من قال لم يقرعوا الجدران..؟
اعتدنا أن نطرح فكرة أو كلمة كمسلّمة بعيداً عن عناء الاعتراف بحق الوجود و التجاور لأفكار و كلمات أخرى. ولو على أسطر موازية، لا تنقض بالضرورة ما سبقها.حاول الأديب و الصحفي الفلسطيني غسان كنفاني عبر ابداعاته المتنوعة من الرواية و القصة و المسرح والمقال الصحفي والدراسة النقدية وحتى الفن التشكيلي، حاول التصدي لهذه العادة التي درج عليها الكثير من الكتّاب في تناولهم لشتى المواضيع في الأدب والسياسة والاجتماع... حاول أن يطرح الفكرة والكلمة الأخرى، غير السائدة. من ناحية حاول طرح أفكاره المنحازة للوطن و اللاجئين والثورة و الفقراء، ولهؤلاء أصوات لا تكاد تُسمع. ومن ناحية أخرى، وهذا مجال حديثنا، لم يسلّم بأفكار فقط لأنها السائدة والحقيقية بنظر البعض. كان يرى في الأمور نسبية حقيقتها أكثر مما هي بادية عليه كحقائق آبدة تمدد بآنيتها مع الزمن.سأحاول عبر أسطري هذه أن أتخذ ذات المنحى في قراءة روايته (رجال في الشمس)، أن أراها ليست كما بدت للكثير، لا محاولة لنقض ما سبقني ورفض الأفكار السائدة فيما يخص المادة التي أتناولها، بل لطرح فكرة لم تأخذ حقها في الوجود و مجاورة غيرها، و تم نفيها لأسباب لم أجد في الرواية ما يبررها. يمكن اعتبار أسطري هذه انتصاراً للمُغيّب من الأفكار، تلك التي تستحق أن ترى النور.مادتي هي اللحظات التي سبقت موت أبطال الرواية الثلاثة الذين هربوا من بؤس العيش في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين متجهين شرقاً إلى الكويت، بدلاً من الاتجاه غرباً نحو الوطن، موتهم من شدة القيظ في خزان شاحنة تلتهمها أشعة الشمس. يأخذ عليهم الكثير بأنهم لم يقرعوا جدران الخزان الذي احتُبسوا فيه فماتوا بكل هدوء. من كل ما قرأت لم يمر عليّ بأن أحداً ناقش فكرة احتمال أن يكونوا قد قرعوا الجدران، بل ناقش الجميعُ و حلل أسباب عدم قرع الخزان.الفكرة التي قفز عنها الكثير هي مسألة قرع الجدران من عدمها. لا أحاول هنا إثبات أن الجدران قد تشققت تحت قرعاتهم و صرخاتهم، أو حتى أنهم قرعوا الجدران أصلاً. و لا أحاول نفي أي فكرة تناولت الموضوع. ما أحاول طرحه هنا هو تساؤلي عن تجاهل الكثيرين لغير ما جاء على لسان سائق الشاحنة المخصي، أبو الخيزران، الذي مثّل الرواية "الرسمية" لما حدث حين قال: لماذا لم تقرعوا جدران الخزان. هو لا يعلم إن كانوا قرعوه أم لا، و ليس في الرواية ما يحتم سماعه لهم في حال قرعوا الجدران. كلماته هذه كانت رمياً لمسؤولية مصابهم عليهم وحدهم، و هم الغريبون الضعفاء، والموتى بعد ذلك. لا غرابة في ذلك إن أخذنا ما يمثله أبو الخيزران- القيادة الرسمية- بعين الاعتبار. الغرابة تكمن في أن يتبعه معظم الكتّاب في حكمه التلقائي بأنهم لم يقرعوا الجدران، و ينطلقوا منه كمسلّمة يُبنى عليها التحليل.لست في وارد الدفاع عن الهاربين الثلاثة، فهم ملامون أيضاً، و ليس للوم علاقة بالخزان، بل بهروبهم من واقعهم و ابتعادهم عن فلسطين و فصلهم للهم الذاتي عن الهم الجمعي، الطبقي منه والوطني.لم أجد في، وبين، أسطر الرواية ما يثبت فكرة أنهم لم يقرعوا الجدران، لأني ببساطة لا آخذ كلام أبو الخيزران على محمل الثقة أو الوطنية، و لا أستطيع بناء رأيي على كلمات ظل يرددها- أذكر هنا البروباغاندا الهتلرية الرسمية التي اتبعت سياسة ترديد الكذبة إلى أن تُصدق- كلماته التي كانت تكفي عند الكثيرين للتسليم بعدم قرعهم الجدران. كما لم أجد ما ينفي فكرة أنهم قرعوه. ومن هنا "أقول كلمتي و أمشي"، من ضرورة توفير حق الوجود و الاختلاف لعدة آراء وأفكار وكلمات، كما أراد غسان، أو كما أراه يريد.أوقف أبو الخيزران شاحنته بخزانها الذي يستقبر أبو قيس وسعد ومروان عند نقطة حدودية، هذا المكان لا يعج بالناس بشكل عام ولم يكن يعج بهم، بشكل خاص، في رواية كنفاني، حيث ترنو الشمس بقيظها لتلامس صحراء الخليج التي تكاد رمالها تتبخر. في المقطع التالي المأخوذ من الرواية ذاتها يصف غسان المكان الذي أوقف فيه أبو الخيزران شاحنته حيث مات الثلاثة، تجدون هنا ما يعطي لفكرة أنهم قرعوا و لم يسمعهم أحد الحق في تجاور غيرها من الأفكار: "لم يكن ثمة، غير سيارة أو سيارتين واقفتين في طرف الساحة الكبيرة بالانتظار، كان الصمت مطبقاً بكثافة إلا من أصوات هدير مكيفات (أيضاً وصف الهدير بأنه يملأ الساحة) الهواء المثبتة على كل الشبابيك المطلة على الساحة، و لم يكن هناك سوى جندي واحد واقف في كوخ خشبي صغير يقع على جانب الدرج العريض".وكأن غسان أراد أن يمنح مساحة يؤخذ فيها بغير كلام أبي الخيزران. فلا أحد يرمي بنفسه للموت هكذا، بكل هدوء، حتى وإن كان واثقاً بأنه عبثاً يستغيث. و احتمال ألا يسمعَ أحد أو أن يسمعَ أحد ولا يجيب أقرب للمنطق من احتمال أن يستكين الثلاثة ولا يصرخون أو يقرعون علّهم يجدون طريقاً آخر غير الموت، و من يعزو فكرة "عدم قرعهم للجدران" للبناء التراجيدي في الرواية أقول بأن نهايتهم بلا أية قرعة نهاية عبثية ليست ملزمة على غسان لإتمام البنية التراجيدية لـ (رجال في الشمس) كرواية واقعية رمزية.لو أخذنا حياة غسان ونضاله وفكره ومجمل نتاجاته لوصلنا لتغليب فكرة أنهم قرعوا الجدران حتى ماتوا، لم يسمعهم أحد، فقتلهم عجز أبي الخيزران وسطحية وتخلف موظفي حرس الحدود العربية، وكان لذلك العجز والتخلف ضجيج ملأ الفضاء و لم يسمح لقرعات الحياة على الجدران بالصراخ، بل كتمها مصادراً حقها في الوجود و التجاور معه، فماتت خنقاً.نصبح ونمسي على أن الرواية المقنِعة هي الرواية الرسمية، والصوت المسموع هو صوت القوي، والسائد هو الصحيح وما غيره هرطقة. فلنتعلم من غسان أن للضعيف صوتاً يجب أن يَصدح، ورواية يجب أن تُسجّل، وأن الآراء تتجاور طالما أن القراءة تختلف حسب القارئ وحسب الزمان، وطالما أن الحقيقة نسبية. كما أن المفاهيم ستتغير لو آن للموتى أن يتكلموا، خاصة الضعفاء منهم.
اعتدنا أن نطرح فكرة أو كلمة كمسلّمة بعيداً عن عناء الاعتراف بحق الوجود و التجاور لأفكار و كلمات أخرى. ولو على أسطر موازية، لا تنقض بالضرورة ما سبقها.حاول الأديب و الصحفي الفلسطيني غسان كنفاني عبر ابداعاته المتنوعة من الرواية و القصة و المسرح والمقال الصحفي والدراسة النقدية وحتى الفن التشكيلي، حاول التصدي لهذه العادة التي درج عليها الكثير من الكتّاب في تناولهم لشتى المواضيع في الأدب والسياسة والاجتماع... حاول أن يطرح الفكرة والكلمة الأخرى، غير السائدة. من ناحية حاول طرح أفكاره المنحازة للوطن و اللاجئين والثورة و الفقراء، ولهؤلاء أصوات لا تكاد تُسمع. ومن ناحية أخرى، وهذا مجال حديثنا، لم يسلّم بأفكار فقط لأنها السائدة والحقيقية بنظر البعض. كان يرى في الأمور نسبية حقيقتها أكثر مما هي بادية عليه كحقائق آبدة تمدد بآنيتها مع الزمن.سأحاول عبر أسطري هذه أن أتخذ ذات المنحى في قراءة روايته (رجال في الشمس)، أن أراها ليست كما بدت للكثير، لا محاولة لنقض ما سبقني ورفض الأفكار السائدة فيما يخص المادة التي أتناولها، بل لطرح فكرة لم تأخذ حقها في الوجود و مجاورة غيرها، و تم نفيها لأسباب لم أجد في الرواية ما يبررها. يمكن اعتبار أسطري هذه انتصاراً للمُغيّب من الأفكار، تلك التي تستحق أن ترى النور.مادتي هي اللحظات التي سبقت موت أبطال الرواية الثلاثة الذين هربوا من بؤس العيش في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين متجهين شرقاً إلى الكويت، بدلاً من الاتجاه غرباً نحو الوطن، موتهم من شدة القيظ في خزان شاحنة تلتهمها أشعة الشمس. يأخذ عليهم الكثير بأنهم لم يقرعوا جدران الخزان الذي احتُبسوا فيه فماتوا بكل هدوء. من كل ما قرأت لم يمر عليّ بأن أحداً ناقش فكرة احتمال أن يكونوا قد قرعوا الجدران، بل ناقش الجميعُ و حلل أسباب عدم قرع الخزان.الفكرة التي قفز عنها الكثير هي مسألة قرع الجدران من عدمها. لا أحاول هنا إثبات أن الجدران قد تشققت تحت قرعاتهم و صرخاتهم، أو حتى أنهم قرعوا الجدران أصلاً. و لا أحاول نفي أي فكرة تناولت الموضوع. ما أحاول طرحه هنا هو تساؤلي عن تجاهل الكثيرين لغير ما جاء على لسان سائق الشاحنة المخصي، أبو الخيزران، الذي مثّل الرواية "الرسمية" لما حدث حين قال: لماذا لم تقرعوا جدران الخزان. هو لا يعلم إن كانوا قرعوه أم لا، و ليس في الرواية ما يحتم سماعه لهم في حال قرعوا الجدران. كلماته هذه كانت رمياً لمسؤولية مصابهم عليهم وحدهم، و هم الغريبون الضعفاء، والموتى بعد ذلك. لا غرابة في ذلك إن أخذنا ما يمثله أبو الخيزران- القيادة الرسمية- بعين الاعتبار. الغرابة تكمن في أن يتبعه معظم الكتّاب في حكمه التلقائي بأنهم لم يقرعوا الجدران، و ينطلقوا منه كمسلّمة يُبنى عليها التحليل.لست في وارد الدفاع عن الهاربين الثلاثة، فهم ملامون أيضاً، و ليس للوم علاقة بالخزان، بل بهروبهم من واقعهم و ابتعادهم عن فلسطين و فصلهم للهم الذاتي عن الهم الجمعي، الطبقي منه والوطني.لم أجد في، وبين، أسطر الرواية ما يثبت فكرة أنهم لم يقرعوا الجدران، لأني ببساطة لا آخذ كلام أبو الخيزران على محمل الثقة أو الوطنية، و لا أستطيع بناء رأيي على كلمات ظل يرددها- أذكر هنا البروباغاندا الهتلرية الرسمية التي اتبعت سياسة ترديد الكذبة إلى أن تُصدق- كلماته التي كانت تكفي عند الكثيرين للتسليم بعدم قرعهم الجدران. كما لم أجد ما ينفي فكرة أنهم قرعوه. ومن هنا "أقول كلمتي و أمشي"، من ضرورة توفير حق الوجود و الاختلاف لعدة آراء وأفكار وكلمات، كما أراد غسان، أو كما أراه يريد.أوقف أبو الخيزران شاحنته بخزانها الذي يستقبر أبو قيس وسعد ومروان عند نقطة حدودية، هذا المكان لا يعج بالناس بشكل عام ولم يكن يعج بهم، بشكل خاص، في رواية كنفاني، حيث ترنو الشمس بقيظها لتلامس صحراء الخليج التي تكاد رمالها تتبخر. في المقطع التالي المأخوذ من الرواية ذاتها يصف غسان المكان الذي أوقف فيه أبو الخيزران شاحنته حيث مات الثلاثة، تجدون هنا ما يعطي لفكرة أنهم قرعوا و لم يسمعهم أحد الحق في تجاور غيرها من الأفكار: "لم يكن ثمة، غير سيارة أو سيارتين واقفتين في طرف الساحة الكبيرة بالانتظار، كان الصمت مطبقاً بكثافة إلا من أصوات هدير مكيفات (أيضاً وصف الهدير بأنه يملأ الساحة) الهواء المثبتة على كل الشبابيك المطلة على الساحة، و لم يكن هناك سوى جندي واحد واقف في كوخ خشبي صغير يقع على جانب الدرج العريض".وكأن غسان أراد أن يمنح مساحة يؤخذ فيها بغير كلام أبي الخيزران. فلا أحد يرمي بنفسه للموت هكذا، بكل هدوء، حتى وإن كان واثقاً بأنه عبثاً يستغيث. و احتمال ألا يسمعَ أحد أو أن يسمعَ أحد ولا يجيب أقرب للمنطق من احتمال أن يستكين الثلاثة ولا يصرخون أو يقرعون علّهم يجدون طريقاً آخر غير الموت، و من يعزو فكرة "عدم قرعهم للجدران" للبناء التراجيدي في الرواية أقول بأن نهايتهم بلا أية قرعة نهاية عبثية ليست ملزمة على غسان لإتمام البنية التراجيدية لـ (رجال في الشمس) كرواية واقعية رمزية.لو أخذنا حياة غسان ونضاله وفكره ومجمل نتاجاته لوصلنا لتغليب فكرة أنهم قرعوا الجدران حتى ماتوا، لم يسمعهم أحد، فقتلهم عجز أبي الخيزران وسطحية وتخلف موظفي حرس الحدود العربية، وكان لذلك العجز والتخلف ضجيج ملأ الفضاء و لم يسمح لقرعات الحياة على الجدران بالصراخ، بل كتمها مصادراً حقها في الوجود و التجاور معه، فماتت خنقاً.نصبح ونمسي على أن الرواية المقنِعة هي الرواية الرسمية، والصوت المسموع هو صوت القوي، والسائد هو الصحيح وما غيره هرطقة. فلنتعلم من غسان أن للضعيف صوتاً يجب أن يَصدح، ورواية يجب أن تُسجّل، وأن الآراء تتجاور طالما أن القراءة تختلف حسب القارئ وحسب الزمان، وطالما أن الحقيقة نسبية. كما أن المفاهيم ستتغير لو آن للموتى أن يتكلموا، خاصة الضعفاء منهم.