة الفلسطينية، وهو ما استدعى غضبا إسرائيليا وتصعيدا من قبل السلطة الفلسطينية وحركة فتح معها. حماس كانت ترى أنها غير ملزمة باتفاقات غير شرعية وقعت بليل من وراء ظهر الشعب الفلسطيني، وحركة فتح كانت ترى أنها هي القيادة المخولة والشرعية بفعل قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي لم تكن تعترف بها حماس كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وجراء الجذب العكسي بين الفصيلين كان لابد من الصدام. إلا أن الملاحظ في هذا السياق أن الفعل كان يتأتى من طرف واحد هو طرف فتح والسلطة، في حين كانت حماس في موقع المتلقي. وقتها سفك دم كثير في غزة، كما في مجزرة مسجد فلسطين، والتي ارتكبتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1994والتي ذهب ضحيتها حوالي 15 فلسطينيا من أنصار حركتي حماس والجهاد الإسلامي. وقبل ذلك في تشرين الأول/أكتوبر في الضفة الغربية، والتي شهدت موجة من الاعتقالات والتصفيات في صفوف حماس، خصوصا في أعقاب عملية أسر جندي إسرائيلي من قبل كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس في بيرنيبالا. هذا فضلا عن عمليات التعاون الاستخباراتي مع الدولة العبرية ضد حركة حماس وجناحها العسكري، والتي أفضت إلى تصفية قيادات عسكرية كبيرة في الحركة أو اعتقالها، كما في حالة كمال كحيل والمهندس يحيى عياش ومحي الدين الخطيب وعادل وعماد عوض الله، والذين صفوا بأيد إسرائيلية أو بأيد إسرائيلية فلسطينية مشتركة، أو حسن سلامة قائد عمليات الرد على اغتيال عياش والذي تمّ تسليمه لإسرائيل بمعلومات استخباراتية فلسطينية، وكذلك خلية صوريف. إلا أن عام 1996 سيكون أكثر الأعوام توترا بين الطرفين، خصوصا بعد أن قامت حماس بعلميات رد قوية على اغتيال قائد جناحها العسكري المهندس يحيى عياش مطلع 1996. حينها قامت السلطة الفتحاوية بشن عمليات اعتقال عشوائية وواسعة في صفوف حماس، ورفعت من وتيرة تعاونها الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل ضد الحركة. وبلغ التصعيد الذروة مع اعتقال قادة حماس، من أمثال الدكتور محمود الزهار والشهيد إبراهيم المقادمة. ولم تكتف السلطة الفتحاوية بذلك بل إنها مارست الإذلال ضد قادة حماس، وذلك كما في حالة الزهار الذي حلقت لحيته وشاربيه في السجن، والمقادمة الذي كسر قفصه الصدري جراء التعذيب. بل إن الشيخ الشهيد أحمد ياسين لم يسلم هو الآخر من عسف السلطة الفتحاوية بعد الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية عام 1998 ضمن صفقة مع الأردن، وذلك بعد فشل محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة في عمان، خالد مشعل على أيدي الموساد الإسرائيلي. فقد فرضت السلطة غير مرة اعتقالا منزليا عليه، كما اعتقل الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي أكثر من مرة من قبل الأجهزة الأمنية مطلقة الولاء لفتح. كل ذلك كان يحدث دون أن ترد حماس ولو لمرة واحدة. حيث اختارت حينئذ العض على الجراحات، كما كانت تقول، منعا لاندلاع حرب أهلية فلسطينية.وبقي الحال على ما هو عليه، أي تصعيد من طرف فتح وانكفاء من قبل حماس، حتى تفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) في شهر أيلول/سبتمبر 2000. حينها وبسبب المزاج الشعبي، لم يكن أمام فتح وسلطتها إلا أن تفرج عن قادة حماس. وبسبب الانتفاضة والغطاء الشعبي لها، خصوصا مع انسداد الأفق السياسي لعملية التسوية والتي برزت بشكلها الأوضح في مفاوضات كامب ديفيد المراثونية في شهر تموز/يوليو 2000 بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إيهود بارك، تحت إشراف الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون. ومع الانتفاضة استعادت حماس ألقها ووهجها. حيث أضحى خيار المقاومة، الذي كانت تصر عليه صاحب اليد العليا. واستفادت حماس في شعبتيها من فشل خيار التسوية الذي تبنته فتح ورفضته هي. إلا أن انتفاضة الأقصى أيضا لم تخل من منغصات في العلاقة بين الطرفين، حيث اصطدم الطرفان مرات عدة بسبب إصرار الرئيس الراحل ياسر عرفات على أخذ هدنة من حماس، وكان فعلا أن أعطتها حماس مرات عدة، إلا أن إسرائيل كانت تفشلها في كل مرة. وحصل أن حاصرت السلطة منزل الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي أكثر من مرة، إلا أن هذه الأفعال جوبهت في هذه المرات برد من قبل أنصار حماس. ومع أن العلاقة تحسنت نوعا ما بين عرفات وقيادة حماس بعد حصار الرئيس الفلسطيني وإعلان الولايات المتحدة وإسرائيل بأنه طرف غير مرغوب فيه وحصول تمرد في صفوف فتح على قيادته، إلا أن وفاته أواخر عام 2004 فتحت الأبواب في العلاقة بين الطرفين على المجهول.حينها بدأت مرحلة الانتخابات البلدية الفلسطينية. وكان واضحا منذ البدء تخوف فتح من بروز حركة حماس فيها. ولذلك تمّت جدولتها على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى تبدأ بالمدن والقرى التي تتمتع فيها فتح بنفوذ أكبر. إلا أن المفاجئة كانت أن حماس حققت نتائج غير متوقعة فيها، جعلتها منافسا حقيقيا لفتح في مناطق نفوذها. إلا أن الضربة الأكبر ستتحقق في انتخابات المرحلة الثانية (أيار/مايو 2005) والتي ستفوز فيها حماس بتفوق، خصوصا في قطاع غزة، فما كان من السلطة إلا أن قامت بإلغاء الانتخابات في بعض الدوائر التي فازت فيها حماس، كرفح، بحجة التزوير، ومن ثمّ قامت بعد ذلك بتأجيل الانتخابات في المناطق الأخرى، كالخليل والتي تتمتع فيها حماس بنفوذ واسع.المهم من الاستعراض السابق، أن حماس لم ترد على التلاعب الانتخابي من قبل حركة فتح بالعصيان والتمرد ولم ترق جراء ذلك قطرة دم فلسطينية واحدة، بل إنها ورغم مقاطعتها للانتخابات الرئاسية الفلسطينية في شهر يناير/كانون الثاني 2005، والتي فاز فيها الرئيس الفلسطيني الحالي، محمود عباس (أبو مازن)، أعلنت أنها ستعمل معه. وعندما حدد محمود عباس موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية في عام 2005، والتي أعلنت حماس نيتها المشاركة فيها، ثمّ تراجع عن ذلك الموعد بضغوط من حركة فتح والتي لم تكن جاهزة لها، لم تعلن حماس التمرد والعصيان، ولم يرق الدم الفلسطيني كما يراق اليوم، على الرغم من أنه كان من الواضح جدا أن كل ذلك يتم من أجل تعزيز فرص فتح مقابل حماس.ومع فوز حماس في الانتخابات التشريعية في شهر يناير/كانون الثاني 2006، سعت الحركة جادة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ومدت يديها لفتح وقدمت الكثير من التنازلات لها وللكتل الأخرى، على الرغم من أن حماس فازت بأكثر من 66% من المقاعد، ما يعني أنها قادرة على تشكيل الحكومة وحدها وبدون مشاركة أي فصيل. إلا أن الرد على بادرة حسن النية هذه كانت الرفض بضغوط أمريكية وإسرائيلية وعربية. ومع تشكيل حماس للحكومة في شهر آذار/مارس 2006، بدأ الحصار الدولي الظالم على الشعب الفلسطيني، ولكن المفاجئة كانت بتحريض أطراف من فتح والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير عليه وذلك لإفشال تجربة حماس في الحكومة. وفوق هذا وذاك، بادر الرئيس الفلسطيني، إلى سحب أغلب الصلاحيات من حكومة حماس، وهي ذات الصلاحيات التي قاتل يوما الرئيس الفلسطيني الراحل عليها عندما كان (أي أبو مازن) رئيسا للوزراء.فمنذ اليوم الأول لفوز حماس، وفتح وقيادة السلطة تضعان العصي في دواليبها حتى لا تنجح في تجربتها.. حماس تجمع التبرعات والمساعدات، وخزينة عباس تتلقاها وتكنزها بحجة الحصار الدولي الذي طال قطاع البنوك.. وقادة حماس يحملون معهم حقائب الأموال عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتجاوز إجراءات الحصار الظالمة، والسلطة وفتح وقياداتهما يصفون قادة حماس بالمهربين ويحرضون أمريكا وإسرائيل على مصر كي لا تسمح لهم بنقل الأموال عبرها.. الخ. بل إن المثير أن الوزارة الفلسطينية بقيادة حماس أصبحت هياكل بدون مضامين. فمثلا كان وزير الداخلية الفلسطيني السابق سعيد صيام لا يملك صلاحية تحريك شرطي سير من مكانه، حيث أن قادة الأجهزة الأمنية الفتحاويون كانوا يرفضون كل أوامره، وهو الأمر الذي دعا صيام إلى تشكيل القوة التنفيذية من أنصار حماس وفصائل مقاومة أخرى، لتكون جهازا أمنيا تابعا له في وزارة الداخلية، وهو ما أثار ثائرة فتح وقيادة السلطة الفتحاوية والتي رأت في ذلك أمرا غير قانوني ولا هو من صلاحيات الوزير، وكأن عصيان الأجهزة الأمنية لأوامر وزير الداخلية أمر قانوني، وتحول قادتها إلى أمراء مافيا أمر مشروع!.ومنذ ذلك الحين بدأت الصدامات الدموية بين الطرفين. ولكن مرة أخرى وعودة إلى الموضوعية، فإن الذي حصل هو تمرد عسكري من قبل فتح وأجهزتها الأمنية على الحكومة الشرعية المنتخبة. ورغم اتفاق مكة في شهر شباط/فبراير الماضي برعاية من العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وما تبعه من تشكيل حكومة وحدة وطنية، قدمت فيها حماس تنازلات كبيرة ومؤلمة لصالح فتح، بما في ذلك أهم الوزارات السيادية، مثل الخارجية والإعلام، والتي حملتها شخصيات أقرب إلى فتح منها إلى حماس، وذهاب الداخلية إلى مستقل لم يكن خيار حماس الأول، ورغم ذلك لم يشفع له ذلك عند قادة فتح، حيث اضطر إلى الاستقالة بعد أن اكتشف أن وجوده وعدمه في موقعه واحد... رغم كل ذلك لم توقف فتح وسلطتها وأجهزتها الأمنية جهودها لتقويض حكومة حركة حماس، ومن هنا جاءت هذه الصدامات الدموية المؤسفة. نعم إن أي توصيف لواقع الحال في فلسطين إذا أريد أن يكون له أن يكون موضوعيا فإنه ينبغي أن يشير إلى ما يجري هناك على أنه تمرد عسكري ومحاولة انقلاب على الشرعية الشعبية، وإن مسؤولية أي حكومة، لا حكومة حماس فحسب، أن تتصدى لمن يريد العبث بأمن واستقرار النظام المنتخب ديمقراطيا. إن الموضوعية تقول إن الصدام الجاري في غزة فضلا عن أنه محاولة انقلابية، إنما هو صدام بين مشروعين ونهجين، مشروع يريد التمسك بالثوابت والحقوق الفلسطينية، ومشروع مدعوم من الخارج يريد تصفية القضية لمصالح ومنافع شخصية. وإلا ما معنى أن تدخل إسرائيل على الخط وتعلن أنها على استعداد لتقديم أي مساعدة يحتاجها عباس وحركة فتح في صدامهما مع حركة حماس!؟ وما معنى أن تدرب دول عربية مثل مصر والأردن كوادر في أجهزة الأمن الفتحاوية لمواجهة حماس عسكريا!؟ وما معنى أن تسمح مصر في عز الصدامات الدموية بدخول قرابة 700 مسلح فتحاوي دربتهم أجهزتها الأمنية بإشراف أمريكي إلى قطاع غزة!؟ وما معنى أن تدعم الولايات المتحدة الأجهزة الأمنية التابعة لعباس بـ 60 مليون دولار!؟ وما الذي تعنيه هذه الهجمات التي تشنها إسرائيل على مواقع القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية وعلى كوادر ومواقع القسام، الجناح العسكري لحماس، في الوقت الذي كانت فيه الصدامات محتدمة بين عناصر حماس وقوات التنفيذية الحكومية مع عناصر التمرد والانقلاب!؟الأجوبة على كل ما سبق واضحة... ولكن الكثير من الكتاب والصحفيين والمعلقين والمحللين المتألمين مما يحدث-لا أتحدث عن أصحاب الأجندة وأنصار الانقلابيين-يعانون من غبش في تعريف الموضوعية، والتني هي عندهم تعني إدانة الطرفين، الظالم والمظلوم معا، والمدافع عن الشرعية والمنقلب عليها، وأداة المشاريع الخارجية وأصحاب المشروع الوطني ووضعهما في ذات الخانة أو السلة! بل إنه حتى من يدعوا حماس إلى الانسحاب من الحكومة ليس موضوعيا. فحماس دخلت الانتخابات وقبلت بالمسؤولية، وحملها الشعب الفلسطيني هذه المسؤولية لحمايته من عصبة سماسرة تاجرت بماضيه وحاضره ومستقبله، وتخليها عنها اليوم وتنكصها عن حمل الأمانة والدفاع عن المشروع الوطني الذي استؤمنت عليه لأربع سنوات يعد عملا خيانيا بحد ذاته. وواهم من يظن أن انسحاب حماس من مسؤولياتها الملقاة شعبيا على عاتقها سيحميها من جبروت وقمع فتح وسلطتها، كما أنه واهم من يظن أن حماس ستعود بأريحية إلى ساحة المقاومة-التي لم تتركها أصلا-حيث أن لا فتح ولا سلطتها سيهدأ لهما بال حتى يكسروا عظام هذه الحركة التي تجرأت ونافستهم يوما وهزمتهم وقدمت مشروعا سياسيا يحتضن المقاومة فشلوا هم في تقديمه. إن حماس مطالبة بأن تخضع السلطة لنظام الشرعية الشعبية والوطنية.. لا أن تكون حكومتها في واد والسلطة الفلسطينية في واد آخر. هذه هي مسؤولية حماس.. أن تجفف مستنقعات الفساد في مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية المختلفة وأن تضرب باسم الشرعية والتفويض الشعبي على أيدي الفاسدين والمارقين واللصوص ومصاصي دماء الشعب الفلسطيني وسماسرة بيع الحقوق والثوابت الوطنية. وهي إن فعلت ذلك، فإنما هي تقوم بما انتخبت من أجله وعلى أساسه... وهي إن فعلت ذلك وتصدت للتمرد فإنما هي تضرب بسيف الشرعية متمردين وانقلابيين. ولا ينبغي بحال المساواة بين المدافع عن القانون والنظام وبين الخارج عنهما.لا شك أننا نشهد جيلا جديدا في حماس. جيل لا يقبل أبدا أن يعيد اجترار تجربة عام 1996ببكائيتها التراجيدية. ومن الواضح أن هذا الجيل إنما يقطع أول ما يقطع مع صيرورة التجربة الإخوانية المريرة والتي تتلذذ بعيشة الضحية ومنطق الثكلى والنائحة. تلك المدرسة (أي الإخوانية) التي تتراجع كلما تقدم خصومها نحوها. فلا خصومها يوقفون توغلهم في حصونها، ولا هي توقف تراجعها وتدافع عن حرماتها.  أنا لا أدافع عن حماس من حيث كونها حماسا، فلا أنا منتم لحماس ولا تربطني بها أي صلة، كما أنه لا تربطني أي صلة تنظيمية أو عاطفية بأي فصيل فلسطيني آخر، ولكنني أدافع كفلسطيني لاجئ عن إرادة شعبي والتي عبر عنها في صناديق الاقتراع. وأرفض كفلسطيني وناشط سياسي في أمريكا أن تمارس هذه الأخيرة سياسية الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بانتخاب من لا تحب ولا ترضى عنه في انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، تدعي أنها تريد من كل العالم أن يلتزم بها ويحترمها (أي آلية الديمقراطية في الحكم)، ثمّ هي تدعم أكبر الفاسدين والدكتاتوريين.

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 26/05/2007 الساعة 10:11
حجم الخط
أين الموضوعية في تحديد المسؤول!؟
أين الموضوعية في تحديد المسؤول!؟ · تصوير: كل العرب

لا شك أنه أمر مؤلم ومحير أن نرى جثث قتلى من الفلسطينيين في قطاع غزة أزهقت أرواحها بأيد فلسطينية. كما أنه من المؤلم أيضا أن نرى تلك الدماء التي نزفت في أحياء وحواري وشوارع غزة قد نزفت بفعل الرصاص الفلسطيني نفسه. ويتضاعف الألم عندما نشاهد من خلال شاشات التلفزة ذلك الدخان المنبعث وذلك الدمار المهول الذي لحق بغزة ومنشآتها جراء صدام الإخوة الأعداء.نعم... كل ذلك مؤلم ومحزن ومثبط، إلا أنه من المهم هنا أن لا تضيع ضمن سحب الدخان المنبعث في فضاء غزة والدمار المستنكر الذي حل فيها الرؤية الثاقبة والعميقة والشاملة لتلك الأحداث وتأسيساتها والتي خلفت عشرات القتلى والجرحى في صفوف حماس وفتح والمدنيين، في حين كانت إسرائيل تتابع فرحة ذلك القتال الأعمى وتغذي أسبابه.بداية ينبغي القول أن الموضوعية لا تعني الحيادية. بل إن الموضوعية تعني الانحياز إلى الحق. والموضوعية هنا تقتضي أن ثمة ظالما وثمة مظلوما. وأن ثمة معتديا وثمة معتدا عليه. والحيادية في مثل هذه المواقف تكون بحد ذاتها انحيازا للظلم والظالم وللاعتداء وللمعتدي.إن تلك الصدامات لم تبدأ جراء قتل أو خطف أو اعتداء فصيل على كوادر فصيل آخر فقط. بل إنها ليست ارتدادا لفوز حماس الانتخابي الكاسح مطلع العام الماضي فحسب، وعدم قدرة فتح على التعايش مع هذا الفوز الساحق لغريمتها حماس وهزيمتها المدوية. إن الموضوعية تقتضي أن نتلمس جذور المشكلة بالعودة إلى انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987، والتي شهدت ولادة حركة حماس. منذ ذلك التاريخ والعلاقة بين فتح وحماس سيئة، وما تكاد تندمل الجراحات بينهما حتى تنتكئ من جديد. السبب الرئيس لسوء العلاقة هو أن فتح لم تعتد منافسا لها على الساحة الفلسطينية. ومنذ انبثاق حماس من رحم جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية كان واضحا أنها لن تكون في الصفوف الخلفية لساحة تعج بفصائل المقاومة، وإنما انطلقت مباشرة إلى المقدمة لتكون رأسا لرأس مع أكبر وأقوى فصائل المقاومة الفلسطينية: حركة فتح. هذا بالطبع لم يعجب فتح وقياداتها في الداخل والخارج. ومما زاد من التوتر والحساسيات بين الفصيلين هو ذلك الشعور الذي تملك قادة فتح التاريخيين بأن الزمن يعيد نفسه ولكن بأدوار وسياقات مختلفة. فكثير من قادة فتح التاريخيين خرجوا من تحت عباءة الإخوان المسلمين في منتصف الخمسينيات. وهم قرروا أن يشكلوا إطارا نضاليا بعد أن رفضه الإخوان الفلسطينيون في غزة وذلك جراء شراسة الحملة الناصرية عليهم. فكان أن كانت فتح والتي اعتبرها الإخوان المسلمون حينها خروجا تنظيميا غير مقبول، وما لبثت الجماعة أن دخلت حينئذ معركة استقطاب مع التنظيم الجديد: فتح، كان من نتيجته أنها خسرت جلّ كوادرها النشطة لصالحها. ومع انبعاث حماس بقرار إخواني مؤسسي هذه المرة، شعرت فتح بأن الصفعة ترد لها من قبل الإخوان، وبأن الجماعة التي خسرت معركتها نسبيا معها في منتصف الخمسينيات على أبواب أن تكسبها الآن في أواخر عقد الثمانينيات، وهذا ما كان.وفي محاولة لمنع ذلك من الحدوث، شهدت أواخر الثمانينيات وحتى تشكيل السلطة الفلسطينية عام 1994، بناء على اتفاق أوسلو، صدامات دموية بين الفصيلين الأكبر، خصوصا في السجون، استلزمت اجتماعات على مستوى قيادة الحركتين في الخارج في محاولة لرأب أسباب الصراع. دوافع تلك الصدامات كانت كثيرة. فمن ناحية كان هناك الشعور بالتحدي من قبل حركة فتح، وهو الأمر الذي لم تعهده من قبل. وضاعف من ذلك الشعور اشتراط حماس لنسبة 40% من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني وبقية أطر المنظمة إن أريد منها دخول منظمة التحرير الفلسطينية، فضلا عن الخلاف الحاد بين الفصيلين حول العملية السلمية. حينها سارت قيادة فتح فيها ورأت فيها الوسيلة الوحيدة لحل القضية الفلسطينية، في حين اعتبرتها حماس حينئذ خيانة لقداسة القضية. إلا أن الاصطدام الأكبر بين التيارين سيأتي بعد قيام السلطة الفلسطينية في شهر تموز/يوليو 1994. حينها دخل الآلاف من مسلحي فتح (المنتسبين إلى جيش التحرير الفلسطيني) إلى مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة بموجب اتفاق أوسلو. وانضم إليهم آلاف آخرين من كوادر فتح في الداخل. وهكذا أصبح لدى فتح، والتي تحولت إلى حزب للسلطة عشرات الآلاف من المسلحين، تحت لافتات الأجهزة الأمنية المختلفة. وحسب اتفاقات أوسلو فإن الوظيفة الرئيسية لهؤلاء المسلحين كانت منع عمليات المقاومة ضد إسرائيل على أساس أنها "شريك سلام". حينئذ كانت حماس فصيل المقاومة الأكبر والأقوى، ولا زالت إلى اليوم. وحينها رفضت حماس اتفاقات أوسلو والتزامات السلطة الفتحاوية الأمنية مع إسرائيل. إلا أنها ورغم ذلك لم تدخل في صدام مسلح مع حركة فتح، ولم تسع إلى التصدي للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية. إلا أن حماس فعلت شيئا آخر استلزم التصعيد بين الحركتين. فقد استمرت حماس في عملها المقاوم رغما عن السلطة الفلسطينية، وهو ما استدعى غضبا إسرائيليا وتصعيدا من قبل السلطة الفلسطينية وحركة فتح معها. حماس كانت ترى أنها غير ملزمة باتفاقات غير شرعية وقعت بليل من وراء ظهر الشعب الفلسطيني، وحركة فتح كانت ترى أنها هي القيادة المخولة والشرعية بفعل قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي لم تكن تعترف بها حماس كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وجراء الجذب العكسي بين الفصيلين كان لابد من الصدام. إلا أن الملاحظ في هذا السياق أن الفعل كان يتأتى من طرف واحد هو طرف فتح والسلطة، في حين كانت حماس في موقع المتلقي. وقتها سفك دم كثير في غزة، كما في مجزرة مسجد فلسطين، والتي ارتكبتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1994والتي ذهب ضحيتها حوالي 15 فلسطينيا من أنصار حركتي حماس والجهاد الإسلامي. وقبل ذلك في تشرين الأول/أكتوبر في الضفة الغربية، والتي شهدت موجة من الاعتقالات والتصفيات في صفوف حماس، خصوصا في أعقاب عملية أسر جندي إسرائيلي من قبل كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس في بيرنيبالا. هذا فضلا عن عمليات التعاون الاستخباراتي مع الدولة العبرية ضد حركة حماس وجناحها العسكري، والتي أفضت إلى تصفية قيادات عسكرية كبيرة في الحركة أو اعتقالها، كما في حالة كمال كحيل والمهندس يحيى عياش ومحي الدين الخطيب وعادل وعماد عوض الله، والذين صفوا بأيد إسرائيلية أو بأيد إسرائيلية فلسطينية مشتركة، أو حسن سلامة قائد عمليات الرد على اغتيال عياش والذي تمّ تسليمه لإسرائيل بمعلومات استخباراتية فلسطينية، وكذلك خلية صوريف. إلا أن عام 1996 سيكون أكثر الأعوام توترا بين الطرفين، خصوصا بعد أن قامت حماس بعلميات رد قوية على اغتيال قائد جناحها العسكري المهندس يحيى عياش مطلع 1996. حينها قامت السلطة الفتحاوية بشن عمليات اعتقال عشوائية وواسعة في صفوف حماس، ورفعت من وتيرة تعاونها الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل ضد الحركة. وبلغ التصعيد الذروة مع اعتقال قادة حماس، من أمثال الدكتور محمود الزهار والشهيد إبراهيم المقادمة. ولم تكتف السلطة الفتحاوية بذلك بل إنها مارست الإذلال ضد قادة حماس، وذلك كما في حالة الزهار الذي حلقت لحيته وشاربيه في السجن، والمقادمة الذي كسر قفصه الصدري جراء التعذيب. بل إن الشيخ الشهيد أحمد ياسين لم يسلم هو الآخر من عسف السلطة الفتحاوية بعد الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية عام 1998 ضمن صفقة مع الأردن، وذلك بعد فشل محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة في عمان، خالد مشعل على أيدي الموساد الإسرائيلي. فقد فرضت السلطة غير مرة اعتقالا منزليا عليه، كما اعتقل الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي أكثر من مرة من قبل الأجهزة الأمنية مطلقة الولاء لفتح. كل ذلك كان يحدث دون أن ترد حماس ولو لمرة واحدة. حيث اختارت حينئذ العض على الجراحات، كما كانت تقول، منعا لاندلاع حرب أهلية فلسطينية.وبقي الحال على ما هو عليه، أي تصعيد من طرف فتح وانكفاء من قبل حماس، حتى تفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) في شهر أيلول/سبتمبر 2000. حينها وبسبب المزاج الشعبي، لم يكن أمام فتح وسلطتها إلا أن تفرج عن قادة حماس. وبسبب الانتفاضة والغطاء الشعبي لها، خصوصا مع انسداد الأفق السياسي لعملية التسوية والتي برزت بشكلها الأوضح في مفاوضات كامب ديفيد المراثونية في شهر تموز/يوليو 2000 بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إيهود بارك، تحت إشراف الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون. ومع الانتفاضة استعادت حماس ألقها ووهجها. حيث أضحى خيار المقاومة، الذي كانت تصر عليه صاحب اليد العليا. واستفادت حماس في شعبتيها من فشل خيار التسوية الذي تبنته فتح ورفضته هي. إلا أن انتفاضة الأقصى أيضا لم تخل من منغصات في العلاقة بين الطرفين، حيث اصطدم الطرفان مرات عدة بسبب إصرار الرئيس الراحل ياسر عرفات على أخذ هدنة من حماس، وكان فعلا أن أعطتها حماس مرات عدة، إلا أن إسرائيل كانت تفشلها في كل مرة. وحصل أن حاصرت السلطة منزل الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي أكثر من مرة، إلا أن هذه الأفعال جوبهت في هذه المرات برد من قبل أنصار حماس. ومع أن العلاقة تحسنت نوعا ما بين عرفات وقيادة حماس بعد حصار الرئيس الفلسطيني وإعلان الولايات المتحدة وإسرائيل بأنه طرف غير مرغوب فيه وحصول تمرد في صفوف فتح على قيادته، إلا أن وفاته أواخر عام 2004 فتحت الأبواب في العلاقة بين الطرفين على المجهول.حينها بدأت مرحلة الانتخابات البلدية الفلسطينية. وكان واضحا منذ البدء تخوف فتح من بروز حركة حماس فيها. ولذلك تمّت جدولتها على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى تبدأ بالمدن والقرى التي تتمتع فيها فتح بنفوذ أكبر. إلا أن المفاجئة كانت أن حماس حققت نتائج غير متوقعة فيها، جعلتها منافسا حقيقيا لفتح في مناطق نفوذها. إلا أن الضربة الأكبر ستتحقق في انتخابات المرحلة الثانية (أيار/مايو 2005) والتي ستفوز فيها حماس بتفوق، خصوصا في قطاع غزة، فما كان من السلطة إلا أن قامت بإلغاء الانتخابات في بعض الدوائر التي فازت فيها حماس، كرفح، بحجة التزوير، ومن ثمّ قامت بعد ذلك بتأجيل الانتخابات في المناطق الأخرى، كالخليل والتي تتمتع فيها حماس بنفوذ واسع.المهم من الاستعراض السابق، أن حماس لم ترد على التلاعب الانتخابي من قبل حركة فتح بالعصيان والتمرد ولم ترق جراء ذلك قطرة دم فلسطينية واحدة، بل إنها ورغم مقاطعتها للانتخابات الرئاسية الفلسطينية في شهر يناير/كانون الثاني 2005، والتي فاز فيها الرئيس الفلسطيني الحالي، محمود عباس (أبو مازن)، أعلنت أنها ستعمل معه. وعندما حدد محمود عباس موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية في عام 2005، والتي أعلنت حماس نيتها المشاركة فيها، ثمّ تراجع عن ذلك الموعد بضغوط من حركة فتح والتي لم تكن جاهزة لها، لم تعلن حماس التمرد والعصيان، ولم يرق الدم الفلسطيني كما يراق اليوم، على الرغم من أنه كان من الواضح جدا أن كل ذلك يتم من أجل تعزيز فرص فتح مقابل حماس.ومع فوز حماس في الانتخابات التشريعية في شهر يناير/كانون الثاني 2006، سعت الحركة جادة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ومدت يديها لفتح وقدمت الكثير من التنازلات لها وللكتل الأخرى، على الرغم من أن حماس فازت بأكثر من 66% من المقاعد، ما يعني أنها قادرة على تشكيل الحكومة وحدها وبدون مشاركة أي فصيل. إلا أن الرد على بادرة حسن النية هذه كانت الرفض بضغوط أمريكية وإسرائيلية وعربية. ومع تشكيل حماس للحكومة في شهر آذار/مارس 2006، بدأ الحصار الدولي الظالم على الشعب الفلسطيني، ولكن المفاجئة كانت بتحريض أطراف من فتح والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير عليه وذلك لإفشال تجربة حماس في الحكومة. وفوق هذا وذاك، بادر الرئيس الفلسطيني، إلى سحب أغلب الصلاحيات من حكومة حماس، وهي ذات الصلاحيات التي قاتل يوما الرئيس الفلسطيني الراحل عليها عندما كان (أي أبو مازن) رئيسا للوزراء.فمنذ اليوم الأول لفوز حماس، وفتح وقيادة السلطة تضعان العصي في دواليبها حتى لا تنجح في تجربتها.. حماس تجمع التبرعات والمساعدات، وخزينة عباس تتلقاها وتكنزها بحجة الحصار الدولي الذي طال قطاع البنوك.. وقادة حماس يحملون معهم حقائب الأموال عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتجاوز إجراءات الحصار الظالمة، والسلطة وفتح وقياداتهما يصفون قادة حماس بالمهربين ويحرضون أمريكا وإسرائيل على مصر كي لا تسمح لهم بنقل الأموال عبرها.. الخ. بل إن المثير أن الوزارة الفلسطينية بقيادة حماس أصبحت هياكل بدون مضامين. فمثلا كان وزير الداخلية الفلسطيني السابق سعيد صيام لا يملك صلاحية تحريك شرطي سير من مكانه، حيث أن قادة الأجهزة الأمنية الفتحاويون كانوا يرفضون كل أوامره، وهو الأمر الذي دعا صيام إلى تشكيل القوة التنفيذية من أنصار حماس وفصائل مقاومة أخرى، لتكون جهازا أمنيا تابعا له في وزارة الداخلية، وهو ما أثار ثائرة فتح وقيادة السلطة الفتحاوية والتي رأت في ذلك أمرا غير قانوني ولا هو من صلاحيات الوزير، وكأن عصيان الأجهزة الأمنية لأوامر وزير الداخلية أمر قانوني، وتحول قادتها إلى أمراء مافيا أمر مشروع!.ومنذ ذلك الحين بدأت الصدامات الدموية بين الطرفين. ولكن مرة أخرى وعودة إلى الموضوعية، فإن الذي حصل هو تمرد عسكري من قبل فتح وأجهزتها الأمنية على الحكومة الشرعية المنتخبة. ورغم اتفاق مكة في شهر شباط/فبراير الماضي برعاية من العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وما تبعه من تشكيل حكومة وحدة وطنية، قدمت فيها حماس تنازلات كبيرة ومؤلمة لصالح فتح، بما في ذلك أهم الوزارات السيادية، مثل الخارجية والإعلام، والتي حملتها شخصيات أقرب إلى فتح منها إلى حماس، وذهاب الداخلية إلى مستقل لم يكن خيار حماس الأول، ورغم ذلك لم يشفع له ذلك عند قادة فتح، حيث اضطر إلى الاستقالة بعد أن اكتشف أن وجوده وعدمه في موقعه واحد... رغم كل ذلك لم توقف فتح وسلطتها وأجهزتها الأمنية جهودها لتقويض حكومة حركة حماس، ومن هنا جاءت هذه الصدامات الدموية المؤسفة. نعم إن أي توصيف لواقع الحال في فلسطين إذا أريد أن يكون له أن يكون موضوعيا فإنه ينبغي أن يشير إلى ما يجري هناك على أنه تمرد عسكري ومحاولة انقلاب على الشرعية الشعبية، وإن مسؤولية أي حكومة، لا حكومة حماس فحسب، أن تتصدى لمن يريد العبث بأمن واستقرار النظام المنتخب ديمقراطيا. إن الموضوعية تقول إن الصدام الجاري في غزة فضلا عن أنه محاولة انقلابية، إنما هو صدام بين مشروعين ونهجين، مشروع يريد التمسك بالثوابت والحقوق الفلسطينية، ومشروع مدعوم من الخارج يريد تصفية القضية لمصالح ومنافع شخصية. وإلا ما معنى أن تدخل إسرائيل على الخط وتعلن أنها على استعداد لتقديم أي مساعدة يحتاجها عباس وحركة فتح في صدامهما مع حركة حماس!؟ وما معنى أن تدرب دول عربية مثل مصر والأردن كوادر في أجهزة الأمن الفتحاوية لمواجهة حماس عسكريا!؟ وما معنى أن تسمح مصر في عز الصدامات الدموية بدخول قرابة 700 مسلح فتحاوي دربتهم أجهزتها الأمنية بإشراف أمريكي إلى قطاع غزة!؟ وما معنى أن تدعم الولايات المتحدة الأجهزة الأمنية التابعة لعباس بـ 60 مليون دولار!؟ وما الذي تعنيه هذه الهجمات التي تشنها إسرائيل على مواقع القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية وعلى كوادر ومواقع القسام، الجناح العسكري لحماس، في الوقت الذي كانت فيه الصدامات محتدمة بين عناصر حماس وقوات التنفيذية الحكومية مع عناصر التمرد والانقلاب!؟الأجوبة على كل ما سبق واضحة... ولكن الكثير من الكتاب والصحفيين والمعلقين والمحللين المتألمين مما يحدث-لا أتحدث عن أصحاب الأجندة وأنصار الانقلابيين-يعانون من غبش في تعريف الموضوعية، والتني هي عندهم تعني إدانة الطرفين، الظالم والمظلوم معا، والمدافع عن الشرعية والمنقلب عليها، وأداة المشاريع الخارجية وأصحاب المشروع الوطني ووضعهما في ذات الخانة أو السلة! بل إنه حتى من يدعوا حماس إلى الانسحاب من الحكومة ليس موضوعيا. فحماس دخلت الانتخابات وقبلت بالمسؤولية، وحملها الشعب الفلسطيني هذه المسؤولية لحمايته من عصبة سماسرة تاجرت بماضيه وحاضره ومستقبله، وتخليها عنها اليوم وتنكصها عن حمل الأمانة والدفاع عن المشروع الوطني الذي استؤمنت عليه لأربع سنوات يعد عملا خيانيا بحد ذاته. وواهم من يظن أن انسحاب حماس من مسؤولياتها الملقاة شعبيا على عاتقها سيحميها من جبروت وقمع فتح وسلطتها، كما أنه واهم من يظن أن حماس ستعود بأريحية إلى ساحة المقاومة-التي لم تتركها أصلا-حيث أن لا فتح ولا سلطتها سيهدأ لهما بال حتى يكسروا عظام هذه الحركة التي تجرأت ونافستهم يوما وهزمتهم وقدمت مشروعا سياسيا يحتضن المقاومة فشلوا هم في تقديمه. إن حماس مطالبة بأن تخضع السلطة لنظام الشرعية الشعبية والوطنية.. لا أن تكون حكومتها في واد والسلطة الفلسطينية في واد آخر. هذه هي مسؤولية حماس.. أن تجفف مستنقعات الفساد في مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية المختلفة وأن تضرب باسم الشرعية والتفويض الشعبي على أيدي الفاسدين والمارقين واللصوص ومصاصي دماء الشعب الفلسطيني وسماسرة بيع الحقوق والثوابت الوطنية. وهي إن فعلت ذلك، فإنما هي تقوم بما انتخبت من أجله وعلى أساسه... وهي إن فعلت ذلك وتصدت للتمرد فإنما هي تضرب بسيف الشرعية متمردين وانقلابيين. ولا ينبغي بحال المساواة بين المدافع عن القانون والنظام وبين الخارج عنهما.لا شك أننا نشهد جيلا جديدا في حماس. جيل لا يقبل أبدا أن يعيد اجترار تجربة عام 1996ببكائيتها التراجيدية. ومن الواضح أن هذا الجيل إنما يقطع أول ما يقطع مع صيرورة التجربة الإخوانية المريرة والتي تتلذذ بعيشة الضحية ومنطق الثكلى والنائحة. تلك المدرسة (أي الإخوانية) التي تتراجع كلما تقدم خصومها نحوها. فلا خصومها يوقفون توغلهم في حصونها، ولا هي توقف تراجعها وتدافع عن حرماتها.  أنا لا أدافع عن حماس من حيث كونها حماسا، فلا أنا منتم لحماس ولا تربطني بها أي صلة، كما أنه لا تربطني أي صلة تنظيمية أو عاطفية بأي فصيل فلسطيني آخر، ولكنني أدافع كفلسطيني لاجئ عن إرادة شعبي والتي عبر عنها في صناديق الاقتراع. وأرفض كفلسطيني وناشط سياسي في أمريكا أن تمارس هذه الأخيرة سياسية الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بانتخاب من لا تحب ولا ترضى عنه في انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، تدعي أنها تريد من كل العالم أن يلتزم بها ويحترمها (أي آلية الديمقراطية في الحكم)، ثمّ هي تدعم أكبر الفاسدين والدكتاتوريين.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد