29° الناصرة $دولار أمريكي 3.03 ₪يورو 3.51 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

طموحٌ تعدّى الحدود

إنّه الآن، وبعد مرور ثمانية أعوام تطايرت من عمره كسحابة صيفٍ عابرة، ها إنّه الآن يراها على بعد خطوات من مكان عمله، وهي في نفسها ما يشدّها ألاّ تدخل، ما يرغمها ألاّ تنبش بعد بصفحات الماضي، الماضي الذي كان وهيب جزءًا منه، ولكنّه أضحى لا شيء سوى ذكرى جارفة عابرة.       ما كاد يراها وهيب حتى شعرَ بالزمن يعود به إلى أيامٍ تاق الآن أن تعود، يا ليتها تعود، فهي أحبته وكانت فتاةً في ربيع عمرها، أحبته قبل كلِّ شيءٍ لشخصه، لا لأيِّ غايةٍ كانت تتوخاها فيه، فما كان يجمعها به قبل الثماني سنوات هو العمل المشترك، فهي كانت تعمل في إحدى شركات النسيج الذي كان هو مسؤولاً عنها، فهي لم تحظَ إلاّ أن تعمل في هذا المجال، فقد تركت العلم في جيلٍ مبكّر، ووضع عائلتها هو الذي قادها قبل كل شيء أن تعمل، فتساعد أهلها وتعيل نفسها، فاليوم الأول لعملها في هذا المصنع أبدًا لا يبرح من ذاكرتها، وهي تتذكر وهيب ومدى رغبته العظيمة في مساعدتها، وكان خير الرجلٍ ، فشكرته يومها والدموع تنهمر من عينيها، فقد وجدت من يتطلّع لحالها، لفقرها وبؤسها الذي خيّم على حياتها وحياة والديها، فقدَّم لها كل عونٍ  لانجاز عملها على اتمّ وجه، وعملت وشعرت بالأيام تأخذها في دوامةٍ جميلة، فأحبت العمل، وأحبت كلَّ صباحٍ يُشرق، لتنطلق في مستهّله نحو العمل، ولينطلق قلبها النابض، السائل أن تتلَّمس من وهيب نظرةً، ابتسامة، أن يراها وتراه، وغدت الأحلام كبيرةً مفعمةً بالآمال، والحب في قلبها خالدٌ، وتواقٌ له، له وحده.        فما أسعدها من لحظاتٍ حين كانت تراه أو تكلمّه في أوقات فراغه، وهو الذي فضْله غمرها وجعلها تشعر بلذة الحياة، ونشوة العمل.        لم يكن وهيب يكبر انتصار بأعوام كثيرة، وكان أعزبًا، لا يملك من متاع الدنيا سوى هذا المعمل الضخم الذي كان قد ورثه عن أبيه المتوفي، وانتصار التي نجحت قبل كلِّ شيءٍ أن تحظَى بنيل وسامٍ في عينيه، فكانتفي  البداية  عاملة بسيطة فغدت مع الوقت رئيسة فرعٍ هام في المعمل، فاستطاعت بذلك أن تحسّن من أوضاعها في كافّة السبل، ولكنها لم تتطبّع إلى هذا فحسب، إلاّ أنّها وبحق أحبته، أحبت إطلالة كلِّ صباحٍ ليتسنّى لها رؤيته، وهو كذلك، لم يبادلها إلاّ بالمثل، فهي الوحيدة التي استطاعت أن تملك على قلبه وعلى أحاسيسه الكامنة في سباتٍ سنوات وسنوات، والتي لم يستطع سوى جعلها رهينة وجدانه، بصدقٍ هو أحبها، أحبها لبراعة أسلوبها الذي اجتذبته به ما جعله يتوق في شوقٍ جارفٍ لسماع كلِّ كلمةٍ تنزلق من شفتيها، وتتعثر في حنايا وجدانه، ولكنه الآن يمقتها، وحتّى الثماني سنوات لم تستطع إلاّ أن تزيد عذاباته جرحًا وألمًا، ليته لم يرها الآن، وهي مقبلةٌ إليه كما أتته يومًا، ولكنها الآن تعود لنفس الغاية، علّه يرأف بحالها ويتيح لها فرصة العمل من جديد ويمنحها فرصةً جديدةً، لا كما لم تمنحها الحياة من فرصها إلاّ القليل، فوفاة زوجها كان له السبب الأكبر في إقدامها وتجرؤها أن ترجع إليه، وهو من طردها من العمل، أينسى رياءها وخداعها الذي ألمَّ به وذاق مرارته، وهو من لم يعتد منها إلاّ أن تعامله بكلِّ حبٍ وحنان، حتى الصراحة أضحت من المفردات الأعجمية في قاموس مفرداتها، أضحت السراب عينه والانقشاع ذاته، فبعد أن وجدت نفسها تنعم بأموالٍ كثيرة اكتسبتها من عملها، وهي التي لم تحلم بمثل هذا يومًا، فتنظر إلى ذاتها كأنّها مولودةٌ من جديد، فأين هي الآن من ماضي الفقر والبؤس والحرمان، وهي في سباقٍ مع الزمن ومع وجوه أبنائه علّها تنهل من العطاء المزيد والمزيد، فاتسعت دائرة علاقاتها الاجتماعية، وهي وجهٌ مرغوبٌ مستحبٌ لدى رجال الأعمال، ومعمل النسيج الذي بدأت منه، لم يكن سوى شعلة البداية، ووهيب وثقته العمياء بها أنّها لا تعرف أحدًا غيره، وهو من كان على أتمّ استعداد أن يبذل جلَّ ما يملك لأجلها، لأجل هذا الحب الثائر في كيانه، لم يكن يدري أنّه أمام امرأةٍ استطاعت أن تحرك فيه السكون وتخمده في ذاتها، فهي بعد اعتلائها ذروة المجد، طمحت بالمزيد، وهكذا، إلا أن وصل بها المطاف عند رجلٍ بارزٍ من رجال الأعمال، ولكنّه كان متزوجًا، وكان سمير يحتاج من يدير له أمور الشركة، فوجدها هي الأنسب لمثل هذا العمل بعد أن رآها مراتٍ عدة في معمل زميله وهيب، وافقت على عرضه، وكلُّ هذا دون أن يعلم وهيب بأيِّ شيء، وكيف له أن يعلم، فما توسّمه منها ومن مدى إخلاصها الذي أظهرته له لا يدلُّ إلاّ على الحب الذي تكنّه له وحده، وهو في الواقع حبٌ تسيّره مشاعر امرأة ذاقت في طفولتها الأسى والبؤس، فتمنحها الحياة السعادة والرخاء، فينصاع قلبها لما تطلبه نفسها، فهي تستحقُّ أن تعيش، لا كما كانت تعيش، وأن تنعم برغيد الحياة بعد أن ذاقت صنوف العذاب وألوانه، ولهذا، لم تتردد أن تُسلّم حبيبها الجديد مفاتيح قلبها، فنسيت حبها القديم، وهو الذي لم يكن في الحقيقة سوى النور الذي أنار لها درب حياتها الجديد، ولكنّه انطفأ ليولد حبٌ ثانٍ في فؤادها، أو بالأحرى صفقاتٍ جديدة وعروض مادية ساحرة، ليجد وهيب نفسه مخدوعًا، فما أشدَّ وقع زواجها حزنًا في نفسه، وهو الذي لم يرَ منها إلاّ كل محبةٍ وإخلاص، حتّى ابتسامتها كانت ممزوجةً بالبؤس الذي خيّم على حياتها، جعلته في النهاية يذرف الدموع، دموعًا لم يذرفها على أيِّ امرأةٍ في حياته، دموع حزنٍ، فهي تزوجت برجلِ الأعمال الثريّ، وسافرت معه إلى أوروبا لتستقر هناك، ولتزرع في نفس وهيب يومًا بعد يوم جرحًا أعمق من سابقه، فتفاجئه الآن ولم يتغير من شكلها سوى قسمات وجهها، فتقابله، وهو مزمعٌ ألاّ يراها، فما كان منه إلاّ أن أشعل سيجارةً والقهر يلّون محيّا وجهه بألوانٍ كنهها السواد وغبار الزمن.        ظلَّ مزمعًا ألاّ يسمع منها أيّ كلمةٍ ولكنها أصرّت وسردت عليه كل قصتها وقصة وفاة زوجها وهي الآن نادمةٌ أنّها لم تختره هو، بل فضلّت المراكز والمناصب التي أوصلتها في نهاية المطاف إلى جزيرة منعزلة لوحدها، ودون أيِّ عونٍ، ولكن أنّى لكلامها وحتّى لو ظلّ ساعاتٍ وساعات أن يبدّل شيئًا في وهيب، فهو ثائرٌ ناقمٌ على الحب وعلى الآمال التي عظمّها في نفسه تجاهها فما كان منه إلاّ أن ظلَّ صامتًا..... وطالت لحظات السكون، هو عينه السكون الذي حركتّه فيه يومًا.

ك ا كل العرب قصة نُشر: 14/11/2008 الساعة 10:38
حجم الخط
طموحٌ تعدّى الحدود
طموحٌ تعدّى الحدود · تصوير: كل العرب

إنّه الآن، وبعد مرور ثمانية أعوام تطايرت من عمره كسحابة صيفٍ عابرة، ها إنّه الآن يراها على بعد خطوات من مكان عمله، وهي في نفسها ما يشدّها ألاّ تدخل، ما يرغمها ألاّ تنبش بعد بصفحات الماضي، الماضي الذي كان وهيب جزءًا منه، ولكنّه أضحى لا شيء سوى ذكرى جارفة عابرة.       ما كاد يراها وهيب حتى شعرَ بالزمن يعود به إلى أيامٍ تاق الآن أن تعود، يا ليتها تعود، فهي أحبته وكانت فتاةً في ربيع عمرها، أحبته قبل كلِّ شيءٍ لشخصه، لا لأيِّ غايةٍ كانت تتوخاها فيه، فما كان يجمعها به قبل الثماني سنوات هو العمل المشترك، فهي كانت تعمل في إحدى شركات النسيج الذي كان هو مسؤولاً عنها، فهي لم تحظَ إلاّ أن تعمل في هذا المجال، فقد تركت العلم في جيلٍ مبكّر، ووضع عائلتها هو الذي قادها قبل كل شيء أن تعمل، فتساعد أهلها وتعيل نفسها، فاليوم الأول لعملها في هذا المصنع أبدًا لا يبرح من ذاكرتها، وهي تتذكر وهيب ومدى رغبته العظيمة في مساعدتها، وكان خير الرجلٍ ، فشكرته يومها والدموع تنهمر من عينيها، فقد وجدت من يتطلّع لحالها، لفقرها وبؤسها الذي خيّم على حياتها وحياة والديها، فقدَّم لها كل عونٍ  لانجاز عملها على اتمّ وجه، وعملت وشعرت بالأيام تأخذها في دوامةٍ جميلة، فأحبت العمل، وأحبت كلَّ صباحٍ يُشرق، لتنطلق في مستهّله نحو العمل، ولينطلق قلبها النابض، السائل أن تتلَّمس من وهيب نظرةً، ابتسامة، أن يراها وتراه، وغدت الأحلام كبيرةً مفعمةً بالآمال، والحب في قلبها خالدٌ، وتواقٌ له، له وحده.        فما أسعدها من لحظاتٍ حين كانت تراه أو تكلمّه في أوقات فراغه، وهو الذي فضْله غمرها وجعلها تشعر بلذة الحياة، ونشوة العمل.        لم يكن وهيب يكبر انتصار بأعوام كثيرة، وكان أعزبًا، لا يملك من متاع الدنيا سوى هذا المعمل الضخم الذي كان قد ورثه عن أبيه المتوفي، وانتصار التي نجحت قبل كلِّ شيءٍ أن تحظَى بنيل وسامٍ في عينيه، فكانتفي  البداية  عاملة بسيطة فغدت مع الوقت رئيسة فرعٍ هام في المعمل، فاستطاعت بذلك أن تحسّن من أوضاعها في كافّة السبل، ولكنها لم تتطبّع إلى هذا فحسب، إلاّ أنّها وبحق أحبته، أحبت إطلالة كلِّ صباحٍ ليتسنّى لها رؤيته، وهو كذلك، لم يبادلها إلاّ بالمثل، فهي الوحيدة التي استطاعت أن تملك على قلبه وعلى أحاسيسه الكامنة في سباتٍ سنوات وسنوات، والتي لم يستطع سوى جعلها رهينة وجدانه، بصدقٍ هو أحبها، أحبها لبراعة أسلوبها الذي اجتذبته به ما جعله يتوق في شوقٍ جارفٍ لسماع كلِّ كلمةٍ تنزلق من شفتيها، وتتعثر في حنايا وجدانه، ولكنه الآن يمقتها، وحتّى الثماني سنوات لم تستطع إلاّ أن تزيد عذاباته جرحًا وألمًا، ليته لم يرها الآن، وهي مقبلةٌ إليه كما أتته يومًا، ولكنها الآن تعود لنفس الغاية، علّه يرأف بحالها ويتيح لها فرصة العمل من جديد ويمنحها فرصةً جديدةً، لا كما لم تمنحها الحياة من فرصها إلاّ القليل، فوفاة زوجها كان له السبب الأكبر في إقدامها وتجرؤها أن ترجع إليه، وهو من طردها من العمل، أينسى رياءها وخداعها الذي ألمَّ به وذاق مرارته، وهو من لم يعتد منها إلاّ أن تعامله بكلِّ حبٍ وحنان، حتى الصراحة أضحت من المفردات الأعجمية في قاموس مفرداتها، أضحت السراب عينه والانقشاع ذاته، فبعد أن وجدت نفسها تنعم بأموالٍ كثيرة اكتسبتها من عملها، وهي التي لم تحلم بمثل هذا يومًا، فتنظر إلى ذاتها كأنّها مولودةٌ من جديد، فأين هي الآن من ماضي الفقر والبؤس والحرمان، وهي في سباقٍ مع الزمن ومع وجوه أبنائه علّها تنهل من العطاء المزيد والمزيد، فاتسعت دائرة علاقاتها الاجتماعية، وهي وجهٌ مرغوبٌ مستحبٌ لدى رجال الأعمال، ومعمل النسيج الذي بدأت منه، لم يكن سوى شعلة البداية، ووهيب وثقته العمياء بها أنّها لا تعرف أحدًا غيره، وهو من كان على أتمّ استعداد أن يبذل جلَّ ما يملك لأجلها، لأجل هذا الحب الثائر في كيانه، لم يكن يدري أنّه أمام امرأةٍ استطاعت أن تحرك فيه السكون وتخمده في ذاتها، فهي بعد اعتلائها ذروة المجد، طمحت بالمزيد، وهكذا، إلا أن وصل بها المطاف عند رجلٍ بارزٍ من رجال الأعمال، ولكنّه كان متزوجًا، وكان سمير يحتاج من يدير له أمور الشركة، فوجدها هي الأنسب لمثل هذا العمل بعد أن رآها مراتٍ عدة في معمل زميله وهيب، وافقت على عرضه، وكلُّ هذا دون أن يعلم وهيب بأيِّ شيء، وكيف له أن يعلم، فما توسّمه منها ومن مدى إخلاصها الذي أظهرته له لا يدلُّ إلاّ على الحب الذي تكنّه له وحده، وهو في الواقع حبٌ تسيّره مشاعر امرأة ذاقت في طفولتها الأسى والبؤس، فتمنحها الحياة السعادة والرخاء، فينصاع قلبها لما تطلبه نفسها، فهي تستحقُّ أن تعيش، لا كما كانت تعيش، وأن تنعم برغيد الحياة بعد أن ذاقت صنوف العذاب وألوانه، ولهذا، لم تتردد أن تُسلّم حبيبها الجديد مفاتيح قلبها، فنسيت حبها القديم، وهو الذي لم يكن في الحقيقة سوى النور الذي أنار لها درب حياتها الجديد، ولكنّه انطفأ ليولد حبٌ ثانٍ في فؤادها، أو بالأحرى صفقاتٍ جديدة وعروض مادية ساحرة، ليجد وهيب نفسه مخدوعًا، فما أشدَّ وقع زواجها حزنًا في نفسه، وهو الذي لم يرَ منها إلاّ كل محبةٍ وإخلاص، حتّى ابتسامتها كانت ممزوجةً بالبؤس الذي خيّم على حياتها، جعلته في النهاية يذرف الدموع، دموعًا لم يذرفها على أيِّ امرأةٍ في حياته، دموع حزنٍ، فهي تزوجت برجلِ الأعمال الثريّ، وسافرت معه إلى أوروبا لتستقر هناك، ولتزرع في نفس وهيب يومًا بعد يوم جرحًا أعمق من سابقه، فتفاجئه الآن ولم يتغير من شكلها سوى قسمات وجهها، فتقابله، وهو مزمعٌ ألاّ يراها، فما كان منه إلاّ أن أشعل سيجارةً والقهر يلّون محيّا وجهه بألوانٍ كنهها السواد وغبار الزمن.        ظلَّ مزمعًا ألاّ يسمع منها أيّ كلمةٍ ولكنها أصرّت وسردت عليه كل قصتها وقصة وفاة زوجها وهي الآن نادمةٌ أنّها لم تختره هو، بل فضلّت المراكز والمناصب التي أوصلتها في نهاية المطاف إلى جزيرة منعزلة لوحدها، ودون أيِّ عونٍ، ولكن أنّى لكلامها وحتّى لو ظلّ ساعاتٍ وساعات أن يبدّل شيئًا في وهيب، فهو ثائرٌ ناقمٌ على الحب وعلى الآمال التي عظمّها في نفسه تجاهها فما كان منه إلاّ أن ظلَّ صامتًا..... وطالت لحظات السكون، هو عينه السكون الذي حركتّه فيه يومًا.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد