التوصية لآيزنكوت ليست تنازلاً... بل استخدامٌ صحيح لقوة الـ19 مقعداً العربية/ بقلم محمد دراوشة
قرار الأحزاب العربية التوصية بتكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة ليس تفصيلاً إجرائياً عابراً، ولا موقفاً رمزياً للاستهلاك الإعلامي. إنه تعبير عن فهمٍ لدور التمثيل السياسي العربي ومعنى القوة التي منحها الناخب العربي لممثليه.
قرار الأحزاب العربية التوصية بتكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة ليس تفصيلاً إجرائياً عابراً، ولا موقفاً رمزياً للاستهلاك الإعلامي. إنه تعبير عن فهمٍ لدور التمثيل السياسي العربي ومعنى القوة التي منحها الناخب العربي لممثليه.
فحين يمنح الجمهور العربي أحزابه 19 مقعداً في الكنيست، فهو لا يفعل ذلك لكي تكتفي بإعلان المواقف من خارج دائرة التأثير، بل لكي تستخدم هذا الثقل البرلماني للتأثير على مسار السياسة وصناعة القرار قدر الإمكان.
السياسة ليست بحثاً عن الشريك المثالي، ولا هي منافسة في النقاء الأيديولوجي. السياسة هي فن التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون. وفي الواقع القائم، كان على الأحزاب العربية أن تسأل نفسها سؤالاً بسيطاً: هل يمكن استخدام هذه القوة السياسية للمساهمة في إبعاد نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وشركائهم عن السلطة؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن من الطبيعي أن تسلك هذا الاتجاه.
التوصية على آيزنكوت لا تعني تبني برنامجه السياسي بالكامل، ولا تعني الثقة المطلقة بمعسكره، ولا تعني التخلي عن الثوابت الوطنية والمدنية. إنها ببساطة محاولة لاستخدام القوة البرلمانية العربية لتحقيق هدف سياسي مشروع: منع الأسوأ وفتح المجال أمام واقع قد يكون أقل سوءاً وأكثر قابلية للتأثير.
لا توجد ضمانات في السياسة. وقد لا يلبي البديل كل التطلعات، وربما لا يلبي جزءاً كبيراً منها. لكن الفرق كبير بين حكومة ترى في المواطنين العرب خصماً دائماً، وبين واقع سياسي يمكن فيه خلق قنوات حوار وتأثير وانتزاع إنجازات أو منع خطوات أكثر تطرفاً وخطورة. والسياسي المسؤول لا ينتظر الظروف المثالية، بل يعمل ضمن الظروف المتاحة لتحقيق أفضل النتائج الممكنة.
الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو النظر إلى التوصية وكأنها نهاية العملية السياسية. والحقيقة أنها مجرد بدايتها. فالعمل السياسي لا يُختزل في موقف واحد ولا في تصويت واحد ولا في توصية واحدة. إنه عملية يومية من قراءة المتغيرات، وتقييم الوقائع، وإعادة بناء المواقف وفق ما يخدم مصالح الجمهور.
لهذا لا يوجد في السياسة موقف صحيح مئة بالمئة أو موقف خاطئ مئة بالمئة. فالمواقف البراغماتية تُقاس بنتائجها، وبقدرتها على خدمة الناس، وبمدى نجاحها في تقليل الأضرار أو تحصيل المكاسب. وما يبدو غير مثالي قد يكون الخيار الأفضل بين الخيارات المتاحة، تماماً كما أن الشعارات الأكثر جذرية ليست بالضرورة الأكثر فاعلية.
ومن هنا فإن مسؤولية الأحزاب العربية يجب أن تستند إلى أربعة مبادئ واضحة:
أولاً، تقليل الأضرار ومنع الأسوأ كلما أمكن ذلك.
ثانياً، التموضع السياسي الذي يسمح بتحقيق الأفضل وانتزاع ما يمكن انتزاعه من حقوق وموازنات وإنجازات.
ثالثاً، البحث عن المصالح المشتركة وبناء التفاهمات والتحالفات مع احزاب ليبرالية ما يزيد من القدرة على التأثير.
ورابعاً، التمسك الدائم بالبوصلة الأساسية: تمثيل مصالح الناخبين العرب والدفاع عن حقوقهم واحتياجاتهم ومستقبلهم.
القوة السياسية ليست في عدد المقاعد وحده، بل في كيفية استخدامها. والـ19 مقعداً العربية ليست مجرد رقم في لوحة النتائج، بل أداة تأثير منحها الجمهور لممثليه. ومن واجب هؤلاء الممثلين أن يستخدموا هذه الأداة بأقصى قدر من الحكمة والجرأة والمسؤولية.
أما الاكتفاء بالاعتراض من خارج دائرة التأثير، وترك الآخرين يقررون شكل الحكومة واتجاه السياسة، فليس موقفاً مبدئياً بقدر ما هو تنازل طوعي عن القوة التي منحها الناخب العربي لأحزابه.
السياسة ليست فن الشعارات، بل فن التأثير. والتوصية لآيزنكوت يجب أن تُقرأ من هذا المنظار: محاولة لتحويل الصوت العربي من شاهد على الأحداث إلى شريك في التأثير عليها، مع البقاء أوفياء للمبادئ والثوابت التي من أجلها انتخب الناس ممثليهم أصلاً.