لماذا نتهرب منهاّ!؟
بينما كنتُ أتجاذب أطراف الحديث مع صديق لي حول شؤون الحياة والمجتمع المختلفة ، وإذ به يبادرني بسؤالٍ أثار للوهلة الأولى دهشتي واستهجاني ، ولكن سرعان ما أدركتُ قصدهُ من وراء هذا السؤال :- ققلْ لي يا صديقي : إذا جاءك أحدهم طالباً منك أن تُقرضهُ مبلغاً من المال ، وأنت على ثقة ويقين بأنه ليس بمقدوره وباستطاعته إعادة وإرجاع هذا المبلغ لك ، ماذا سيكونُ جوابك ؟
بينما كنتُ أتجاذب أطراف الحديث مع صديق لي حول شؤون الحياة والمجتمع المختلفة ، وإذ به يبادرني بسؤالٍ أثار للوهلة الأولى دهشتي واستهجاني ، ولكن سرعان ما أدركتُ قصدهُ من وراء هذا السؤال :- ققلْ لي يا صديقي : إذا جاءك أحدهم طالباً منك أن تُقرضهُ مبلغاً من المال ، وأنت على ثقة ويقين بأنه ليس بمقدوره وباستطاعته إعادة وإرجاع هذا المبلغ لك ، ماذا سيكونُ جوابك ؟
كانت إجابتي تلقائية لا يشوبها التردد :
- أقول له : لا مال لدي لإقراضك ولمساعدتك ! وأنت يا عزيزي ، ماذا كنت ستجيبه ؟
- أقول له وبصراحة : معي الكثير من المال ، ولكنني لا أريد أن أقرضك وأساعدك!!!
فاجأني صاحبي بإجابته من ناحية ، ولكنه دفعني من الناحية الأخرى إلى التعمق والتفكير ملياً بمضمون وجوهر كلامه ، وأدركتُ بسرعة كم هو محقٌ ، لأنه أجاب بكل صراحة...
والصراحةٍ تعني الوضوح والخلوص من الالتواء وإظهار ما تنطوي عليه النفس دون تحريف ودون مواربة ، فتكون أفكارنا جلية ، بحيث تتوافق أفعالنا مع أقوالنا.
لقد أصبحنا نعيش في زمن أضحت فيه الصراحة واقعاً مُؤلماً ، يحاول أغلبيتنا التهرب منها ، لأن مجتمعنا لا يتقبّل الصراحة والصدق ، فيُعتبر الإنسان الصادق جارحاً وغير مُريح ، لذلك قلّ أصدقاء الإنسان الصريح الذي يُؤثر قول الحقيقة . فعندما يطلبون رأينا في أمر معيّن نحاول دائماً الإجابة بطرق دبلوماسية ، مُجتهدين قدر الإمكان عدم المسّ وعدم إيذاء الآخرين ، مُتبعين قول الشاعر:
ومن لا يُجامل في أمور كثيرة يُضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
فإذا سألنا أحدهم عن ذوقه في الملابس التي يرتديها ، نحاول مجاملته وامتداح ملابسه بالرغم من بشاعة ذوقه...
وإذا سألنا المسؤول عنا في العمل عن رأينا به وبعمله ، نبحثُ في قاموس المجاملة عن كلمات وعبارات نُجامل فيها لكي لا نجرح شعوره...
وإذا حدّث أحدهم نكتة وفكاهة غير مثيرة للضحك ، نُبادرُ إلى الضحك المصطنع والابتسامة الصفراء ، لكي لا يشعر بالإحراج...
قد يعتبر البعض أن الصراحة ما هي إلا نوع من الوقاحة ومسّ بالشعور والأحاسيس ، وبأن الإنسان الصريح هو إنسان وقحٌ لا يتفهم مشاعر الآخرين ولا يكترثُ بأحاسيسهم ، لذلك نشهد بأن أكثر الناس المكروهين- المنبوذين في المجتمع والحياة هم أولئك الأناس الصرحاء، الذين يُحدّثون ويقولون ما يشعرون به بشكل تلقائي ، دون رياءٍ أو مُداهنة ، وأكثر الناس قُبولاً في مجتمعنا أولئك الذين يُحدّثون عكس ما يشعرون به ...
باعتقادي ، أن في الصراحة راحة ، وليس فقط للمتحدث الذي يُعبّر عن هواجسه وشعوره وأحاسيسه ومكنونات قلبه بعفوية وبشفافية وبشكل حقيقي ، ولكنني أجزم فأقول بأننا أذا تعمقنا في جوهر هذه المعضلة لتأكدنا بأن في الصراحة راحة للطرفين ، لأنك إن واجهت إنساناً مُعيناً بالحقيقة وحادثته بصدق ٍ وبصراحة ٍ ، فلا بُدّ له أن يُفكر وبعمق بما سمع ، وأن يستخلص العبر ، ما دام الانتقاد بناء وهدفه المنفعة ...
ختاماً: كُلنا يعرفُ قصة سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه وأرضاه- حينما جاءهُ رجلٌ يأمرهُ بتقوى الله عزّ وجلّ . حينها اعترض بعض الحاضرين ، فقال لهم عمر :
دعوهُ فليقلها...
فلا خير فيكم إذا لم تقولوها،
ولا خير فينا إذا لم نقبلها...