وبدأت رحلة العذاب...
طلّ الليلُ بقميصه الأسود ، فدخلت سلوى كعادتها إلى غرفة وحيدها وحيد. أمعنت النظر في ذاك الوجه الباسم ، الذي تأبى البسمة مفارقته حتى حين كان يغط في نومه . ما أعذبها من ابتسامة ، فيها براءة الطفولة ،طهارتها وسذاجتها . أضحى وحيد السلوى لأمه منذ أن فارق زوجها حسن الحياة بعد أن ابتلعه اليّم إلى جوفه قبل ست سنوات . ترك لها حسن أجمل وأرق ذكرى ، فكل ملامح وحيد تذكرها بحُسن زوجها المرحوم : ابتسامته ، وجهه ، بريق عينيه، فمه ... لقد أصرّ حسن حينها على تسمية ابنهما البكر وحيد ، رغم أصوات المعارضة من الأهل ، وكأنه تنبأ بأن ابنه سيبقى وحيداً في هذه الدنيا ، بلا أخٍ وبلا أبٍ. منحها حسن الحب والعطف والحنان وتركها على حين غرة ليحترق قلبها ولتبدأ رحلة العذاب والعناء ، وما أقساها من رحلة وما أشقاها من حياة.. . لقد أضحت حياتها حالكة كسواد ملابسها التي تلبسها منذ أن انفض المعزون والمواسون . فمنذ اللحظات الأولى بدأت تستشعر في أعين أهل زوجها نظرات اللوم والعتب ، بل وحتى الاتهام ، حتى سمعتهم ذات يومٍ يتهامسون خلسة بأنها جلبت الشؤم إلى هذا البيت وبأن مقدمها كان مقدم شر عليهم . حينها لم تتمالك سلوى نفسها ، فأسرعت إلى الطابق الثاني الذي تقطنه وابنها ، ودخلت إلى غرفة رضيعها ، الذي لم يتجاوز من عمره الشهور . احتضنته بلطفٍ وحنانٍ وبللت وجهه الندي بدموعٍ ذرفتها بسخاءٍ من عينيها . منذ ذلك اليوم لم تشعر سلوى براحة وبطمأنينة – لا في البيت ولا خارجه . كانت نظرات أهل زوجها تلاحقها فتُغرس في فُؤادها وتقتلها يوماً بعد يوم . لقد وضعها أهل زوجها في دائرة مُغلقة حتى أضحوا يحصون أنفاسها . تطوعوا بدون طلبٍ أو إذنٍ للوصاية عليها وعلى تصرفاتها ريبة ً فيها ، لأنها – حسب اعتقادهم- تُعتبر داخل "دائرة الشُبهات " ، فهي امرأة بدون رجل ولن تسلم من ملاحقة الرجال باعتبارها لقمة سائغة يسهل التهامها.أصبحت تعاني من وضع ليس لها فيه أي ذنبٍ ، فهذا قدر الله وحكمته .فكل زائرٍ لبيتها هو مشبوه ٌ وبمثابة متهم مشكوك في أمره ، وكل خروجٍ ٍ من البيت يرافقه ألف سؤال وسؤال...حاول أهل زوجها منعها من الاستمرار في عملها بعد وفاة حسن ، فهُُم على استعداد لتخصيص دخل شهري لها ولابنها ، شريطة أن تترك عملها . طالبوها أن تبقى حبيسة المنزل احتراماً منها لذكرى المرحوم وبكاءٍ منها على الأطلال . لكنها لم ترضخ لطلبهم ولضغوطاتهم التي كان معناها بالنسبة لها إيقاف عقارب الساعة...عادت سلوى إلى عملها بعد سنة على وفاة حسن ، عادت فوجدت في أعين زملائها نظرات متباينة ، تتراوح ما بين الشفقة والعطف وما بين نظرات الجائعين- المفترسين ... اعتقد بعض" زملائها " أن أمامهم فريسة يسهل صيدها لكونها أرملة ، فسال اللعاب من فم الثعالب وبدأ هؤلاء بإسماعها كلام معسول محفوف بالسموم . كان عليها أن تصد هؤلاء الوحوش المرة تلو الأخرى ، متمسكة بشرفها الذي لا مساومة عليه ، مؤمنة بأن الموت أفضل من العيش بدون كرامة... جُن جنون هؤلاء المفترسين- الجائعين لرفضها ولتمنعها، فلم يجدوا سوى ترويج الإشاعات المقيتة وسيلةً لتحطيم هيبتها . بدأت الإشاعات المغرضة تنتشر كأمواج الأثير ، حتى وصلت إلى مسامع أهل زوجها . ثارت ثائرتهم وجددوا مطلبهم بتوقفها الفوري عن العمل ، مهددين- متوعدين، لكنها أبت أن ترفع راية الخضوع والاستسلام . أخذت نيران العذاب والمعاناة تشتد احتراقاً ولهيباً ، تحولت عيناها إلى جمرتين دائمتي الاحمرار ووهن الجسم من كثرة التأمل والتفكير . كان عزاؤها الوحيد بابنها وحيد ، فحين عودتها إلى البيت ومعانقته كانت تنسى كل عذابها وشقائها ومعاناتها في البيت والعمل . وها هي تقف الآن طويلاً متأملة تلك الابتسامة الجميلة كما تفعل كل مساء، تطبع على وجنتيه القُبل ، متمنية له أحلاماً وردية وسعيدة ، ثم تقف أمام صورة زوجها المرحوم في الصالون فتطبع قبلة أخرى ، قبلة الوفاء والمحبة والشوق والحنين ... ً خلدت سلوى إلى نومها ، وإذ بدقات المنبه تُعلن تمام الساعة السابعة صباحاً تُطالبها بمفارقة سريرها وأحلامها . أسرعت سلوى إلى غرفة وحيد وختمت جبينه بقبلة الصباح ، مُتمنية له الخير في يومه الجديد . أعدت له الفطور ، فتناوله على عجل ٍ وأخذ حقيبة المدرسة مودعاً أمه ، على أمل اللقاء !! خرج وحيد من البيت ، فعادت سلوى لتكمل تجهيز نفسها لعملها ، وفجأة سمعت صوت فرملة قوية في الشارع المحاذي للبيت . أطلت من الشرفة فرأت الناس يتجمهرون حول صبي مُلقى على الشارع نتيجة صدمة سيارة . خفق قلب سلوى بوتيرة لم تعرفها من قبل ، وبسرعة جنونية لا-إرادية وصلت إلى مكان الحادث. كان المتجمهرون يتهامسون فيما بينهم :" مسكينة أمه ، كان أملها الوحيد..." ، " مسكينة يا سلوى ، لم يبق لها أحد في هذه الدنيا ..." . شقّت سلوى صفوف المتجمهرين باندفاعية وبقوة إلى أن وصلت إلى الفتى الملقى على الأرض. تأملت وأمعنت النظر ، فرأت ذاك الوجه الباسم ، الذي تأبى البسمة الأبدية مفارقته حتى في موته . صاحت سلوى بصوتٍ هزّ القلوب والمباني في ذلك الحي :"وحيد، خذني معك ولا تتركني وحيده..."
طلّ الليلُ بقميصه الأسود ، فدخلت سلوى كعادتها إلى غرفة وحيدها وحيد. أمعنت النظر في ذاك الوجه الباسم ، الذي تأبى البسمة مفارقته حتى حين كان يغط في نومه . ما أعذبها من ابتسامة ، فيها براءة الطفولة ،طهارتها وسذاجتها . أضحى وحيد السلوى لأمه منذ أن فارق زوجها حسن الحياة بعد أن ابتلعه اليّم إلى جوفه قبل ست سنوات . ترك لها حسن أجمل وأرق ذكرى ، فكل ملامح وحيد تذكرها بحُسن زوجها المرحوم : ابتسامته ، وجهه ، بريق عينيه، فمه ... لقد أصرّ حسن حينها على تسمية ابنهما البكر وحيد ، رغم أصوات المعارضة من الأهل ، وكأنه تنبأ بأن ابنه سيبقى وحيداً في هذه الدنيا ، بلا أخٍ وبلا أبٍ. منحها حسن الحب والعطف والحنان وتركها على حين غرة ليحترق قلبها ولتبدأ رحلة العذاب والعناء ، وما أقساها من رحلة وما أشقاها من حياة.. . لقد أضحت حياتها حالكة كسواد ملابسها التي تلبسها منذ أن انفض المعزون والمواسون . فمنذ اللحظات الأولى بدأت تستشعر في أعين أهل زوجها نظرات اللوم والعتب ، بل وحتى الاتهام ، حتى سمعتهم ذات يومٍ يتهامسون خلسة بأنها جلبت الشؤم إلى هذا البيت وبأن مقدمها كان مقدم شر عليهم . حينها لم تتمالك سلوى نفسها ، فأسرعت إلى الطابق الثاني الذي تقطنه وابنها ، ودخلت إلى غرفة رضيعها ، الذي لم يتجاوز من عمره الشهور . احتضنته بلطفٍ وحنانٍ وبللت وجهه الندي بدموعٍ ذرفتها بسخاءٍ من عينيها . منذ ذلك اليوم لم تشعر سلوى براحة وبطمأنينة – لا في البيت ولا خارجه . كانت نظرات أهل زوجها تلاحقها فتُغرس في فُؤادها وتقتلها يوماً بعد يوم . لقد وضعها أهل زوجها في دائرة مُغلقة حتى أضحوا يحصون أنفاسها . تطوعوا بدون طلبٍ أو إذنٍ للوصاية عليها وعلى تصرفاتها ريبة ً فيها ، لأنها – حسب اعتقادهم- تُعتبر داخل "دائرة الشُبهات " ، فهي امرأة بدون رجل ولن تسلم من ملاحقة الرجال باعتبارها لقمة سائغة يسهل التهامها.أصبحت تعاني من وضع ليس لها فيه أي ذنبٍ ، فهذا قدر الله وحكمته .فكل زائرٍ لبيتها هو مشبوه ٌ وبمثابة متهم مشكوك في أمره ، وكل خروجٍ ٍ من البيت يرافقه ألف سؤال وسؤال...حاول أهل زوجها منعها من الاستمرار في عملها بعد وفاة حسن ، فهُُم على استعداد لتخصيص دخل شهري لها ولابنها ، شريطة أن تترك عملها . طالبوها أن تبقى حبيسة المنزل احتراماً منها لذكرى المرحوم وبكاءٍ منها على الأطلال . لكنها لم ترضخ لطلبهم ولضغوطاتهم التي كان معناها بالنسبة لها إيقاف عقارب الساعة...عادت سلوى إلى عملها بعد سنة على وفاة حسن ، عادت فوجدت في أعين زملائها نظرات متباينة ، تتراوح ما بين الشفقة والعطف وما بين نظرات الجائعين- المفترسين ... اعتقد بعض" زملائها " أن أمامهم فريسة يسهل صيدها لكونها أرملة ، فسال اللعاب من فم الثعالب وبدأ هؤلاء بإسماعها كلام معسول محفوف بالسموم . كان عليها أن تصد هؤلاء الوحوش المرة تلو الأخرى ، متمسكة بشرفها الذي لا مساومة عليه ، مؤمنة بأن الموت أفضل من العيش بدون كرامة... جُن جنون هؤلاء المفترسين- الجائعين لرفضها ولتمنعها، فلم يجدوا سوى ترويج الإشاعات المقيتة وسيلةً لتحطيم هيبتها . بدأت الإشاعات المغرضة تنتشر كأمواج الأثير ، حتى وصلت إلى مسامع أهل زوجها . ثارت ثائرتهم وجددوا مطلبهم بتوقفها الفوري عن العمل ، مهددين- متوعدين، لكنها أبت أن ترفع راية الخضوع والاستسلام . أخذت نيران العذاب والمعاناة تشتد احتراقاً ولهيباً ، تحولت عيناها إلى جمرتين دائمتي الاحمرار ووهن الجسم من كثرة التأمل والتفكير . كان عزاؤها الوحيد بابنها وحيد ، فحين عودتها إلى البيت ومعانقته كانت تنسى كل عذابها وشقائها ومعاناتها في البيت والعمل . وها هي تقف الآن طويلاً متأملة تلك الابتسامة الجميلة كما تفعل كل مساء، تطبع على وجنتيه القُبل ، متمنية له أحلاماً وردية وسعيدة ، ثم تقف أمام صورة زوجها المرحوم في الصالون فتطبع قبلة أخرى ، قبلة الوفاء والمحبة والشوق والحنين ... ً خلدت سلوى إلى نومها ، وإذ بدقات المنبه تُعلن تمام الساعة السابعة صباحاً تُطالبها بمفارقة سريرها وأحلامها . أسرعت سلوى إلى غرفة وحيد وختمت جبينه بقبلة الصباح ، مُتمنية له الخير في يومه الجديد . أعدت له الفطور ، فتناوله على عجل ٍ وأخذ حقيبة المدرسة مودعاً أمه ، على أمل اللقاء !! خرج وحيد من البيت ، فعادت سلوى لتكمل تجهيز نفسها لعملها ، وفجأة سمعت صوت فرملة قوية في الشارع المحاذي للبيت . أطلت من الشرفة فرأت الناس يتجمهرون حول صبي مُلقى على الشارع نتيجة صدمة سيارة . خفق قلب سلوى بوتيرة لم تعرفها من قبل ، وبسرعة جنونية لا-إرادية وصلت إلى مكان الحادث. كان المتجمهرون يتهامسون فيما بينهم :" مسكينة أمه ، كان أملها الوحيد..." ، " مسكينة يا سلوى ، لم يبق لها أحد في هذه الدنيا ..." . شقّت سلوى صفوف المتجمهرين باندفاعية وبقوة إلى أن وصلت إلى الفتى الملقى على الأرض. تأملت وأمعنت النظر ، فرأت ذاك الوجه الباسم ، الذي تأبى البسمة الأبدية مفارقته حتى في موته . صاحت سلوى بصوتٍ هزّ القلوب والمباني في ذلك الحي :"وحيد، خذني معك ولا تتركني وحيده..."