20° الناصرة $دولار أمريكي 3.10 ₪€يورو 3.48 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

عندما يصبح الولاء للقبيلة أهم من الولاء للوطن يتعرض الوطن للخطر

معظم مجتمعات الشعوب العربية المبنى الاجتماعي فيها قبلي وطائفي , والمشكلة تكمن في هذه المجتمعات بتحويل القبيلة إلى مرجعية تتقدم على الوطن والقانون والعدالة ,

ص ن صالح نجيدات مقالات نُشر: 16/10/2026 الساعة 07:55
حجم الخط
عندما يصبح الولاء للقبيلة أهم من الولاء للوطن يتعرض الوطن للخطر
عندما يصبح الولاء للقبيلة أهم من الولاء للوطن يتعرض الوطن للخطر

معظم مجتمعات الشعوب العربية المبنى الاجتماعي فيها قبلي وطائفي , والمشكلة تكمن في هذه المجتمعات بتحويل القبيلة إلى مرجعية تتقدم على الوطن والقانون والعدالة ,

فكيف يمكن بناء دولة حديثة في الوطن العربي إذا كان معظم الشعوب ينظرون إلى أنفسهم, أولًا بوصفهم أبناء قبائل، ثم مواطنين في الدولة , وكيف يمكن تحقيق المساواة إذا أصبح معيار النجاح هو قوة الجماعة او القبيلة التي ينتمي إليها الإنسان، لا علمه وكفاءته ونزاهته.

إن الوطن ليس ملكا لقبيلة، ولا مزرعة لعائلة، ولا إرثا تتوارثه أنظمة فاسدة . الوطن ملك لجميع أبنائه، وهم متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يجوز لأي جماعة او قبيلة أن تدّعي لنفسها حقا في السيطرة على مؤسساته أو احتكار موارده ومناصبه كما تفعل اليوم الأنظمة الحاكمة في الخليج..

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو أن يشعر المواطن بأن حقوقه لا تُصان إلا إذا كان وراءه شيخ قبيلة نافذ، أو عائلة قوية، أو جماعة قادرة على الضغط والتأثير,عندها، لا يعود القانون هو المرجعية الأولى، بل تصبح القوة الاجتماعية والقدرة على فرض النفوذ هما المعيار. وهنا تبدأ المواطنة بالتراجع، ويبدأ الشعور بالظلم والتمييز في التسلل إلى المجتمع .

فما قيمة الدولة إذا كانت حقوق المواطن مرتبطة بقوة قبيلته؟ وما قيمة القانون إذا كانت المحسوبية تتقدم على الحقوق والعدالة؟

من أخطر مظاهر العصبية القبلية أن تتحول المناصب العامة إلى ساحة للتنافس بين القبائل والعائلات، وأن يُنظر إلى وصول أحد أبنائها إلى منصب مهم على أنه انتصار للقبيلة بأكملها.

في هذه الحالة، لا يعود السؤال: من هو الشخص الأكثر كفاءة وقدرة على خدمة المواطنين؟ بل يصبح: من أي قبيلة هو؟ وكم تمتلك قبيلته من النفوذ؟ وهل سيعزز وجوده في هذا المنصب مكانتها على حساب الآخرين؟

إن هذا المنطق يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم، ويحوّل المؤسسات العامة من مؤسسات لخدمة المواطنين جميعا إلى ساحات للتنافس على النفوذ والمكاسب.

وحين يُقدَّم شخص على آخر بسبب نسبه أو انتمائه القبلي، رغم تفوق الآخر عليه في العلم والخبرة والكفاءة، فإننا لا نظلم فردا واحدا فحسب، بل نظلم المجتمع كله؛ لأننا نحرم المؤسسة من الشخص الأقدر على أداء مهمتها..

كما أن تمكين أبناء القبيلة بصرف النظر عن استحقاقهم لا يعزز قوة الوطن، بل قد يضعف مؤسساته، ويزرع الإحباط في نفوس الشباب الذين يؤمنون بأن الاجتهاد والتعليم والعمل الجاد هي طرق النجاح.

إن المنصب العام ليس غنيمة تتقاسمها القبائل، وليس وسيلة لإثبات التفوق الاجتماعي، بل مسؤولية وأمانة يجب أن يتولاها من يستحقها، وفق معايير واضحة وعادلة.

إن انتصار الوطن يتحقق عندما يصل الأكفأ إلى موقع المسؤولية، لا عندما تستحوذ قبيلة على أكبر عدد من المناصب

إننا بحاجة إلى أن نتوقف أمام هذه الأسئلة، لأن المجتمعات لا تتقدم بمجرد استعراض أمجاد الماضي، وإنما بما تحققه في الحاضر من إنجازات علمية واقتصادية واجتماعية.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾..

إن الآية الكريمة واضحة في دلالتها على أن اختلاف الشعوب والقبائل غايته التعارف، وليس التفاخر والتناحر وادعاء التفوق.

كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، :الناس من أصل واحد، وإنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى".

إن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة، وعلى أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون، وأن فرص التعليم والعمل وتولي المسؤوليات العامة يجب أن تكون متاحة للجميع وفق مؤهلات ومعايير عادلة.

فالمواطن الصالح هو الذي يخدم وطنه حتى عندما لا يكون المستفيد المباشر من قراراته، والذي يقبل بوصول شخص كفء إلى منصب عام، حتى لو لم يكن من قبيلته، لأنه يدرك أن نجاح المؤسسة نجاح للمجتمع كله.

أما من لا يرى في وصول الإنسان إلى موقع المسؤولية إلا انتصارا لقبيلته أو هزيمة لقبيلة أخرى، فإنه يحصر مفهوم الدولة في صراع الجماعات، ويبتعد عن جوهر المواطنة.

إن مواجهة العصبية القبلية لا تتحقق بإلغاء القبائل أو محاربة التراث، وإنما بإرساء قواعد واضحة تمنع تحول الانتماء القبلي إلى امتياز سياسي أو إداري.

وعلى الدولة أن تضمن الشفافية في التعيينات، وأن تعتمد الكفاءة والخبرة والنزاهة معايير أساسية لتولي المسؤوليات العامة، وأن تطبق القوانين على الجميع دون استثناء.

كما تقع على القيادات القبلية مسؤولية أخلاقية كبيرة. فمكانة الشيخ أو الزعيم لا ينبغي أن تُقاس بقدرته على الحصول على المناصب لأبناء قبيلته، بل بقدرته على الإصلاح بين الناس، وحماية السلم الاجتماعي، وتشجيع الشباب على التعليم والعمل، والمساهمة في بناء وطن يتساوى فيه الجميع.

وعلى رجال الدين والمثقفين والإعلاميين أن يواجهوا الخطاب الذي يحرض على العصبية أو ينتقص من الآخرين، وأن ينشروا ثقافة تؤكد أن اختلاف الأصول لا ينتقص من قيمة الإنسان، وأن التعاون بين المواطنين أقوى من التنافس على النفوذ.

إن استمرار العصبية القبلية بعد قرون طويلة من ظهور الإسلام يدل على أن تغيير العقليات والعادات الاجتماعية يحتاج إلى أكثر من المواعظ والشعارات؛ إنه يحتاج إلى تربية وثقافة ومؤسسات عادلة، وإلى إرادة حقيقية تجعل المبادئ الأخلاقية واقعا ملموسا في حياة الناس.

المواطنون مطالبون بأن يضعوا الأمور في نصابها الصحيح. فالقبيلة رابطة اجتماعية، وليست سلطة فوق القانون، وليست مالكة للوطن، ولا يحق لها احتكار المناصب أو فرض إرادتها على بقية المواطنين كما هو في دول الخليج .

إن الوطن الذي تتساوى فيه الحقوق، ويُحترم فيه القانون، وتُمنح فيه الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق، هو الوطن الذي يستطيع أبناؤه أن يعتذروا به ويدافعون عنه ويضحون من أجله.

أما الوطن الذي تتحكم فيه القبلية والعصبيات، وتُوزع فيه المكاسب بحسب النفوذ، وتُقدَّم فيه الروابط الضيقة على المصلحة العامة، فإنه يعرّض وحدته الاجتماعية وثقة مواطنيه بمؤسساته للخطر.

يا أبناء القبائل والعائلات، اعتزوا بأصولكم، وحافظوا على تراثكم، ولكن لا تجعلوا ذلك سببا للتعصب أو التمييز. تنافسوا في العلم والعمل والأخلاق وخدمة الناس، لا في السيطرة على المناصب وإقصاء الآخرين.

ولنتذكر دائما أن الإنسان لا يختار قبيلته التي يولد فيها، لكنه يستطيع أن يختار أخلاقه ومواقفه وأعماله. وأن قيمة المرء لا تحددها قوة الجماعة التي ينتمي إليها، بل ما يقدمه من خير وعدل ونفع للناس.

الدين لا يبرر العصبية، والقبيلة لا تعلو على القانون، ولا يجوز أن يكون الولاء للقبيلة أقوى من الولاء للوطن. الدين لله الوطن للجميع، والعدالة للجميع، والكرامة حق لكل إنسان

الدكتور صالح نجيدات

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد