29° الناصرة $دولار أمريكي 2.97 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 خاطرة

سامحني يا صديق العُمر...

( إلى هؤلاء الذين ينصبون هوائيات فوق بيوتهم ، أو يخفونها داخل بيوتهم، مقابل حفنة من الدولارات- اتقوا الله  و تمعنوا في هذه الخاطرة – لعل الضمير يصحو...)

ك ا كل العرب خاطرة نُشر: 20/05/2008 الساعة 13:35
حجم الخط
سامحني يا صديق العُمر...
سامحني يا صديق العُمر... · تصوير: كل العرب

( إلى هؤلاء الذين ينصبون هوائيات فوق بيوتهم ، أو يخفونها داخل بيوتهم، مقابل حفنة من الدولارات- اتقوا الله  و تمعنوا في هذه الخاطرة – لعل الضمير يصحو...)


سُمِعَ صوت المنادي مُدوياً في أرجاء القرية :" بسم الله الرحمن الرحيم، بمزيد الحزن والأسى ننعى إليكم وفاة المرحوم سعيد... وسيُشيع جُثمانه الطاهر ..." استمر الناعي في إسماع نعوته ، فتعالت في القرية عبارات الأسف والحسرة على ذبول زهرة أُخرى من رياض البلدة الوادعة . في الحقيقة لم يُفاجئ هذه النعي
 من سمعه ،  فالكل يعرف أن سعيدا ً يُعاني من مرض عُضال ألّم فيه ، فكان موته  حتماً محتوماً في كل لحظة...
كان سليم ، صديق سعيد ، يقود سيارته عند سماع النعي ، فوقع الخبر على آذانه كالصاعقة ، وبسرعة البرق وجّه مركبته نحو بيت صديق عمره ، جارهُ وخليلهُ...
ترك السيارة مُهرولاً نحو بيت سعيد ، وكان المعزون قد أخذوا بالتوافد من كل حدب وصوب ،وقد بدت الوجوه  عابسة والألم يعتصر قلوب الأقارب والمعارف . سار سليم باتجاه زوجة سعيد ، بخطوات ثقيلة وبطيئة ، كأن رجليه التصقتا بالأرض . رفعتْ الزوجة عينيها المتجمرتين  باتجاه سليم صارخة بصوتٍ أبحّ: رحل جارك يا أبا العبد ... رحل صديق عمرك ورفيق دربك .. رحل بدون رجعة!!!" . حاول سليم جاهداً أن يُعزي جارته ، أن يُهدئ من روعها ، فاختنقت الكلمات في حنجرته وخنقت الدموع عباراته وتمتم ببضع كلمات لم يفهم أحد معناها إلا هو ! أدبر راجعاً إلى المعزين وانهار على أقرب كرسي وجدهُ...
سافر سليم مع ذكرياته وشرد مع ذهنه إلى الماضي القريب- البعيد ، مُستذكراً الروابط القوية والعلاقة الوطيدة التي ربطته بصديق عمره منذ سنين عدة . أعادته الذاكرة إلى أيام الطفولة والشباب ، فهُم أبناء حارة واحدة وشارع واحد ، يربطهما عبق الماضي وسحر الطفولة وبراءتها... حطَّ سليم في سفرته الذهنية في السنة الأخيرة، فتذكر ما حلَّ بصديقه على حين غرة . فقد شكا له سعيد ذات يوم أنه يُعاني من أوجاع تُلازمه على فترات مُتباعدة ، شارحاً لصديقة أن الوجع والألم يتركز في  بطنه . توجه سعيد في بداية الأمر إلى طبيب العائلة ، موضحاً له وجعه وعلتهُ ، فبادر هذا إلى إعطائه بعض المسكنات دون أن يفحصه فحصاً جذرياً . وبعد أن تتابعت الأوجاع واستعصت ، توجه إلى فحصٍ في المدينة المجاورة ، وهناك صُدمَ من هول المفاجأة ، حين أعلموه بأنّه مريض بالسرطان ، وبسرطان المعدة تحديداً ، وأن هذا المرض موجود في مرحلة متقدمة . يستذكر سليم كم كان وقع الخبر صعباً على أبناء عائلة سعيد وعلى زوجته وأولاده ، حتى تحولت الدموع المنهمرة من مُقلتهم  إلى نهرٍ جارٍ من الحزن والألم . إنها لحظات لا تُنسى . كان سليم يزور سعيد كل يوم تقريباً للاطمئنان على صحته ورأى بأم عينه وهن الجسم وضعفه ، حين استولى هذا المرض الخبيث على جسم صديقه فأقعده ، فلا قدرة  على الحراك ولا قوة على المشي والأكل ...
في الحقيقة لم يكن مرض سعيد الحالة الوحيدة في هذه الحارة الآمنة ، فقد تبين أن امرأتين في مقتبل العمر تُعانيان أيضاً من نفس الآفة ومن هذا المرض الخبيث –اللعين . أخذ أهل الحارة يبحثون ويتساءلون  عن سبب الكارثة التي حلت عليهم وألمت بهم ، وبدأت الإشاعات تُركز على وجود هوائيات للهواتف الخلوية مخفية في أحد بيوت الحارة . بدأ أهل الحي  يتهددون ، يتوعدون ويشتمون علناُ ذلك الخسيس-الرخيص الذي باع أهل حارته بثمن بخسٍ وزهيد ، ناعتين إياه "تاجر السرطان"، مُتسائلين : أين الضمير والإحساس ؟ أين العشرة وأصولها ؟ أين تعاليم الدين التي نهت عن الإساءة ودعت إلى حُب الغير كما تحب لنفسك ؟ هل أصبحت حياة الناس رخيصة إلى هذا الحد؟ كيف يرضى الإنسان  أن يُسبب الضرر لأخيه الإنسان من أجل حفنة من الدولارات يتلقاها مقابل وضع الهوائيات في بيته ؟ كيف وكيف؟...
كان يبدو وكأن أهل الحارة قد فقدوا رشدهم واتّزانهم وأخذوا يكيلون التهم ويتراشقون فيها ، دون أن يعرف أحداً من هو " تاجر السرطان "...
وصلتْ سفرة سليم مع الذاكرة إلى نهايتها ، وعاد بتفكيره إلى الحاضر ، فأدرك أن الوقت مرّ بسرعة ، فقد شرد بذهنه ساعة أو أكثر ، دون أن يعي ذلك ، وعاد إلى الواقع فرأى جثمان صديقه مُسجى في باحة الدار ، حيث باشر الأهل والأقارب بتقبيله وتوديعه الوداع الأخير . اقترب سليم من الجثمان بخطوات قد تبدو وكأنها إلى الخلف .. انحنى ليُقبل صديق عمره ، قائلاُ كلمات لم يفهمها سواه :"سامحني يا صاحبي .. سامحني يا أغلى صديق ... أُعذرني يا رفيق العمر ... فأنا ...هو... تاجر السرطان!!!"

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد