إن شاء الله خير
(الخربشه الأولى)
(الخربشه الأولى)
لم تكن على علم بعد بأنها وقعت في عشق رجل مجنون !! ..
كادت الصدمة أن تفقدها عقلها ..
فلا الزمان .. ولا القصة .. كانا يحتملان خطوة مجنونة كالتي أقدمتُ عليها ..
كنت جالسا انتظر اتصالها ..
انتظر أجراس الفرح الصادرة من حروفها ..
متعطشا لكلمة حب تبارك خطوتي ..
غير أن خيباتي كانت تهطل على رأسي كحبات المطر في تشرين ..
دون توقع ..
وبعنف شديد !!
كانت صامتة ..
فبدأت أنا بالحديث وسألتها عن إحساسها ؟؟
فأجابتني ببرود بدا لي أحمقا وصاعقا ..
إجابة لم أكن احتاجها ..
كانت لا مبالية بي ,, أو بجرأتي وجنوني !!
سألتني :
لماذا الان ؟؟
ولمَ لمْ تخبرني ؟!
فأجبتها بصوت يتشبث ببقايا الفرح المتساقط حولي قتيلا على جبهات الصدمه بأنني اردت مفاجأتها !!
وبأن اعلان خطوبتنا الان سيمنحنا فرصة أفضل لإطلاق مشاعرنا علنا ,, عوضا عن مواراته في ازقة مدينتنا التي تعتبر الحب جريمة تسجّل في حق مرتكبيها وتدينهم حتى قيام الساعة !!
..
لم تعلّق !!
وقالت بعد فترة صمت حطمتني :
سنرى ما سيحدث الليلة ..
وان شاء الله خير !!
وودعتني بجفاء ..
جَلَستُ ..
احملُ في ملامحي نظرة لم أعهدها ..
كنت مشوشا ..
مرتبكا ..
ورحتُ أراجع ما أقدمتُ عليه علني ارتكبت حماقة لم أتنبه لوقوعها نظراً لانشغالي بالتخطيط للحلُم ..
إلا أنني اكتشفت أن كل ما أقدمتُ عليه كان يخولني أن احصل على جائزة نوبل في الحب , لا عقاب من أقدم على اقتراف ذنب!!
فإن جُلّ ما فعلته كان محاولة لنقل علاقتنا لمستوى الضوء ..
ووجدت نفسي فجأة وبدون مقدمات جالساً مع والديّ في ساعات الصباح الأولى أحدثهما عنها .. وعنّا !! ..
وأقنعهما بضرورة زيارة أهلها في اقرب فرصة لطلبها منهم ..
وبعد نقاش (كان هو الأكثر طولا بين جميع نقاشاتنا منذ ولدت وحتى اليوم .. ) باركا فكرتي ..
واقترحت أمي أن تتوجه في صبيحة اليوم التالي لاحتساء كوب من الود الساخن في بيتها القاطن في حيينا ..
وهذا ما كان !
عادت أمي لتعلمنا أنني وأبي مدعوون لزيارتهم برفقتها هذه الليلة ..
لم افرح !!
على الأقل لم تكن سعادتي بالقدر الذي توقعت !!
كنت باردا ..
مهموما ..
احمل بعض الخوف في ضلوعي ..
وبما أنني اعتدتها ملجأً لمخاوفي وهمومي ..
كلّمتها ..
حاولت جاهدا ان اصطاد من حروفها القليلة فرحا ..
لكن عبثاً !!
كانت إجاباتها على أي من أسئلتي تقتصر على كلمات اربع لا غير !
"إن شاء الله خير" !!
ترى بماذا علقت أمك بعد مغادرة والدتي ؟؟
إن شاء الله خير !!
بماذا تشعرين ,, ترى هل سيحالفنا الحظ ونتابع قصتنا سويا ؟؟
إن شاء الله خير !!
ها قد التقيتِ ب "حماتك" .. ترى كيف وجدتها ؟؟
إن شاء الله خير !!
كدتُ انفجر غيظاً ..
لا انني كتمت اشتعال الحمم العاطفية في داخلي خوفا من احراق وجنتها بدمعة مصابة جراء ثورتي !
فأنهيت حديثنا بهدوء مصطنع , وهمست لها بأنني احبها ..
وبأنني اقدمت على خطوتي الجنونية في وقت لا زالت الجامعة تحتل معظم وقتي من فرط عشقي لها وخوفا مني عليها في حال صادفنا قناص عشق اثناء قطفنا لثمار الحب في احد مخابئنا!!
لمْ تُجب !
لمْ أعلّق !
وأغلقتُ السماعة لأجد نفسي اغرق في محاولات اقناع لهواجسي بأن ما سيأتي سيكون خيراً ..
فتنهدتُ محترقا وأنا اردد ..
"إن شاء الله خير" !!
***
ارتدت الناصرة عباءتها السوداء معلنة حلول وقت "الزياره" ..
فتوجهت وأبي وأمي إلى منزل "الجماعه" !
كانت الأجواء مريحة نسبيا ..
الحديث يدور بتقليدية امقتها ..
وانا كنت انتظرها ..
انتظر ان تطل على سمائي ..
حاملا أملي في ان أجد بين خبايا ملامحها ابتسامة اشتقتها ..
ووعدتُ خلاياي بها منذ بداية النهار !!
ولأنها لم تكن تعدني إلا بالخيبات في هذا اليوم الصادم ..
طلّت ّ!!
غير انها لم تُرسل لي قبلةً عبر أثير عيناها كما كنت انتظر ..
كنتُ سأهم بسؤالها :
ترى هل تراني عرفتك قبل اللحظة ؟؟
ترى هل لامستُ هذا الرمش وقبلته الفاً !؟
أم انك اخرى ..
ترى هل هي هذه اليدُ ذاتها التي التفّت حول حزني قُبيل ايام ,, ام انها يداً غريبة زرعت نفسها في جسدك لتكسر دفئا كنت انتظر ان أناله من التقاء أصابعنا الليلة ؟؟!
تُرى هل تُراكِ أخرى ؟؟
هل تِراكِ شبيهة بحبيتي ؟!
ام انك هي وتمارسين على أعصابي لعبة "الحرق البارد" ؟؟
من أنتِ ؟؟
وماذا فعلتُ أنا لاستحق كل هذا العقاب !!
الأنني أريد إدخال الشمس الى كوخنا الملتف بالظلمة والفضيحة!!
من أنتِ ؟؟
وماذا تُراني ارتكبتُ أنا ؟؟
***
بعد اعتناق أفراد أسرتي لديانة النوم المتأخر ..
دخلتُ إلى غرفتي ..
حملت هاتفي ..
وحاولتُ أن أحدثها ..
مرةً ..
اثنتين ..
وألف !!
لكنها لم تُجب أياً من محاولاتي ..
وبعد مدة يأس تغلغلت تأثيراتها في عظامي وجدتُ اسمها يناديني !!
فأجبت متلهفاً ..
وصلني صوتها ضعيفا لا أكاد اسمعه !
فرجوتها ان توضح ما تقول لأتمكّن من التنعم بصوت ملاكي الصغير ..
لكنها أوضحت لي بأن شقيقاتها يشاركنها الغرفة ولا تريد إزعاجهن لئلا يستيقظن ..
سألتها بحب عن ردود فعل والديها بشأننا ..
فأجابتني بأنها لمْ تسأل !!
كيف !!
كيف لا تسالين عن مسار ما بيننا !؟؟
كيف تعاملين عشقنا بهذا البرود !!
هذا ليس من حقك ..
ليس من حق احد ان يهدم ما بيننا ..
حتى نحن !!
كيف تعاملين شوقي إليك بهذا التجاهل اللامبرر ؟؟
وبأي حق تسحقين شعوب فرحي وحماستي تحت أقدام لا مبالاتك !!
كنتُ سأسألها كل هذا ..
كنتُ احتاج لإجابات تحميني من خطر التحليل الذاتي !
إجابات تمنحني بعض الثقة بشهور سبعة قضيتها في بناء قلاع الحب لها ولي !!
الا أنني تنازلتُ عن رغبتي العارمة في الهجوم .. وسألتها بقلق ..
أتحبينني ؟؟
طبعا احبكَ !!
أجُننتْ !!
انت كل ما املكُ في هذه الدنيا ..
كيف تسألني سؤالا طفولياً كهذا !! .. –أجابتْ- !!
تجاوزتُ رغبتي الملحة بتوضيح أسباب تساؤلاتي بأن قلت لها بأنني أيضا أحبها .. وطلبتُ منها ان تمدّني بكُل جديد ..
فقالت مودعة :
لا تقلق حبيبي ..
وان شاء الله خير !!
كنتُ قد بدأت أكره هذه الجملة ..
اكره سماعها لمراوغتها ..
ولقتلها لحروف كنت انتظرها أكثر ..
وأحتاجها _ في هذه الليلة تحديداً _ أكثر !!
...
حاولتُ إقناع نفسي بأنني نلتُ قسطاً من النوم في تلك الليله ..
إلا أنني على يقين تام بأنني اصطنعت النوم في محاولة يائسة للبحث عن استمرارية الحلم في لا وعي خلايا دماغي ما دمتُ لم أجده في وعي خلايا جنوني !!
...
***
بعد مرور أيام ثلاثة ..
أعلمتني أمي بأن "الجماعه" يدعونني لزيارتهم منفردا بهدف التعرف على "عريس" ابنتهم بشكل أفضل ..
كان الحال بيننا في هذه الأيام لا يُحتمل !!
مشاحنات ..
ونقاشات عقيمة ..
ومحاولات مستميتة لحثها على التحرك لفعل شيء من اجلي !!
قلت لها مرارا :
دعيهم يرفضون عريسا ..
ذلك أسهل من أن افقد ثقتي بمشاعر لا املك سواها زاداً لحياتي ..
لكنها كانت تملاني أعذارا عن كونها لا تقوى على القيام بأي خطوة خوفا من إثارة شكوك ذويها حول علاقتنا !! ..
كيف تخافين !!
ولماذا تخافين ؟؟
وها أنا أقف أمام بابكم احمل في يمناي زهورا , وفي يساري والديّ !!
ما الخطأ في أن تقولي بأنك عشقتني ؟؟
وبأننا تبادلنا الوعود ..
وبأني نفّذت ..
وأتيت لأجلكِ !! ..
لأجلك أنت فقط ..
متجاهلا حدائقاً من النساء المنتظرات على بعد مسافة إشارة من إبهامي !!
أين الخوف !!
ومن ماذا تخافين ؟؟
قولي لهم بأنك تحبينني ..
وبأنك اخترتني شريكا .. وصديقا !!
أين الخطأ !!
وما المعيب في أننا احببنا , ولا نطلب سوى شرعية العلنية ؟؟
نطلب ان نتشابك الايدي ونتبادل الورود والكلمات على مرأى من الجميع !!
لكنها لم تكن تعرف سوى كلماتها الأربع ..
"إن شاء الله خير" !!
أنهكتُ احتراقا ..
وذبت من صمتها ..
غير أنني مع ذلك ذهبت إليهم في الموعد المحدد ..
ارتديت أجمل ما تحتويه خزانتي من ثياب ..
وابتعتُ أجمل باقة من الورد المقطوف حديثا على خلفية شرف الحب ..
...
جلستُ ..
وبكل تهذيب وذكاء تأرجحتُ بين تساؤلاتهم ..
ناقشتهم ..
ضحكنا ..
وعاملتُها – برغم حنقي من ضعف موقفها – بلطف بالغ ..
وكأنني أعامل وردة لا تزال تتكئ على أمها وتعانق حبات الندى الطاهرة ..
وبعدما فَرَغَت جعبتهم من علامات الاستفهام ..
غادرت ..
بالأناقة ذاتها ..
والرقي ذاته !!
***
عند اختراق أشعة الشمس لنافذة الصباح الكسول ..
أيقظتني أمي مبشّرةً ..
"مبروك يا ابني .. الجماعة وافقوا " !!
...
....
أنا اليوم استعد لمراسم حفل خطوبتنا في نهاية الشهر الاول من السنة الجديدة ..
عشقنا في ازدهار ..
وحلمنا الطاهر في طريقه نحو التحقيق ..
..
لكني كتبت هذه "الخربشه" لتفريغ شحنات توتر ترسبت في أعماقي امامكم ..
ولأطرح ألف علامة استفهام عن سبب اعتبار اعتراف الأنثى الشرقية بالحب تهمة لا تمسحها خطوة شرعية جنونية من محبوبها !!
وحتى متى ستبقى ازدواجيتنا في الشرق شديدة الوضوح ؟؟!!
فنتلقى في صغرنا دروسا عن أهمية الحب .. وايجابيته ..
ونغني في دروس الموسيقى أغانٍ تمجد الحب ..
وتقدسه !!
ونتابع إعلاما يسوّق اللون الأحمر أكثر من تسويقه لإنتمائاتنا الوطنية !! ..
لنصل في نهاية المطاف إلى وصم بعض العاشقات بوصمات عار لا تقبل الزوال لمجرد أنهن نفّذن ما تعلمنه في صغرهن , وكنّ صادقات !!
أكثر بكثير من هذا المجتمع الذي يرتدي ثوب الطهارة دون ان يتنبه بأن ثوبه هذا بات يظهر عوراته بوضوح ..
ولا حول ولا قوة إلا بالله !! ..
انتهت الخربشه !!