29° الناصرة $دولار أمريكي 2.97 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

ويسألونك عن ماهية أزمة "فتح" !

ويسألونك بعد ذلك كله عن ماهية أزمة "فتح"!!

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 04/12/2007 الساعة 18:30
حجم الخط
ويسألونك عن ماهية أزمة "فتح" !
ويسألونك عن ماهية أزمة "فتح" ! · تصوير: كل العرب

ويسألونك بعد ذلك كله عن ماهية أزمة "فتح"!!

ما كشفت عنه فضائية الجزيرة من تقديم المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، مشروع قرار يصنف حركة حماس كـ"ميليشيات فلسطينية خارجة عن القانون"، في أفق اعتبارها إرهابية دوليا في مرحلة تالية، لم يكن بالأمر المفاجئ. بل إن المفاجئ هو أن لا تكون سلطة "محمية" مقاطعة رام الله على هذه الدرجة من الإسفاف والابتذال.
لقد كتبت غير مرة وعبر هذه الصفحة بالذات عن أن ما تمّ ما في قطاع غزة من بسط للشرعية بقوة القانون، كان تحصيل حاصل لمقدمات منطقية قادت إلى هذه النتيجة الطبيعية، والتي تقول إنه من حق من ينتخب ديمقراطيا أن يحكم باسم الشرعية، وإن من يخرج على الشرعية بقوة السلاح لا يتم التعامل معه بقوانين الحريات المدنية وحقوق الإنسان، وإنما بفرض النظام قسرا وبقوانين الطوارئ، وهذا هو ما فعلته الحكومة الفلسطينية، برئاسة السيد إسماعيل هنية. وهي لو لم تفعل ذلك وعجزت عن فرض النظام والأمان لكان ينبغي أن تعزل بقوة القانون وباسم الشرعية أيضا. أما حقيقة كون الضفة الغربية لا زالت خارج نطاق الشرعية، فالسبب واضح وهو أن ثمة احتلالا يؤمن الحماية والاستقرار لحكومة غير شرعية في رام الله. ومن هنا نفهم تصريح رئيس الشاباك الإسرائيلي قبل أشهر قليلة من أن السلطة الفلسطينية- سلطة "محمية" مقاطعة رام الله-لم تعد تطلب انسحاب الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية خوفا من تكرار أنموذج قطاع غزة، رغم فارق الظروف وإمكانيات حماس ما بين قطاع غزة والضفة الغربية (بالمناسبة فإن هذا التصريح يوضح إصراري على استمرار استخدام مصطلح سلطة "محمية" مقاطعة رام الله). أقول هذا الكلام انطلاقا من قناعة كاتب هذه السطور في أن موقفه ليس مبنيا على انحياز لطرف ضد طرف آخر، كما أنه ليس عائدا لحسابات وانتماءات سياسية وإيديولوجية، يصر البعض على ترديدها كلما كتبت في هذه المسألة. فمبنى الإشكالية هنا أن من ينال التفويض الشعبي يحكم باسم الشرعية الشعبية، سواء أكان ذلك الطرف حماسا أم فتحا، أما الطرف الخاسر فله الحق بالمعارضة الديمقراطية حتى تأتي به الانتخابات القادمة، هذا إن أتت به أصلا، ومن يخرق قواعد اللعبة الديمقراطية، سواء أكانت حماس أم فتح يتم ردعه بقوة القانون. أعرف أن منطق "إخلاء المسؤولية" هذا لن يقنع بعض "العور" ممن لا ينظرون إلى الأمور إلا بعين واحدة، وبمنطق مختل هو: إما أنك معي على طول الخط، وإما أنك ضدي على طول الخط!!. وهم إن كانوا مصرين على هذا "العور" فهنيئا لهم به ولكنه لن يمنعنا من توصيف الأمور كما هي وعلى حقيقتها، كما لن يمنعني أن أعيد للمرة الألف أنني لا أنتمي تنظيميا ولا سياسيا لأي حزب أو تيار أو حركة عربية أو إسلامية أو غيره.
بعد هذه اللازمة الاستهلالية الضرورية لفهم التالي من السطور، نعود مرة أخرى إلى حكاية مندوب سلطة "محمية" مقاطعة رام الله لدى الأمم المتحدة. فحسب مستندات ووثائق حصلت عليها الجزيرة قبل أسبوع تقريبا، فقد قدم هذا الأخير مشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف الشهر الماضي، يدين في فقرتين منه إطلاق الصواريخ الفلسطينية من قطاع غزة ويساويها بالعدوان الإسرائيلي، ويدعو إلى اعتبار سيطرة حركة حماس، عبر حكومتها الفلسطينية الشرعية، على أنها سيطرة لـ"ميليشيات" خارجة عن القانون. وكأن هذه "الميليشيات"، حسب زعم رياض منصور ومن وراءه سلطة "محمية المقاطعة"، لم تحصل على 70% من مقاعد المجلس التشريعي المنتخب ديمقراطيا، في حين يتمتع رئيس وزرائه في حكومة "المحمية"، سلام فياض، بدعم لم يتجاوز في الانتخابات التشريعية ذاتها مطلع عام 2006، بـ 2.5%، وبالتالي لم ينجح من كتلته العتيدة سوى هو والدكتورة حنان عشراوي، قبل أن تنفصل عنه، ليبقى له في أحسن الأحوال 1.25%، هذا مع الافتراض المفرط بحسن النية من أنه يتمتع بشرعية وشعبية العشراوي!
وما كادت الجزيرة تنشر هذا الخبر، حتى قامت الدنيا عليها ولم تقعد من قبل حكومة "محمية" مقاطعة رام الله ومن ورائها حركة فتح، واللتان أنكرتا صحة الوثيقة واتهمتا الجزيرة بكل نقيصة وخسيسة. ولكن ولأن الحقيقة دائما أمضى أثرا وأرسخ حجة، فقد فضح المستور مع كشف الجزيرة عن الوثائق وبالصور، والتي زودها بها، كما قالت الجزيرة، مصدر عربي في الجمعية العامة. وجه الغرابة، إن منصور هذا لم يعرض مشروع القرار على المندوبين العرب في الأمم المتحدة، كما جرى عليه العرف الديبلوماسي، بل إنه سعى أولا لتأمين دعم أوروبي له، على أساس أن الأمريكي والإسرائيلي مضمونان. وفي الحقيقة إنه لو جرى الكشف عن مضمون مشروع القرار من دون كشف مقدمه لما شك مراقب إنه إما مشروع أمريكي أو صهيوني، لأن أوروبا ورغم انحيازها التاريخي ضد الشعب الفلسطيني فإنها لم تصل هذه الصلافة بعد في التخندق في المعسكر الإسرائيلي.
هذا كان عن وجه الغرابة، أما وجه الفجاجة في الأمر، فهو ما كشفه محضر الاجتماعات الصادر عن بعثة الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة، كما نشرته الجزيرة، من أن المندوب الفلسطيني الذي ضاق ذرعا باعتراضات مندوبي مصر وسوريا والأردن وليبيا والسودان والتي تركزت على نقطيتين، الأولى تقديم مشروع قرار دون الرجوع إلى المجموعة العربية عملا بالعرف السائد بين المجموعة العربية، والثاني تدويل الخلاف الفلسطيني-الفلسطيني واستعداء العالم على فصيل وتهييئ الأجواء لتوصيفه إرهابيا دوليا.. حاول تبرير (أي منصور) هذه الصياغة بطريقة "غير ديبلوماسية وجافة أحيانا"، مشيرا إلى أنه لا يأبه بالموقف العربي وإنه مهتم فقط بالدعم الأوروبي لمشروع القرار!!.
صحيح أن المندوبين العرب نجحوا في تعديل الصياغة في آخر المطاف، حيث اتفق على إدخال عبارة "الاستيلاء غير القانوني" على مؤسسات السلطة بدلا من "استيلاء مليشيات خارجة عن القانون". إلا أن ما لم يشر إليه أحد هو ذلك التحول الخطير داخل بعض جيوب وجحور الساحة الفلسطينية. فأن يتصدى مندوب سلطة "محمية" رام الله لمندوبي لا سوريا والأردن والسودان وليبيا فحسب، بل وحتى مصر، فإن هذا يستلزم قراءة جديدة، حيث أن دلالاتها خطيرة جدا وأبعد مما يتوقع البعض. فمعروف أن رموز "سلطة فتح" يغضبون الدنيا كلها ولا يغضبون مصر، وهم حريصون دائما على ودها، بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية. إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت تحولا واضحا في هذه المقاربة. فأبو مازن ينسق يمينا وشمالا لمؤتمر أنابوليس القادم، إن عقد، ويتجاهل دور مصر، والتي كان حظها منه أخيرا زيارة تلطيفية، وذلك لكي يطلع الرئيس المصري على آخر التطورات. وهو كان قبل ذلك قد رفض وساطات مصر والسعودية لإعادة لحمة الشعب الفلسطيني بعد بسط الشرعية في قطاع غزة منتصف حزيران/يونيو الماضي. إذن، أبو مازن ومن وراءه حركة فتح وبعض الطفيليات التي ركبت قافلة الفتنة، باتوا يرون في أنفسهم "كارادورا"، أو ممرا، لتمديد النفوذ الأمريكي الإسرائيلي إلى قلب الجسد العربي، وبالتالي فهم لم يعودوا بحاجة ماسة إلى العمق العربي، حتى الرسمي المتقاعس منه، حيث أن ثمة مظلة أمريكية-إسرائيلية جديدة تظلهم الآن. وهذا هو أخطر ما في الأمر، أن يخرج جزء من فصائل العمل الفلسطيني القضية من عباءتها العربية، وإن كانت مهترئة، ولكنها مع ذلك تبقى أفضل من العباءة الأمريكية-الإسرائيلية "المسمَّرة"، والتي تقتل من يتلفع بها من الفلسطينيين باستنزاف دمائهم عندما تغرز مساميرها في أجسادهم.
لابد من الاعتراف وبدون رتوش ولا مساحيق من أن حركة فتح تحولت إلى سمسار للقضية مكشوف الوجه ويتقاضى عمولته علنا دون خجل ولا وجل. أما حكاية عباءة الشرعية التاريخية، فقد أضحت "حجة استباقية" لأي شكوك تثار حول فتح ودورها في الساحة الفلسطينية اليوم. لقد كثر الحديث عن أن حركة فتح مخطوفة من قبل زمرة منسلخة عن تاريخ وتراث الحركة. حسنا، فأين هي تلك الفئة الصالحة والوطنية داخل فتح!؟ لماذا لا تعبر عن نفسها!؟ ولماذا تصر على عدم نفض الأتربة والأدران عن جسد حركتها المثقل بوطأة أصحاب الولاءات الخارجية!؟. هذا التقييم القاسي لا يعني أن فتحا عدمت شرفاء ووطنيين، ولكنهم مغيبون طوعا وصامتون عن ما يجري باسم حركتهم من تدمير للقضية الفلسطينية، وبالتالي فهم...نعم، هم مدانون أيضا.
في الأسبوع الماضي احتفلت حركة فتح بالذكرى الثالثة لوفاة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، والذي كان أيضا الزعيم التاريخي لحركة فتح. أبو مازن وأمام نصبه التذكاري في رام الله أكد مواصلة طريق "الزعيم الخالد". أيضا محمد دحلان كان ممن شارك جماهير فتح المحتشدة لإحياء ذكرى ياسر عرفات في رام الله. موقع "صوت فلسطين-حركة فتح" المحسوب على هذه الأخيرة عنون إحدى تقاريره (11/11) عن إحياء الذكرى الثالثة لوفاة عرفات في رام الله بـ: "دحلان يختطف الاضواء في مهرجان تأبين الشهيد الرمز أبو عمار". وجاء في تقريرها: "طالبت جماهير حركة فتح المشاركة في مهرجان إحياء الذكرى الثالثة لرحيل الشهيد الرمز أبو عمار القائد الفتحاوي محمد دحلان بالبقاء على أرض الوطن وتحرير غزة من الانقلابيين... وقال شهود عيان ممن حضروا المهرجان برام الله إنه منذ لحظة دخول دحلان إلى المهرجان علت الزغاريد وتدافعت الجماهير بكل فئاتها للوصول إليه وهم يهتفون باسمه... وأضاف الشهود إن دحلان لقي ترحيبا كبيرا من جماهير فتح التي طالبته بالبقاء على أرض الوطن ليمارس دوره القيادي في فتح مجددين له العهد على الوقوف خلفه مهما كان الثمن".
هذا الترحيب الذي يلقاه أشخاص مثل أبي مازن ودحلان في صفوف حركة فتح ويوم إحياء ذكرى وفاة ياسر عرفات أمر مشبوه، ويعيد مرة أخرى التأكيد على أن حركة فتح أصبحت، فضلا عن كونها اليوم سمسارا للقضية، متلونة في قناعاتها وتخضع في ولاءاتها للقوي فيها ومن يملك قرار الإعطاء وقرار المنع. فمن المعروف، أن أبا مازن ودحلان كانا الرمزين الأساس لحصار عرفات فلسطينيا بعد أن حوصر إسرائيليا وأمريكيا وغربيا وعربيا. أبو مازن "حرد" في بيته ورفض أن يقابل عرفات بعد أن أعفاه من رئاسة الوزراء في أيلول/سبتمبر 2003، أي بعد أقل من ستة أشهر على توليه المنصب. أما سبب إعفاء عرفات له، فكان أن أبا مازن جاء لرئاسة الوزراء رغما عن "الختيار" الذي تذرف فتح اليوم الدمع على ذكراه، وتعاهد بالبيعة لـ"خليفته" أبي مازن، والذي كان تولى الوزارة بتهديد أمريكي إسرائيلي وبعض عربي، وذلك بهدف نزع الصلاحيات من "القائد الرمز" الذي يبكيه اليوم جماهير فتح مع من سعوا للانقلاب عليه في الأمس. وذات الأمر ينطبق على دحلان، والذي أراد أن يسلخ قطاع غزة عن نفوذ عرفات في أفق إقصاءه، وحرك ضده المظاهرات وشتمه علنا أكثر من مرة، بل ومدد نفوذه إلى الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية على حساب غريمه المتحالف مع عرفات في تلك المرحلة، جبريل الرجوب، رئيس الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقا. أبو مازن ودحلان لم يزورا عرفات إلا يوم أقلته الطائرة الأردنية إلى عمان، ومنها إلى فرنسا ليتوفى فيها، رغم أن "القائد الرمز" تحايل عليهما للجلوس معهما مرارا في أيامه الأخيرة!!.
إن حال فتح وعرفات، كحال ذلك الرجل في الجاهلية قبل الإسلام، والذي كان يعبد صنما صنعه من عجوة، فلما جاع أكله. طبعا، لأن إعادة صناعة الصنم أو "الرمز" أمر سهل متى ما اقتضت الضرورة. لا شك أن عرفات كان قائدا بمزايا خاصة، ولا شك أن الرجل دفع حياته صامدا في آخر حياته لأنه رفض تقديم تنازلات لم يتردد أبو مازن في تقديمها عندما كان رئيسا للوزراء في قمة العقبة التي جمعته في يونيو/حزيران 2003 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون، برعاية أمريكية أردنية. ولكن هذا لا ينفي أن عرفات بأسلوبه الذي قام على شراء الذمم وصناعة "الرجال" من الدرجة الثالثة أو الرابعة من حوله، هو أحد أهم أسباب الأزمة الفلسطينية اليوم. وإلا فمن صنع عباس، ومن صنع دحلان، ومن جاء بياسر عبد ربه أو بأحمد عبد الرحمن؟.. إلى آخر هذه القائمة من الصفوف الخلفية التي تبوأت السيادة والريادة في القرار الوطني الفلسطيني، وهم فيهم من فيهم من "انقلابي" الأمس على "القائد الرمز"!؟. في الماضي شفع لعرفات تمسكه بثوابت شعبه، ولكن أولئك ماذا يشفع لهم اليوم!؟ وماذا يشفع لعرفات اليوم في أنه فرض أمثال هؤلاء على الشعب الفلسطيني رغما عنه؟ وحتى عندما أراد أن يتدارك بعض الخلل في سياساته السابقة عاجلوه قبل أن يداويهم فكان أن انتكبت القضية بهم. إن حركة فتح وقيادتها شائختان. فمنذ المؤتمر العام الخامس للحركة عام 1989 لم ينعقد لها مؤتمر آخر لتجديد الدماء في عروقها. الأدهى من ذلك أن كثيرا من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، السلطة التنفيذية الأعلى للحركة، تحولوا إلى موظفين لدى رئيس السلطة، أبو مازن، والذي هو أيضا عضو في هذه اللجنة. وما مثال هاني الحسن عضو اللجنة عنا ببعيد، وذلك عندما تجرأ وتحدث ضد "تيار دايتون" في قطاع غزة، فكان مصيره الإقالة من موقع "مستشار الرئيس" فضلا عن "البهدلة" التي قرع بها. هذه هي حركة فتح اليوم، حركة تحول قادتها ورموزها إلى موظفين عند نظير لهم، ولكنه مقبول إسرائيليا وأمريكيا. أما من رفض ذلك منهم، فلن يكون حاله أفضل من فاروق القدومي، الشخصية التاريخية الفتحاوية، والذي همش دوره وموقعه لصالح قيادات طارئة من فتح ومن خارجها، كما في مثال رياض المالكي، وزير خارجية سلطة "محمية" مقاطعة رام الله اليوم.
وهنا أصل إلى النقطة الأخيرة في هذا المقال. فعرفات رحمه الله مارس لعبة خطيرة في حياته ألا وهي "تبزير" شخصيات هامشية وإعطاءها دورا أكبر من حجمها ومن قدراتها ومن انتماءها الفصائلي والإيديولوجي. من أولئك مثلا ياسر عبد ربه. هدف عرفات من مثل تلك السياسة في السابق كان يتمثل بإحاطة نفسه بمن لا يخشى منهم ومن أطماعهم مستقبلا. وهذه السياسية ثبت فشلها اليوم كما أوضحنا سابقا. حركة فتح وقياداتها اليوم، تعلموا ذات الأسلوب من عرفات، ولكنهم لم يتعظوا من حصاد تجربة الرجل المريرة، عندما كان بعض أولئك من أوائل من انقلب عليه حيا وعلى إرثه ميتا. فرياض منصور مثلا، مندوب حكومة "محمية" مقاطعة رام الله لدى الأمم المتحدة، ليس من حركة فتح وإنما هو من الجبهة الشعبية حاليا أو سابقا، لا يهم، كحال رياض المالكي، وزير خارجية حكومة "المحمية". رياض منصور هذا، صاحب مشروع قرار "الميليشيات الفلسطينية الخارجة عن القانون" هو نفسه الذي عارض المشروع القطري-الإندونيسي المشترك في الأمم المتحدة في شهر آب/أغسطس الماضي لاعتبار قطاع غزة منطقة منكوبة وضرورة رفع الحصار عنه.
أسابيع قليلة بعد فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، دعيت إلى محاضرة مشتركة مع منصور في نيويورك لمناقشة خلفيات وتداعيات الحدث. طلب إلي حينها أن أتكلم لمدة 15 دقيقة تقريبا، قدمت خلالها تحليلا سياسيا لما حدث دون اتخاذ مواقف، ولكن ما فاجأني أن الرجل بدأ حديثه بهجوم كاسح على حماس والتشكيك بفوزها عبر استحضار لعبة الأرقام، كما أنه حذر من تداعيات فوز حماس واحتمالات فرض حصار على الشعب الفلسطيني جراء قراره الديمقراطي الحر. فوجئت من وقع الصدمة، خصوصا وأنه أعطي مدة 35 دقيقة للحديث دون مقاطعة، وعندما اعترضت جاءني جواب مدير الجلسة أشد مرارة عندما قال بأن "السفير" يمثل الشعب الفلسطيني، أما أنا فأمثل وجهة نظر طرف واحد!! وحينما رفضت وأصررت على الحديث لنفس المدة، فوجئت بمنصور يعيد ذات الحجة بأنه يمثل الشعب الفلسطيني، ولذلك فمن حقه أن يتحدث أكثر، فكان أن رددت عليه بالقول بأن تفويضه الشعبي قد سحب يوم ظهرت نتيجة الانتخابات التي لم تعجبه، هذا أصلا إذا ما كان عنده تفويض من قبل!. يومها أخذت حقي كاملا في الحديث لأعيد الكثير من الأمور إلى سياقها الحقيقي من وجهة نظري. ولم يكن هدفي حينها من ذلك نصرة وجهة نظر الطرف الثاني "حماس" ضد الطرف الذي تبناه منصور "فتح"، بقدر ما كان هدفي أن أقول لمن حضر من العرب وبعض الأمريكيين بمن فيهم من يهود أمريكيين إن هذا الرجل لا يمثل بعثة فلسطين، خصوصا وأنه أوضح أن قراراته تأتي من عباس فحسب (هذا قبل تشكيل حماس الحكومة وقبل أي خلافات)، بل هو يمثل بعثة فئة "تسلبطت" على قرار فلسطين، وهو الموقف الذي لا أزال أحمله إلى اليوم.
المثال الثاني لهذه النوعية من الرجال من الصفوف الخلفية الذي "تبزرهم" فتح وتبلي بهم قضية فلسطين، وزير أوقاف حكومة "محمية" مقاطعة رام الله، جمال بواطنة. هذا الرجل كان الأسبوع الماضي هنا في واشنطن في زيارة رسمية ضمن وفد ديني فلسطيني مسلم رسمي بدعوة من سيناتور أمريكي سابق، حيث التقوا مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وغيرها، كما أنهم أجروا نقاشات مع رجال دين يهود من الدولة العبرية ومسيحيين من الأراضي المحتلة، بهدف التوصل إلى وثيقة تمهيدية مؤطرة دينيا-على ما يبدو-لمؤتمر أنابوليس القادم. على أي حال، تلقيت دعوة لأشارك في واشنطن في جلسة مع رجال الدين المسلمين من الأرض المحتلة، ومن ضمنهم كان قاضي قضاة فلسطين، الشيخ تسير التميمي، وجمال بواطنة.
التميمي تحدث عن طبيعة الزيارة وأهميتها ومعاناة شعب فلسطين وحال المقدسات الإسلامية، أما بواطنة فبدأ حديثه بالقول بأنه متفق مع ما قاله الشيخ التميمي، ولكن لديه شيء آخر ليقوله. وصدمت عندما وجدت الرجل يأتي لنا في واشنطن بخلافات الساحة الفلسطينية، متعللا في تقديمه لهذا الحديث الشاذ والذي أتى خارج السياق، بادعاء غير صحيح من أن الصحافة الأمريكية تزعجه كثيرا حول ما وصفها بـ"إشاعات" عن فصله لأئمة مقربين من حماس في الضفة الغربية. واستمر الرجل في حديثه ليتحدث عن قصور الحركات الإسلامية سياسيا، وكأن "فضيلته" منظر سياسي أو أنه ماوردي القرن الواحد والعشرين!!. بقيت صامتا مؤثرا أن لا أقول شيئا إلى أن تحدث عن "الانقلابيين في غزة" وفظائعهم بحق الشعب والقضية. فكان أن خرجت عن صمتي، وقلت له مخاطبا أمام من حضر إننا لم نجتمع لنسمع عن خلافات الشعب الفلسطيني وإنما عن كيفية خدمتنا كعرب ومسلمين أمريكيين لقضية فلسطين، كل فلسطين، بغض النظر عن خلافات فصائلها الداخلية. وأضفت بما أنك تصر على الحديث عن "انقلابيي غزة" فهل يمكن أن تشرح لنا كيف تنقلب الحكومة الشرعية على نفسها!؟ وكيف يكون المفوض بـ 70% من الأصوات "انقلابيا" في حين يكون أصحاب الكسور العشرية "شرعيين". وقلت له إنك قلت في بداية كلامك بأن "حكومتكم" حكومة خدمات لا سياسية، فلماذا تتحدث بالسياسة الآن!؟ وذكرته بأنه يوم صلى بعض قادة حماس صلاة الجمعة في الضفة الغربية مع أبو مازن في مقر المقاطعة كبادرة حسن نية، خطب هو متحدثا عن الانقلاب و"الانقلابيين" في غزة. سائلا إياه إذا كان هذا هو دور العلماء، إن كان هو منهم!؟
غضب الرجل وقال بأن حماس أطلقت الرصاص على أرجل الناس في غزة، فسألته أين رأيت هذا؟ فقال على شاشات التلفزة، قلت له لن أخوض معك في صحة هذا الإدعاء، ولكن كيف تشهد على ما لم ترى، والرسول صلى الله عليه وسلم علم أحد الصحابة أن يشهد فقط على ما تيقن منه عندما أشار إلى الشمس وقال: "على مثل هذا فأشهد". واستغربت أن الرجل يشهد على ما حدث في قطاع غزة وهو يعيش في الضفة، في حين أنه لا يرى ما يجري من فضائع ترتكبها حركة فتح في الضفة الغربية أمام عينيه بحق قيادات وكوادر حركة حماس!. غضب الرجل واشتكى مني وانتهى الأمر هكذا.
تلكم عينة ممن "بزرتهم" فتح ليكونوا في الواجهة، كما سلام فياض، والذي تقول بعض التقارير إنه لا يحترم عباس ولا فتح على أساس أن قرار تعيينه رئيس وزراء هو قرار أمريكي.. ذلكم غيض من فيض من سقطات حركة فتح وانحرافها عن خطها الذي أنشأت على أساس منه، وبعد ذلك يتساءلون لماذا خسرت الانتخابات أمام حركة حماس!؟ ولماذا تتقلب بين الأزمات!؟ حتى في احتفالهم بذكرى عرفات في غزة، نسوا أنهم يجادلون أن عرفات كان رمز وحدة الشعب الفلسطيني، فكان أن فرقوا الصف أكثر بكلماتهم التحريضية على الحكومة والحركة (حماس) الذين كفلوا لهم حرية التعبير (لاحظ أن أحدا من فتح لم يتحدث عن ملف وفاة عرفات رغم أنهم يصرون على أنه مات غيلة)، ولم ينتهوا إلا وقد تسببوا بسفك أرواح سبعة فلسطينيين وعشرات الجرحى، ويسألونك بعد ذلك كله عن ماهية أزمة "فتح"!!.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد