29° الناصرة $دولار أمريكي 2.97 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

مِنْ تَقْديسِ الفِكْرَةِ إلى تَقْديسِ الجَماعَةِ

الباحث: الدكتور رافع حلبي دالية الكرمل.

ر ح رافع حلبي مقالات نُشر: 29/08/2026 الساعة 15:02
حجم الخط
مِنْ تَقْديسِ الفِكْرَةِ إلى تَقْديسِ الجَماعَةِ
مِنْ تَقْديسِ الفِكْرَةِ إلى تَقْديسِ الجَماعَةِ · تصوير: كل العرب

الباحث: الدكتور رافع حلبي دالية الكرمل.

إنَّ مِنْ أخطرِ المراحلِ الَّتي يمرُّ بها الدِّينُ حينَ يتحوَّلُ مِنْ رسالةٍ إلهيَّةٍ إلى أيديولوجيا مغلقةٍ، أنْ تنتقلَ القداسةُ تدريجيًّا مِنَ الوحيِ إلى الفكرةِ، ثمَّ مِنَ الفكرةِ إلى الجماعةِ الَّتي تتبنّاها، حتّى تغدوَ الجماعةُ في وعيِ أتباعِها المرجعيَّةَ الَّتي يُقاسُ بها الحقُّ والباطلُ، والصَّوابُ والخطأُ، والولاءُ والخروجُ، والقَبولُ والرَّفضُ، وعندَ هذه النُّقطةِ لا يعودُ الانتماءُ مجرَّدَ رابطةٍ اجتماعيَّةٍ أو فكريَّةٍ، بل يتحوَّلُ إلى منظومةٍ مغلقةٍ تُعيدُ تعريفَ الدِّينِ من خلالِ ذاتِها، فتجعلُ تصوُّرَها الخاصَّ ممثِّلًا للحقيقةِ المطلقةِ، وتجعلُ مخالفتَها خروجًا عن الحقيقةِ نفسِها، وهنا يقعُ الانزياحُ الأخطرُ: فبدلَ أنْ تكونَ الجماعةُ في خدمةِ الحقيقةِ، تصبحَ الحقيقةُ في خدمةِ الجماعةِ، وبدلَ أنْ يكونَ الإنسانُ مطالبًا بالبحثِ عن الحقِّ وتمييزِه بميزانِ العقلِ والعدلِ والضّميرِ، يصبحُ مطالبًا بمطابقةِ قناعتِه مع ما تقرِّرُه الجماعةُ، وكأنَّ الانتماءَ قد منحَها حقَّ احتكارِ الحقيقةِ، ومن هنا يبدأُ التَّحوُّلُ من التّديُّنِ الَّذي يُنضجُ الإنسانَ أخلاقيًّا وروحيًّا، إلى التّديُّنِ الهُوِيَّاتي الَّذي يقيسُ الإنسانَ بمدى انضباطِه داخلَ الجماعةِ، لا بمدى التّزامِه بالحقِّ والعدلِ والرَّحمةِ.

لذلكَ فإنَّ أخطرَ ما يصيبُ الوعيَ الدِّينيَّ ليسَ أنْ يعتنقَ الإنسانُ فكرةً ما، وإنَّما أنْ يفقدَ قدرتَهُ على مراجعةِ تلكَ الفكرةِ حينَ تتحوَّلُ إلى يقينٍ مغلقٍ لا يسمحُ بالسُّؤالِ ولا يقبلُ النَّقدَ، فالفكرةُ حينَ تبقى في مجالِ البحثِ يمكنُ مناقشتُها وتصحيحُها وتطويرُها، أمّا حينَ تُحاطُ بهالةٍ من القداسةِ لمجرَّدِ أنَّ جماعةً ما تبنَّتها، فإنَّ نقدَها يصبحُ في الوعيِ المغلقِ شبيهًا بنقدِ الدِّينِ نفسِه، ومراجعتَها تُصوَّرُ خروجًا عن الجماعةِ، وربَّما خروجًا عن الإيمانِ، وهنا تختلطُ الحدودُ بينَ المقدَّسِ الإلهيِّ والبشريِّ، وبينَ الوحيِ والتّفسيرِ، وبينَ الدِّينِ ومَن يدّعي تمثيلَهُ، وقد حذَّرَ القرآنُ الكريمُ مِنْ هذا النَّمطِ مِنَ التَّبعيَّةِ الَّتي تُعطِّلُ العقلَ وتحوِّلُ الإنسانَ إلى تابعٍ لما وجدَ عليهِ الجماعةَ أو الآباءَ أو الأسلافَ، فقالَ سُبحانَهُ تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].

الدَّلالةُ العميقةُ في هذه الآيةِ لا تنحصرُ في رفضِ تقليدِ الآباءِ، وإنَّما تمتدُّ إلى رفضِ كلِّ منظومةٍ تُطالبُ الإنسانَ بتعليقِ عقلِه لمجرَّدِ أنَّ الفكرةَ موروثةٌ أو أنَّ الجماعةَ قد تبنَّتها، فالقرآنُ الكَريمُ، لا يجعلُ كثرةَ الأتباعِ دليلًا على الحقِّ، ولا يجعلُ قِدَمَ الفكرةِ برهانًا على صحَّتِها، ولا يمنحُ الجماعةَ سلطةً على ضميرِ الإنسانِ وعقلِه، إنَّما يُعيدُ الإنسانَ إلى مسؤوليَّتِه الشَّخصيَّةِ في النَّظرِ والتّمييزِ والهدايةِ.

من هنا ينبغي التَّمييزُ بينَ الانتماءِ الَّذي يُغني الإنسانَ، والانتماءِ الَّذي يُلغي الإنسانَ. فالانتماءُ الصِّحِّيُّ يمنحُ الفردَ شعورًا بالتَّضامنِ والمشاركةِ والمسؤوليَّةِ، ويجعلهُ جزءًا مِنْ بناءٍ اجتماعيٍّ أوسعَ، من غيرِ أنْ يصادرَ عقلَهُ أو ضميرَهُ، أمّا الانتماءُ المغلقُ فيحوِّلُ الجماعةَ إلى هُويَّةٍ مكتفيةٍ بذاتِها، ويضعُ الفردَ أمامَ معادلةٍ قاسيةٍ: إمّا أنْ تكونَ معنا بالكاملِ، وإمّا أنْ تكونَ ضدَّنا، وفي هذهِ الحالةِ تُلغى المساحاتُ الوسطى، ويُصبحُ الاختلافُ خيانةً، والنَّقدُ تمرُّدًا، والسُّؤالُ تشكيكًا، والمراجعةُ ضعفًا، والمخالفةُ خروجًا،

وهذا هوَ المدخلُ الَّذي يمكنُ أنْ يتسرَّبَ منهُ التَّطرُّفُ إلى الوعيِ الدِّينيِّ، لأنَّ الجماعةَ حينَ تُقدَّمُ باعتبارِها الحارسةَ الوحيدةَ للحقيقةِ، تُصبِحُ الأداةَ المُحافِظَة على تماسكِها أهمَّ مِنَ المُحافظَةِ على القِيَمِ الَّتي يُفترضُ أنْ تقومَ عليها، وعندَئذٍ قد يُبرَّرُ الظُّلمُ باسمِ حمايةِ الجماعةِ، ويُبرَّرُ الإقصاءُ باسمِ الدِّفاعِ عن العقيدةِ، ويُبرَّرُ العنفُ باسمِ الولاءِ، ويُصبحُ الإنسانُ الآخرُ خطرًا لا لأنَّهُ ارتكبَ ظلمًا، وإنَّما لأنَّهُ ينتمي إلى دائرةٍ مختلفةٍ أو يحملُ تفسيرًا مغايرًا.

هنا يظهرُ التّناقضُ الأخلاقيُّ بوضوحٍ: فالدِّينُ الَّذي جاءَ ليُحرِّرَ الإنسانَ مِنْ عبوديَّةِ الهوى والمصلحةِ والخوفِ، قد يتحوَّلُ في القراءةِ المُؤدْلجةِ إلى أداةٍ لصناعةِ تبعيَّةٍ جديدةٍ، فينتقلُ الإنسانُ مِنْ عبوديَّةِ الأصنامِ الظَّاهرةِ إلى عبوديَّةِ الأصنامِ المعنويَّةِ، حيثُ لا يعودُ الصَّنمُ حجرًا يُعبدُ، وإنَّما قد يكونُ فكرةً مغلقةً، أو زعيمًا، أو جماعةً، أو تنظيمًا، أو تفسيرًا بشريًّا يُمنحُ من القداسةِ ما ليسَ له، ومن أخطرِ نتائجِ هذا التَّحوُّلِ أنَّهُ يُنتجُ ما يمكنُ تسميتُهُ باحتكارِ التَّمثيلِ الدِّينيِّ، إذْ تبدأُ الجماعةُ في تقديمِ نفسِها لا بوصفِها اجتهادًا بشريًّا قابلًا للصَّوابِ والخطأِ، بل بوصفِها التَّرجمةَ الوحيدةَ المقبولةَ للدِّينِ، ومن ثمَّ يصبحُ التَّفسيرُ الخاصُّ هوَ النَّصَّ، ويصبحُ اجتهادُ الجماعةِ هوَ الحكمَ، ويصبحُ موقفُها الأخلاقيُّ هوَ معيارَ الأخلاقِ، حتّى يغيبُ الفارقُ الجوهريُّ بينَ الوحيِ الَّذي مصدرُهُ اللهُ تَعالى، والفهمِ الَّذي مصدرُهُ الإنسانُ.

هذا الفارقُ بالغُ الأهميَّةِ في مشروعِ نقدِ التَّطرُّفِ، لأنَّ التَّطرُّفَ لا يبدأُ بالضَّرورةِ حينَ يتبنّى الإنسانُ العنفَ، بل قد يبدأُ قبلَ ذلكَ بكثيرٍ، حينَ يُغلقُ بابَ المراجعةِ، ويمنحُ فهمَهُ الخاصَّ منزلةً تتجاوزُ طبيعتَهُ البشريَّةَ، ثمَّ يمنحُ الجماعةَ الَّتي تحملُ ذلكَ الفهمَ سلطةً أخلاقيَّةً لا تُناقَشُ، وعندما تكتملُ هذهِ البنيةُ الذهنيَّةُ، يصبحُ الانتقالُ مِنَ التَّعصُّبِ الفكريِّ إلى الإقصاءِ الاجتماعيِّ، ثمَّ إلى العنفِ الرَّمزيِّ أو المادِّيِّ، أكثرَ سهولةً، لأنَّ الآخرَ يكونُ قد جُرِّدَ مسبقًا مِنْ شرعيَّةِ الاختلافِ، إنَّ المشكلةَ إذنْ ليستْ في وجودِ الجماعاتِ الدِّينيَّةِ أو الفكريَّةِ، فالجماعةُ حاجةٌ إنسانيَّةٌ، والانتماءُ جزءٌ مِنْ طبيعةِ الاجتماعِ البشريِّ، وإنَّما المشكلةُ تبدأُ عندما تُصبحُ الجماعةُ غايةً في ذاتِها بدلَ أنْ تكونَ وسيلةً لخدمةِ الإنسانِ والقِيَمِ، فكلُّ جماعةٍ تفقدُ قدرتَها على النَّقدِ الذَّاتيِّ تتحوَّلُ تدريجيًّا إلى بنيةٍ مغلقةٍ، وكلُّ بنيةٍ مغلقةٍ تجعلُ بقاءَها مقدَّمًا على الحقيقةِ تصبحُ مهيَّأةً لإنتاجِ التَّعصُّبِ، وكلُّ تعصُّبٍ يمنحُ نفسَهُ شرعيَّةً دينيَّةً يمكنُ أنْ يتحوَّلَ إلى خطرٍ على الإنسانِ وعلى الدِّينِ معًا، ولهذا فإنَّ تحريرَ الدِّينِ مِنَ التَّطرُّفِ لا يقتصرُ على مواجهةِ مظاهرِ العنفِ في نهاياتِها، بل يقتضي تفكيكَ الجذورِ الفكريَّةِ الَّتي تجعلُ العنفَ ممكنًا، وفي مقدِّمتِها تقديسُ الجماعةِ، وإلغاءُ الفردِ، واحتكارُ الحقيقةِ، وتحويلُ الاختلافِ إلى تهديدٍ للوجودِ، فحينَ يستعيدُ الإنسانُ حقَّهُ في السُّؤالِ، ويستعيدُ عقلَهُ قدرتَهُ على النَّظرِ، ويستعيدُ ضميرَهُ استقلالَهُ، تعودُ العلاقةُ بينَ الإنسانِ والدِّينِ إلى جوهرِها الأخلاقيِّ: مسؤوليَّةٌ أمامَ اللهِ تَعالى، لا تبعيَّةٌ أمامَ البشرِ، وبحثٌ عن الحقِّ، لا ولاءٌ أعمى للجماعةِ، وانتصارٌ للقِيَمِ، لا انتصارٌ للهُويَّةِ على حسابِ الإنسانِ.

بذلكَ يتبيَّنُ أنَّ اختطافَ النَّصِّ لا يحدثُ فقط عندما يُنتزعُ النَّصُّ مِنْ سياقِه، بل يحدثُ أيضًا عندما تُنتزعُ القداسةُ مِنْ مصدرِها الإلهيِّ لتُمنحَ لجماعةٍ بشريَّةٍ تدّعي تمثيلَها، وهنا تحديدًا يبدأُ الانحرافُ الكبيرُ: حينَ لا يعودُ الإنسانُ يسألُ: ماذا يريدُ اللهُ تعالى مِنّي؟، وإنَّما يصبحُ سؤالهُ: ماذا تريدُ الجماعةُ منّي؟، وعندَها تنتقلُ مرجعيَّةُ الضَّميرِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ، ويصبحُ الولاءُ للجماعةِ بديلًا عن الولاءِ للقيمةِ، ويصبحُ الدِّينُ، من حيثُ لا يشعرُ الإنسانُ، أداةً لتكريسِ الجماعةِ بدلَ أنْ تكونَ الجماعةُ أداةً لخدمةِ الإنسانِ والدِّينِ والقِيَمِ.  

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد