26° الناصرة $دولار أمريكي 3.11 ₪€يورو 3.49 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

مع الناس وبين الناس وفي الميدان قبل الانتخابات وبعدها

ليس النقاش حول المشاركة العربية في الكنيست الإسرائيلي جديدًا أو طارئًا، فهو يرافق كل انتخابات، ويعيد إلى الواجهة أسئلة الموقف والجدوى وحدود التأثير. وقد وسعت منصات التواصل الاجتماعي دائرته، وأتاحت منابر لمن لم تكن لهم منابر من قبل. وهذا أمر إيجابي ما دام يفتح المجال لتعدد الآراء وتبادل الحجج. غير أن جانبًا مما نشهده اليوم يكشف عن تدن في أدب الحوار، واستسهال للتجريح، ومحاولات لإلغاء الآخر بدل مناقشة موقفه.

س غ ساهر غزاوي مقالات نُشر: 22/10/2026 الساعة 23:29
حجم الخط
مع الناس وبين الناس وفي الميدان قبل الانتخابات وبعدها
مع الناس وبين الناس وفي الميدان قبل الانتخابات وبعدها

ليس النقاش حول المشاركة العربية في الكنيست الإسرائيلي جديدًا أو طارئًا، فهو يرافق كل انتخابات، ويعيد إلى الواجهة أسئلة الموقف والجدوى وحدود التأثير. وقد وسعت منصات التواصل الاجتماعي دائرته، وأتاحت منابر لمن لم تكن لهم منابر من قبل. وهذا أمر إيجابي ما دام يفتح المجال لتعدد الآراء وتبادل الحجج. غير أن جانبًا مما نشهده اليوم يكشف عن تدن في أدب الحوار، واستسهال للتجريح، ومحاولات لإلغاء الآخر بدل مناقشة موقفه.


ومن أبرز مظاهر هذا السجال تصوير المقاطعين وكأنهم منفصلون عن الواقع، يعيشون في عالم موازٍ، بعيدين عن هموم مجتمعهم وقضايا شعبهم. فتارة يُقال لهم "من يده بالمي مش مثل اللي إيده بالنار"، وتارة يُتهمون بالحديث من "برج عاجي"، أو بالتنظير "من خلف المكاتب والمكيفات". وكأن الاختلاف حول المشاركة في الكنيست يكفي لمحو تاريخ من العمل والعطاء، أو لنفي ما عاشوه من قمع وتمييز وملاحقة.
والمفارقة أن بعض من يطلقون هذه الأحكام لا يُعرف لهم حضور في العمل السياسي أو الاجتماعي، ولا إسهام مستمر في معالجة قضايا الناس. يبدأ نشاطهم قبيل الانتخابات، ويبلغ ذروته عند صندوق الاقتراع، ثم يغيب حتى موسم انتخابي آخر. وهذا لا يسلبهم حق إبداء الرأي والدفاع عن خيارهم، لكنه لا يمنحهم حق توزيع شهادات الانتماء أو التشكيك في التزام الآخرين. وبعضهم لا يكتفي بالعزوف عن العمل الشعبي، بل يسخر من مبادراته ويستخف بجهوده.
لا أعمم هذا الوصف على المشاركين في الانتخابات، ففيهم أصحاب عطاء وحضور ميداني، كما أن المقاطعين ليسوا جميعًا على درجة واحدة من النشاط والالتزام. ولهذا، فإن معيار الارتباط بالناس لا يُختزل في ورقة اقتراع. ومن حقنا مناقشة الخيارات السياسية ومحاسبة أصحابها على نتائجها، من دون جعل المشاركة دليلًا تلقائيًا على المسؤولية، أو المقاطعة قرينة على الانعزال.
والحقيقة أن عددًا لا يُستهان به من هؤلاء المقاطعين قد اكتوت أيديهم بالنار فعلًا، فتعرضوا للملاحقة والعقاب والتضييق في حياتهم وأرزاقهم. ومنهم من يُحرم، هو أو أحد أفراد أسرته المقربين، من فرص عمل أو من التنقل ودخول أماكن مختلفة، بسبب إشارة أمنية إلى اسمه في سجلات الأجهزة الأمنية. ومنهم من اعتُقل، أو أُغلق حسابه المصرفي، أو أُبعد عن المسجد الأقصى ومُنع من دخوله والصلاة فيه، أو مُنع من السفر. فكيف يُتهم هؤلاء بالابتعاد عن معاناة الناس، وهم وأسرهم يدفعون أثمان مواقفهم وانتمائهم وعملهم؟
لقد اختار المقاطعون عدم المشاركة انطلاقًا من موقف سياسي وفكري لهم الحق في تبنّيه وشرحه والدفاع عنه. ويشمل ذلك حقهم في مناقشة مسار المشاركة وطرح الأسئلة حول حصيلته وحدوده. فالمقاطعة موقف له حججه، والرد عليه يكون بالحجة والتجربة، لا باشتراط صمت أصحابه.
أما صلتهم بالناس، فتشهد عليها تجارب عملية يصعب شطبها بتعليق ساخر يفتقر إلى النضج والوعي. ففي كثير من البلدات، هم عناوين للإصلاح بين الناس، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وترسيخ القيم والأخلاق، وإغاثة الملهوف، ومساندة المحتاجين والأسر المتعففة، ودعم الطلاب والتعليم.
ومن أبرز تجاربهم الميدانية "معسكر التواصل مع النقب"، الذي نُظّم عشرة أعوام متتالية، من عام 2006 حتى حظر الحركة الإسلامية وإغلاق مؤسساتها وجمعياتها عام 2015. وقد جسّد المعسكر مشروع "المجتمع العصامي"، باستنهاض الطاقات وتعبئة الجهود التطوعية لتلبية احتياجات الأهالي، ولا سيّما في القرى غير المعترف بها، ودعم صمودهم في أرضهم.
وخلال تلك الأعوام، أُنجزت عبر المعسكر مشاريع بلغت كلفتها نحو عشرين مليون شيكل، شملت بناء وصيانة 141 بيتًا، وتنفيذ 39 مشروعًا للجسور وتعبيد الطرق، ومد شبكات مياه إلى 11 قرية غير معترف بها، وبناء وإعمار 78 مسجدًا، وزراعة 21 ألف شتلة زيتون، وإقامة 12 ملعبًا للأطفال، وصيانة وترميم 41 مدرسة وعشر مقابر.
وخلف هذه الأرقام متطوعون بذلوا جهدهم، ومهنيون قدموا خبراتهم، وأهالٍ أسهموا بأموالهم، وعائلات وجدت من يساندها. وتشهد حجارة النقب وترابه على أيدٍ خشّنتها أعمال البناء والإعمار، فأين "البرج العاجي"؟ وأين التنظير "من خلف المكاتب والمكيفات"؟ ويُضاف إلى ذلك رصيد المعسكرات في المدن الساحلية والمختلطة، وحماية المقدسات، وسائر المبادرات الشعبية والعصامية التي لا يبرر الاختلاف السياسي إنكارها.
واستحضار هذه التجربة ليس بكاءً على الأطلال، بل تذكير بنموذج يمكن تطويره والبناء عليه. كما لا يستقيم تجاهل ملاحقة القائمين عليه وإغلاق مؤسساتهم، ثم محاسبتهم على تراجع حضورهم وكأن أبواب التنظيم والمبادرة بقيت مفتوحة أمامهم. فكأن المطلوب تضييق سبل العمل الشعبي، ثم تقديم الكنيست باعتباره الباب الوحيد لخدمة الناس.
لكن الاعتراض على هذا الرهان يتصل بطبيعة الكنيست نفسه، باعتباره أحد أركان المشروع الصهيوني ومؤسسات تشريعه. فمن هذا المنظور، لا يمكن التعويل عليه لإنهاء منظومة التمييز القومي التي يسهم في تكريسها، أو تحقيق إنصاف للفلسطينيين يصطدم بأسس ذلك المشروع وغاياته في الأرض والسيادة والهوية. وما قد يُنتزع من مكاسب خدمية محدودة لا يغيّر هذه البنية، ولا يسند الوعد برفع الظلم من خلال المؤسسة التي تسهم في تشريعه.
وفي المقابل، نستطيع بعملنا ومواردنا وتكافلنا أن نخفف شيئًا من معاناة أهلنا في النقب وفي سائر بلداتنا. فترميم بيت، وإيصال المياه إلى عائلة، وتهيئة طريق للطلاب، أعمال ذات أثر مباشر. وإحياء المبادرات العصامية يحوّل التضامن إلى التزام منتظم، يشارك فيه الأفراد والمهنيون وأصحاب المصالح والهيئات الأهلية.
ومن الخطوات الممكنة إقامة توأمة بين بلدات الشمال والمثلث الشمالي والجنوبي والمدن الساحلية وقرى النقب ومضاربه، تتولى من خلالها مجموعات أهلية، بالشراكة مع الأهالي، تحديد الاحتياجات وتنفيذ مشاريع تتابعها على مدار عدة سنوات. وبعد إنجاز الأهداف المتفق عليها، تمتد المبادرة إلى قرية أو مضرب آخر، مع الحفاظ على صلات التواصل السابقة. هكذا تتسع دائرة التكافل وتتوزع المسؤوليات، ويكون أهل النقب شركاء في التخطيط والتنفيذ.
وواجبنا اليوم أن نُحيي هذه المبادرات، ونبتكر صيغًا تناسب ظروفنا، ونتجاوز ما نستطيع من عقبات، ولو بدأنا بأفراد ومجموعات صغيرة. فمسؤوليتنا تتجاوز السجال حول جدوى الكنيست والدفاع عن حق المقاطعة، إلى تقديم نموذج عملي نقيس أثره بما يخففه من معاناة الناس ويعززه من صمودهم.
ومجتمعنا يملك الطاقات والخبرات والموارد اللازمة لذلك. وقد أثبت في محطات عديدة أنه مجتمع معطاء وكريم، صاحب نخوة وشهامة ومروءة، يناصر المظلوم ويسعى إلى رد الحقوق لأصحابها. وهذه الطاقات تحتاج إلى تنظيم ومبادرة يحوّلانها إلى عمل متواصل يلمس الناس أثره في حياتهم. بذلك نجدد التزامنا بأن نبقى مع الناس وبين الناس، ونمنح كلماتنا معناها في الميدان.
 

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد