"هؤلاء الصغار"
عُقِد في باريس هذا الأسبوع مؤتمر دولي ضمّ 58 دولة، للتوقيع على اتفاقيةٍٍ "ضد تجنيد الصغار". وفي المناسبة عُرِضت مشاهد لتدريب الأطفال على استعمال السلاح، أو لجعلهم دروعا بشرية في المعارك، يقاتلون فيها أترابهم في الصفوف الأمامية من ساحات القتال، علما بان بين الموقِّعين دولا كبرى "مانحة" تقدِّم هذا السلاح "مجانا" أو وفق قروض "مريحة" وبعيدة المدى، كما ان هناك دولا صغرى شاكرة، تُقبِّل اليد لهذا الدعم السخي الذي يساعدها في الدفاع عن نفسها بِطاقاتٍ بشرية اضافية ! وعلمًا أيضًا ان هذه الاتغاقية هي في النهاية "غير مُلزِمة"!!!
عُقِد في باريس هذا الأسبوع مؤتمر دولي ضمّ 58 دولة، للتوقيع على اتفاقيةٍٍ "ضد تجنيد الصغار". وفي المناسبة عُرِضت مشاهد لتدريب الأطفال على استعمال السلاح، أو لجعلهم دروعا بشرية في المعارك، يقاتلون فيها أترابهم في الصفوف الأمامية من ساحات القتال، علما بان بين الموقِّعين دولا كبرى "مانحة" تقدِّم هذا السلاح "مجانا" أو وفق قروض "مريحة" وبعيدة المدى، كما ان هناك دولا صغرى شاكرة، تُقبِّل اليد لهذا الدعم السخي الذي يساعدها في الدفاع عن نفسها بِطاقاتٍ بشرية اضافية ! وعلمًا أيضًا ان هذه الاتغاقية هي في النهاية "غير مُلزِمة"!!!
وأقرب من باريس ما حملت الينا أيضا وسائل الإعلام في هذا الأسبوع، وبالصور والشهادات الدامغة، أن أطفالا ما بين السادسة والعاشرة ينامون في مقبرة احدى قرانا العربية. انهم "من الضفة الغربية، مهنتهم التسوّل في شوارع اسرائيل ومساجد قرى ومدن الوسط العربي...يأتي بنا مقاول الى داخل اسرائيل بالاتفاق مع أهلنا، وله نصيب مما نحصل عليه من أموال التسوّل..." أما المسؤول عن هذا الوضع المأساوي فهو، في نظر من يسأل الصحفي، "ربما اسرائيل وربما السلطة الفلسطينية، وربما مصر التي اخترعت هذه الحالة، وربما السعودية...وربما امريكا"
أيُصدَّق مثل ذلك ونحن في الألف الثالث؟ أين هيئة الأمم وشرعة حقوق الإنسان؟ اين شرعة حقوق الطفل؟ أين اليونيسف وسائر المؤسسات الدولية المعنية؟ الخبر في الفقرة السابقة استقيناه من الموقع الإلكتروني "بانيت" لجريدة البانوراما. قرأنا الخبر بذهول في الموقع المذكور، وقرأنا جميع التعليقات الواردة عليه، وهي تفوق المئتين، قلما خلا منها واحد من ذكر الله، وأحيانا أكثر من مرة في التعليق الواحد. الأكثرون استغاثوا به على هذا الظلم، ونحن شعب لا يغيب ذكره تعالى عن شفاهنا في كل لحظة، وآخرون تساءلوا أين هو الله، وكادوا ينكرونه، ولكن مجرّد افنقادهم له علامة صحة وعافية، وظاهر الإنكار هو غضب مقدس يعني العكس تماما. ولكن حرام أن نتعامى عن ظلم البشر وقسوتهم وموت الضمير في قلوبهم، لنوجه اصبع الاتهام الى الله عزَّ وجلّ، خالق الأطفال والساهر عليهم.
ألم يولد طفلا صغيرا ليصير واحدا من هؤلاء الصغار ؟ ألم ياوِ، طفلاًً، الى مغارة، كما يأوي اليوم ملايين الأطفال الى الكهوف والمقابر ؟ ألم يُهَجَّر رضيعاً كما يهجَّر اليوم أيضا عشرات ملايين الأطفال عندنا وحولنا وتحت كل سماء ؟ أليسوا هم، هؤلاء الصغار، موضوعَ محبته الخاصة يحتضنهم ويباركهم:"دعوا الأطفال يأتون إليَّ ولا تمنعوهم، فإن لمثلهم ملكوت الله، فالحقَّ أقول لكم: إنّ من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل لا يدخله" (مرقس 10/14-15). لقد وحّد بين نفسه وهؤلاء الصغار: "من يقبِل ولدا مثل هذا فإياي يقبل، ومن عثّرأحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فحريٌّ به أن تُعَلَّق في عنقه رحى حمار ويُقذَف به في البحر" (متى 18/5-6). هؤلاء الصغار هم مئات الملايين من الأطفال الذين لا سقف لهم ولا غطاء ولا كساء ولا غذاء ولا دواء. ألم يقل يوما: "إنّ للثعالب أوجرة ولطير السماء أوكارا، أما هو فليس له موضع يُسند اليه رأسه" (لوقا 9/58)
وليس مجرَّدَ صدفة أن يكون هؤلاء الصغار بالذات محور تفكير الكنيسة وتأملها وعنايتها في المسيرة نحو الفصح، التي بدأًتها قبل أسيوعين. فهي في انجيل الأحد بعد غد تضع أمام عيوننا مشهد يوم الدين، حين يظهر المسيح بكل مجده، فيُحشَر لديه جميع الأمم، فيفصل الصالحين عن الأشرار، ويقول للأولين: "تعالوا أيها المباركون، رِثوا الملك المُعَدّ لكم، لأني جعت فأطعمتموني،وعطشت فسقيتموني؛ كنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسوتموني؛ وكنت مريضا فعُدتموني، وسجينا فأتيتم إليّ. حينئذ يحيبه الصدّيقون قائلين: يارب، متى رأيناك جائعا فأطعمناك، او...فيجيب ويقول لهم: ألحقَّ أقول لكم إنكم كل مرة صنعتم ذلك الى أحد هؤلاء الصغار الذين هم إخوتي، فإليَّ أنا قد صنعتموه." ويقول للأشرار: "إليكم عني أيها الملعونون، الى النار الأبدية، لأني جعت فلم تطعمزني، و...(باقي ما ذُكِر أعلاه، ولكن بالنفي) فيجيبون هم أيضا ويقولون: يارب، متى رأيناك جائعا أو ... ولم نخدمك ؟فيجيبهم فائلا: ألحقّ أقول لكم إنكم كل مرة لم تصنعوا ذلك الى أحد هؤلاء الصغار ، فإليّ لم تصنعوه – فيذهب هؤلاء الى العذاب الأبدي، والصدّيقون الى الحياة الأبدية" (متى 25/31-46).
وغدًا هو "سبت الأموات" ، والرباط واضح في ترتيب الكنيسة بين ذكر الموت غدًا ومشهد الدينونة بعد غد. كلنا الى الموت سائرون. ولكن على أيّ شيء سنحاسَب؟ لن نُسأل كم صلاة أقمنا، ولا كم يوما صمنا، ولا كم شمعة أضأنا او مسبحة تلونا، او كنيسة او مزار قديس زُرنا... - كلها ولا شك عبادات مستحبة، ولكن السؤال الأهمّ سيبقى: هل أطعمنا؟ هل سقينا؟ هل آوينا؟ هل كسونا؟ هل... – وبكلمة: كيف كان تعاملنا مع هؤلاء الصغار ؟ فمن له أذُنان للسماع فليسمع.