سامحني يا صديق العُمر...
( إلى هؤلاء الذين ينصبون هوائيات فوق بيوتهم ، أو يخفونها داخل بيوتهم، مقابل حفنة من الدولارات- اتقوا الله و تمعنوا في هذه الخاطرة – لعل الضمير يصحو...)
( إلى هؤلاء الذين ينصبون هوائيات فوق بيوتهم ، أو يخفونها داخل بيوتهم، مقابل حفنة من الدولارات- اتقوا الله و تمعنوا في هذه الخاطرة – لعل الضمير يصحو...)
سُمِعَ صوت المنادي مُدوياً في أرجاء القرية :" بسم الله الرحمن الرحيم، بمزيد الحزن والأسى ننعى إليكم وفاة المرحوم سعيد... وسيُشيع جُثمانه الطاهر ..." استمر الناعي في إسماع نعوته ، فتعالت في القرية عبارات الأسف والحسرة على ذبول زهرة أُخرى من رياض البلدة الوادعة . في الحقيقة لم يُفاجئ هذه النعي
من سمعه ، فالكل يعرف أن سعيدا ً يُعاني من مرض عُضال ألّم فيه ، فكان موته حتماً محتوماً في كل لحظة...
كان سليم ، صديق سعيد ، يقود سيارته عند سماع النعي ، فوقع الخبر على آذانه كالصاعقة ، وبسرعة البرق وجّه مركبته نحو بيت صديق عمره ، جارهُ وخليلهُ...
ترك السيارة مُهرولاً نحو بيت سعيد ، وكان المعزون قد أخذوا بالتوافد من كل حدب وصوب ،وقد بدت الوجوه عابسة والألم يعتصر قلوب الأقارب والمعارف . سار سليم باتجاه زوجة سعيد ، بخطوات ثقيلة وبطيئة ، كأن رجليه التصقتا بالأرض . رفعتْ الزوجة عينيها المتجمرتين باتجاه سليم صارخة بصوتٍ أبحّ: رحل جارك يا أبا العبد ... رحل صديق عمرك ورفيق دربك .. رحل بدون رجعة!!!" . حاول سليم جاهداً أن يُعزي جارته ، أن يُهدئ من روعها ، فاختنقت الكلمات في حنجرته وخنقت الدموع عباراته وتمتم ببضع كلمات لم يفهم أحد معناها إلا هو ! أدبر راجعاً إلى المعزين وانهار على أقرب كرسي وجدهُ...
سافر سليم مع ذكرياته وشرد مع ذهنه إلى الماضي القريب- البعيد ، مُستذكراً الروابط القوية والعلاقة الوطيدة التي ربطته بصديق عمره منذ سنين عدة . أعادته الذاكرة إلى أيام الطفولة والشباب ، فهُم أبناء حارة واحدة وشارع واحد ، يربطهما عبق الماضي وسحر الطفولة وبراءتها... حطَّ سليم في سفرته الذهنية في السنة الأخيرة، فتذكر ما حلَّ بصديقه على حين غرة . فقد شكا له سعيد ذات يوم أنه يُعاني من أوجاع تُلازمه على فترات مُتباعدة ، شارحاً لصديقة أن الوجع والألم يتركز في بطنه . توجه سعيد في بداية الأمر إلى طبيب العائلة ، موضحاً له وجعه وعلتهُ ، فبادر هذا إلى إعطائه بعض المسكنات دون أن يفحصه فحصاً جذرياً . وبعد أن تتابعت الأوجاع واستعصت ، توجه إلى فحصٍ في المدينة المجاورة ، وهناك صُدمَ من هول المفاجأة ، حين أعلموه بأنّه مريض بالسرطان ، وبسرطان المعدة تحديداً ، وأن هذا المرض موجود في مرحلة متقدمة . يستذكر سليم كم كان وقع الخبر صعباً على أبناء عائلة سعيد وعلى زوجته وأولاده ، حتى تحولت الدموع المنهمرة من مُقلتهم إلى نهرٍ جارٍ من الحزن والألم . إنها لحظات لا تُنسى . كان سليم يزور سعيد كل يوم تقريباً للاطمئنان على صحته ورأى بأم عينه وهن الجسم وضعفه ، حين استولى هذا المرض الخبيث على جسم صديقه فأقعده ، فلا قدرة على الحراك ولا قوة على المشي والأكل ...
في الحقيقة لم يكن مرض سعيد الحالة الوحيدة في هذه الحارة الآمنة ، فقد تبين أن امرأتين في مقتبل العمر تُعانيان أيضاً من نفس الآفة ومن هذا المرض الخبيث –اللعين . أخذ أهل الحارة يبحثون ويتساءلون عن سبب الكارثة التي حلت عليهم وألمت بهم ، وبدأت الإشاعات تُركز على وجود هوائيات للهواتف الخلوية مخفية في أحد بيوت الحارة . بدأ أهل الحي يتهددون ، يتوعدون ويشتمون علناُ ذلك الخسيس-الرخيص الذي باع أهل حارته بثمن بخسٍ وزهيد ، ناعتين إياه "تاجر السرطان"، مُتسائلين : أين الضمير والإحساس ؟ أين العشرة وأصولها ؟ أين تعاليم الدين التي نهت عن الإساءة ودعت إلى حُب الغير كما تحب لنفسك ؟ هل أصبحت حياة الناس رخيصة إلى هذا الحد؟ كيف يرضى الإنسان أن يُسبب الضرر لأخيه الإنسان من أجل حفنة من الدولارات يتلقاها مقابل وضع الهوائيات في بيته ؟ كيف وكيف؟...
كان يبدو وكأن أهل الحارة قد فقدوا رشدهم واتّزانهم وأخذوا يكيلون التهم ويتراشقون فيها ، دون أن يعرف أحداً من هو " تاجر السرطان "...
وصلتْ سفرة سليم مع الذاكرة إلى نهايتها ، وعاد بتفكيره إلى الحاضر ، فأدرك أن الوقت مرّ بسرعة ، فقد شرد بذهنه ساعة أو أكثر ، دون أن يعي ذلك ، وعاد إلى الواقع فرأى جثمان صديقه مُسجى في باحة الدار ، حيث باشر الأهل والأقارب بتقبيله وتوديعه الوداع الأخير . اقترب سليم من الجثمان بخطوات قد تبدو وكأنها إلى الخلف .. انحنى ليُقبل صديق عمره ، قائلاُ كلمات لم يفهمها سواه :"سامحني يا صاحبي .. سامحني يا أغلى صديق ... أُعذرني يا رفيق العمر ... فأنا ...هو... تاجر السرطان!!!"