من وجعِ السّويداءِ إلى ضميرِ الإنسان: رفضُ التّطرُّفِ والتّكفيرِ والدّفاعُ عن كرامةِ البشر.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه تعالى أستعينُ في جميع الأمور
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه تعالى أستعينُ في جميع الأمور
التّاريخ: 26 تموز 2025
نِداءُ الحقِّ والكرامةِ،
من وجعِ السّويداءِ إلى ضميرِ الإنسان: رفضُ التّطرُّفِ والتّكفيرِ والدّفاعُ عن كرامةِ البشر.
الكاتب الباحث الدّكتور رافع حلبي - دالية الكرمل.
إلى كلِّ مَن يظنُّ أنَّ رفعَ الشّعارات الدّينية، أو الادِّعاء بالجهاد في سبيل الله تعالى، يمنحُه حقًّا في محاكمة ضمائر النّاس، أو تكفيرهم، أو الاعتداء عليهم بسبب أسمائهم أو طوائفهم أو معتقداتهم، وإلى كلِّ مَن يتوهَّم أنَّ القوَّة تمنحُه سلطةً على حياة الآخرين وكرامتهم، نقول: إنَّ الإيمان لا يُقاس بحدَّة الشّعارات، ولا تُقاس التّقوى بمقدار ما يعلنه الإنسان عن نفسه، وإنَّما تُختبر حقيقة المبادئ في السّلوك، وفي مدى الالتزام بالعدل والرّحمة واحترام حياة الإنسان، ولا سيَّما حين يختلف مع صاحبه في الدِّين أو المذهب أو الرّأي، أمَّا مَن يتحدَّثون باسم الله تعالى، ثم يجعلون من الاختلاف الدّيني ذريعةً للإقصاء والتّكفير والعنف، فإنَّ عليهم أن يسألوا أنفسهم: ماذا يبقى من المعنى الأخلاقي للدِّين حين يُستباح الإنسان باسم العقيدة؟ وأيُّ قيمةٍ للحديث عن الحساب والثّواب والعقاب، إذا تحوَّل الإنسان إلى قاضٍ على ضمائر الآخرين، ونصَّب نفسَه وصيًّا على إيمانهم، وأجاز لنفسهِ الاعتداء على حياتهم وحقوقهم؟
إنَّ الإيمان بالله تعالى، والإيمان بيوم الحساب، يقتضيان من الإنسان أن يتأمَّل مسؤوليته عن أفعاله، وأن يدرك أنَّ ادِّعاء امتلاك الحقيقة لا يُسقط عنه واجب العدل، وأنَّ الانتساب إلى جماعةٍ دينيةٍ لا يمنحه حصانةً أخلاقيةً أو قانونيةً من المساءلة، فليس كلُّ مَن رفع رايةً دينيةً ممثِّلًا لقيمها، وليس كلُّ مَن تحدَّث باسم المقدَّس ملتزمًا بمقتضياته، بل إنَّ الأفعال هي التي تكشف مدى التّوافق بين المعتقد المعلَن والسّلوك الفعلي، ومن هذا المنطلق، فإنَّ موقفنا من الأحداث الّتي شهدتها السّويداء في تموز 2025 ينطلق من رفض الاعتداء على أهلنا من الموحِّدين الدروز، ومن الدّفاع عن حقِّهم في الحياة والأمان والكرامة، ومن المطالبة بكشف الحقيقة كاملةً ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الّتي تعرَّض لها المدنيون، وقد أعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في 18 تموز 2025، ورود تقارير موثوقة عن انتهاكاتٍ شملت القتل خارج نطاق القضاء والخطف ونهب المنازل وتدمير الممتلكات، ودعا إلى إجراء تحقيقاتٍ مستقلَّةٍ وسريعةٍ وشفَّافةٍ، ومحاسبة المسؤولين عنها، إنَّ ما تعرَّض له أهلنا في السّويداء، وفقًا لما تناولته تقارير حقوقية وشهاداتٌ متعدِّدة، يستدعي وقفةً إنسانيةً وأخلاقيةً جادَّةً، لا تكتفي بالتّعبير عن الغضب، بل تعمل على حماية الضّحايا، وصون حقوقهم، وتثبيت الوقائع، ومنع الإفلات من العقاب، وقد وثَّقت منظمة العفو الدّولية، في تحقيقٍ نُشر في 2 أيلول 2025، أدلَّةً على إعدام ستَّةٍ وأربعين رجلًا وامرأةً من الدّروز بصورةٍ غير قانونية، ونسبت تلك الإعدامات إلى عناصر من القوات الحكومية وقواتٍ مرتبطةٍ بها، وفقًا لما خلص إليه تحقيقها، إنَّ هذه الوقائع، وما يستدعيه غيرها من تحقيقٍ وتوثيق، لا يجوز أن تتحوَّل إلى مادةٍ للمزايدات أو إلى وسيلةٍ لتأجيج الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، إنَّها تستوجب الحقيقة، والحقيقة تستوجب الشّجاعة، والشّجاعة تقتضي تسمية الأفعال بأسمائها، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلَّة، ومحاسبة كلِّ مَن تثبت مسؤوليته، مهما كان انتماؤه أو موقعه أو الجهة الّتي يعمل تحت رايتها.
نؤكِّد هنا أنَّ كلامنا موجَّهٌ إلى كلِّ مَن يثبت تورُّطه في جرائم القتل والخطف والاغتصاب والتّعذيب والاعتداء على المدنيين، وإلى كلِّ مَن يحرِّض على هذه الجرائم أو يبرِّرها أو يسعى إلى إخفاء مرتكبيها، وليس موجَّهًا إلى المسلمين جميعًا، ولا إلى أيِّ جماعةٍ دينيةٍ أو اجتماعيةٍ بكاملها، فالمسؤولية عن الجريمة تتحدَّد بحسب الأفعال والأدلَّة والقانون، ولا يجوز أن تُحمَّل لجماعةٍ بأكملها لمجرَّد اشتراك أفرادٍ منها في الهوية أو العقيدة أو الأصل.
إنَّنا نعرف أنَّ في المجتمعات الإسلامية أناسًا كثيرين يخلصون في عبادتهم، ويعملون في الخير، ويخدمون النّاس، ويتمسَّكون بقيم الرّحمة والعدل والإحسان، وهؤلاء لا يجوز أن يُساوَوا بمَن يستخدمون الدِّين لتبرير العنف أو فرض الهيمنة أو انتهاك حقوق الآخرين، فليس من العدل أن نواجه التّطرُّف بتعميمٍ مضادٍّ، ولا من الحكمة أن نحمِّل الأبرياء أوزار مَن ارتكبوا الجرائم، ولا من الإنصاف أن نختزل دينًا كاملًا أو مجتمعًا واسعًا في ممارسات جماعاتٍ متطرِّفة، إنَّ اعتراضنا على التّكفير لا يكتمل إذا تحوَّلنا نحن إلى جهةٍ تُكفِّر الآخرين، ورفضنا للتّعصُّب يفقد اتِّساقه إذا أصبح وسيلةً لاحتقار جماعاتٍ بشريةٍ بأكملها، فالمبدأ الّذي ندافع عنه ينبغي أن يبقى ثابتًا، سواء أكان المعتدى عليه من أهلنا أم من غيرهم، وسواء أكان المعتدي قريبًا من هويَّتنا أم بعيدًا عنها، إنَّ كرامة الإنسان لا تتجزَّأ، والعدل لا يتبدَّل بتبدُّل الأسماء، وحرمة الدّم لا تخضع لموازين الطّوائف، لقد علَّمتنا الحكمة الإنسانية أنَّ ما يختزنه الإنسان في داخله يظهر في أقواله وأفعاله، وأنَّ المرء لا يستطيع إخفاء حقيقة موقفه إلى الأبد وراء الشّعارات، وكما تقول الحكمة المتداولة: «الإناء ينضح بما فيه»، فإنَّ السّلوك يكشف عن القيم الّتي تحكم صاحبه، ويُظهر الفارق بين مَن يجعل من إيمانه باعثًا على الرّحمة والمسؤولية، ومَن يوظِّف الخطاب الدّيني لتسويغ الكراهية والعدوان، فالرجال والنساء، على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يُعرَفون بما يفعلون، لا بما يدَّعونه لأنفسهم، فمَن يرفع شعار العدالة ثم يظلم، يناقض شعاره بفعله، ومَن يتحدَّث عن الرّحمة ثم يؤذي الأبرياء، يضع ادِّعاءه موضع المساءلة، ومَن يدَّعي الدّفاع عن الدِّين ثم ينتهك حقوق الإنسان، لا يستطيع أن يجعل من هذا الادِّعاء إعفاءً من المحاسبة، إنَّ قيمة المعتقد تظهر في أثره الأخلاقي، وفي قدرته على ضبط القوَّة، واحترام الاختلاف، ومنع الإنسان من التّحوُّل إلى أداةٍ في يد الحقد والتّعصُّب، ولقد أكَّد النبيُّ محمَّدٌ، عليه الصّلاة والسّلام، في الحديث المعروف: «إنَّما الأعمال بالنّيَّات»، معنى ارتباط العمل بمقصده، غير أنَّ تقييم الأفعال في المجال العام لا يمكن أن يتوقَّف عند ادِّعاء النّيات، بل يجب أن ينظر أيضًا إلى النّتائج والحقوق والأضرار والمسؤوليات، فلا يكفي أن يقول الإنسان إنَّه يقصد الخير، إذا كانت أفعاله تنتهك حياة الآخرين وكرامتهم، ولا يجوز أن تُستخدم النّيات المعلنة لتبرير الجرائم أو إسقاط حقوق الضّحايا.
من هنا، فإنَّنا نرفض رفضًا قاطعًا الاعتداء على البيوت الآمنة، وقتل المدنيين، وخطف الأطفال، والاعتداء الجنسي على النّساء والفتيات، وإهانة رجال الدِّين، ونهب الممتلكات، وتدمير مصادر رزق النّاس، والاعتداء على المرافق الصّحية والعاملين فيها، إنَّ هذه الأفعال، متى ثبت وقوعها ونُسبت المسؤولية عنها إلى مرتكبيها وفق الأدلَّة، تستوجب التّحقيق والمحاسبة، ولا يغيِّر من طبيعتها ادِّعاء مرتكبيها الانتساب إلى أيِّ عقيدةٍ أو جماعةٍ أو مشروعٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ، إنَّ الاعتداء على المستشفيات والمرضى والطّواقم الطّبية، على وجه الخصوص، يمسُّ جوهر الواجب الإنساني في حماية مَن يحتاجون إلى العلاج والرّعاية، فالمستشفى ليس ساحةً لتصفية الحسابات، والطّبيب ليس خصمًا عسكريًّا لمجرَّد قيامه بواجبه، والمريض لا يفقد حقَّه في العلاج بسبب هويَّته أو موقفه أو انتمائه، وكلُّ ادِّعاءٍ بوقوع اعتداءٍ على هذه المرافق أو على العاملين فيها يجب أن يخضع لتحقيقٍ مستقلٍّ يحدِّد الوقائع والمسؤوليات، ويضمن ألَّا تضيع حقوق الضّحايا في خضمِّ الرّوايات المتعارضة.
إنَّ العقل البشري لا ينبغي أن يتعامل مع آلام المدنيين باعتبارها أرقامًا عابرةً في نشرات الأخبار، فخلف كلِّ ضحيةٍ حياةٌ وأهلٌ وذكرياتٌ وأحلامٌ انقطعت، وخلف كلِّ بيتٍ مدمَّرٍ أسرةٌ تبحث عن الأمان والاستقرار، وخلف كلِّ طفلٍ فقد عائلته مستقبلٌ يحتاج إلى الحماية والرّعاية، وليس من المقبول أخلاقيًّا أن تصبح هذه المآسي وسيلةً لإثارة الكراهية أو لتبرير انتهاكاتٍ جديدة، إنَّنا نسأل كلَّ مَن يبرِّر العنف باسم الدِّين: كيف يمكن أن يجتمع الادِّعاء بالإيمان مع إنكار حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن أن تُبنى المجتمعات على الخوف، أو أن يتحقَّق السّلام بإذلال النّاس، أو أن تنشأ العدالة من الانتقام؟ إنَّ القوَّة الّتي لا يضبطها القانون تتحوَّل إلى أداةٍ للهيمنة، والخطاب الّذي لا يضبطه الضّمير قد يتحوَّل إلى محرِّضٍ على الجريمة، والانتماء الّذي يُقدَّم على إنسانية الآخرين يصبح خطرًا على المجتمع بدلًا من أن يكون مصدرًا للتّكافل والتّعاون،
ولا يمكننا أن نتجاهل أنَّ التّطرُّف لا ينشأ من فراغ، فهو يتغذَّى من إغلاق العقل، وإلغاء الاختلاف، وتقديس الجماعة على حساب الإنسان، وتفسير النّصوص بعيدًا عن مقاصد العدل والمسؤولية، وتحويل الولاء إلى طاعةٍ عمياء لا تسمح بالمراجعة أو المساءلة، ومن ثمَّ، فإنَّ مواجهة التّطرُّف لا تقتصر على معالجة مظاهره المسلَّحة، بل تحتاج أيضًا إلى بناء وعيٍ إنسانيٍّ يرفض التّكفير، ويُنمِّي التّفكير النّقدي، ويُرسِّخ احترام القانون، ويمنع استغلال المقدَّسات لتبرير الاعتداء على الآخرين.
إنَّ الدِّين، في معناه الأخلاقي الذي يؤمن به أتباعه، لا ينبغي أن يكون غطاءً للانتقاص من كرامة البشر، وأيُّ خطابٍ دينيٍّ يُستخدم لتبرير القتل أو الاغتصاب أو التّعذيب أو الإكراه أو اضطهاد المختلف يحتاج إلى مراجعةٍ جادَّةٍ لمضامينه وتأويلاته وممارساته، فالمشكلة ليست في اختلاف النّاس في إيمانهم، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى ترخيصٍ للاعتداء، وفي ادِّعاء امتلاك الحقِّ في سلب الآخرين ما لا يحقُّ لأحدٍ أن يسلبه منهم، ومن واجب كلِّ مجتمعٍ يحترم نفسه أن يواجه التّحريض على الكراهية، وأن يحمي مكوِّناته الدّينية والثّقافية والاجتماعية، وأن يمنع استخدام الاختلاف ذريعةً لإشعال النّزاعات، كما أنَّ على المؤسَّسات المعنية أن تعمل على كشف الحقائق، وحماية الشّهود والضّحايا، وتوفير سبل الانتصاف، وضمان المساءلة، ووضع التّدابير الّتي تحول دون تكرار الانتهاكات، فالتّسوية الّتي تتجاهل حقوق الضّحايا لا تُنتج سلامًا مستدامًا، والصّمت عن الجرائم لا يُحقِّق المصالحة، والإفلات من العقاب قد يُبقي الجراح مفتوحةً ويُهيِّئ الظّروف لتجدُّد العنف، إنَّنا نؤكِّد أنَّ المطالبة بالعدالة لأهل السّويداء لا تتناقض مع الدّعوة إلى حماية سائر المدنيين في سورية، كما أنَّ التّضامن مع الموحِّدين الدّروز لا يعني العداء للمسلمين أو العرب أو أيِّ مكوِّنٍ آخر، إنَّنا ندافع عن أهلنا لأنَّ الاعتداء على حقوقهم أمرٌ مرفوض، وندافع عن المبدأ نفسه لأنَّنا نؤمن بأنَّ الحقوق الإنسانية لا يجوز أن تكون امتيازًا تمنحه الأكثرية أو تسلبه القوَّة، وإلى سماحة فضيلة الشّيخ حكمت سلمان الهجري، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في سورية، أتوجَّه بأصدق عبارات التّقدير والاحترام، معبِّرًا عن تضامني مع أهلنا في السّويداء، وعن أملي في أن تُسهم الجهود المسؤولة في حماية المدنيين، وكشف الحقيقة، وصون كرامة النّاس، والوصول إلى حلولٍ تمنع تكرار المآسي، وإنَّ تقديرنا لمواقف الشّخصيات الدّينية والاجتماعية ينبغي أن يبقى مرتبطًا بما يصدر عنها من مواقفٍ معلنةٍ وأفعالٍ قابلةٍ للتّقييم، مع احتفاظ الجميع بحقِّهم في النّقد والمساءلة وفق معايير عادلةٍ واحدة.
نحن نؤكِّد أنَّ أبناء طائفة الموحِّدين الدّروز ليسوا كتلةً واحدةً في جميع مواقفهم السّياسية والاجتماعية، شأنهم شأن سائر المجتمعات، ولا يجوز اختزالهم في تصرُّف فردٍ أو مجموعةٍ أو جهةٍ مسلَّحة، كذلك لا يجوز افتراض مسؤولية أيِّ شخصٍ عن جريمةٍ لمجرَّد انتسابه إلى جماعةٍ ما، فالمعيار العادل هو الفعل المثبت، والمسؤولية الّتي تدعمها الأدلَّة، والمحاسبة الّتي تُطبَّق على الجميع دون استثناء، إنَّ السويداء، بما تمثِّله لأهلها من أرضٍ وذاكرةٍ وانتماءٍ وتاريخٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ، ليست مجرَّد ساحةٍ للصّراع، بل موطنٌ لبشرٍ لهم الحقُّ في الحياة الآمنة، وفي حماية بيوتهم وأسرهم، وفي ممارسة معتقداتهم، وفي المشاركة في تقرير مستقبلهم ضمن ضماناتٍ تحمي كرامتهم وحقوقهم، وأهلها، مثل سائر السّوريين، يستحقُّون أن يعيشوا بعيدًا عن الخوف والتّهديد والإذلال، وأن تُصان حرياتهم من الاعتداء، وأن يجدوا مؤسَّساتٍ عادلةً تحميهم وتضمن مساءلة كلِّ مَن يعتدي عليهم.
إنَّنا نرفض أن تُستغلَّ معاناة السويداء لتغذية خطابٍ طائفيٍّ جديد، كما نرفض أن تُستخدم الدعوة إلى الوحدة الوطنية ستارًا لتجاهل حقوق الضّحايا أو التّهرُّب من المحاسبة، فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إنكار المظالم، بل على الاعتراف بها ومعالجتها، ولا تتحقَّق بإجبار النّاس على الصّمت، بل بضمان قدرتهم على المطالبة بحقوقهم بأمانٍ وكرامة، والمصالحة الّتي تستحقُّ هذا الاسم لا تُبنى على النّسيان القسري، بل على الحقيقة والإنصاف وجبر الضّرر وضمان عدم التّكرار.
إنَّنا نريد لسورية أن تكون وطنًا يحمي جميع أبنائه، على اختلاف أديانهم وطوائفهم وأعراقهم ومعتقداتهم، وطنًا لا يُعاقَب فيه الإنسان بسبب اسمه، ولا يُهدَّد بسبب انتمائه، ولا يُحرَم من حقِّه في الحياة لأنَّه يختلف عن صاحب السّلاح، ونريد لمجتمعاتنا أن تنتقل من منطق الثّأر إلى منطق العدالة، ومن منطق الإقصاء إلى منطق المواطنة، ومن منطق الخوف إلى منطق القانون، ومن منطق الكراهية إلى منطق المسؤولية الإنسانية، إنَّ التّاريخ لا يحفظ للإنسان ما يعلنه من شعاراتٍ فحسب، بل يحفظ أيضًا ما يتركه من آثارٍ في حياة الآخرين، ولهذا فإنَّ أعظم ما يمكن أن نفعله في مواجهة المآسي هو أن نحوِّل الألم إلى وعي، والغضب إلى مطالبةٍ مسؤولةٍ بالحقوق، والتّضامن إلى عملٍ يحمي الضّحايا، والذّاكرة إلى ضمانةٍ تمنع تكرار الجرائم، فلا نريد للدماء أن تصبح وقودًا لدماءٍ جديدة، ولا للثّكالى أن يتحوَّلن إلى رهائن في صراعاتٍ لا تنتهي، ولا للأطفال أن يرثوا من الكبار كراهيةً لم يختاروها. نريد أن يرثوا القدرة على التّفكير، واحترام الاختلاف، والتّمسُّك بالكرامة، والإيمان بأنَّ القانون ينبغي أن يحمي الضّعيف من القوي، وأنَّ الإنسان لا يفقد حقوقه لأنَّه أقلُّ عددًا، أو مختلفٌ في معتقده، أو عاجزٌ عن الدّفاع عن نفسه، إنَّ دفاعنا عن أهلنا في السّويداء موقفٌ ثابتٌ لا يحتاج إلى الإساءة إلى الآخرين حتّى يثبت صدقه، ولا إلى المبالغة في الوقائع حتّى يلفت الانتباه، ولا إلى الدّعوة للانتقام حتّى يعبِّر عن عمق الألم، يكفيه أن يستند إلى الحقائق، وأن يطالب بالعدالة، وأن يرفض التّمييز، وأن يتمسَّك بكرامة الإنسان بوصفها أساسًا لا يجوز التّنازل عنه، فالعدالة أقوى من الانتقام، والحقيقة أبقى من التّضليل، والعقل أقدر من التّعصُّب على فهم أسباب المآسي، والكرامة الإنسانية أوسع من أن تحتكرها طائفةٌ أو جماعةٌ أو عقيدة.
إذا أردنا أن نواجه التّطرُّف مواجهةً حقيقيةً، فعلينا أن نبدأ من أنفسنا، وأن نراجع كلماتنا ومواقفنا، وأن نرفض الظّلم حتى حين يصدر عن جهةٍ نتعاطف معها، وأن نرفض الكراهية حتّى حين تستند إلى جراحنا، وأن نطالب بمحاسبة كلِّ مَن يثبت تورُّطه في الانتهاكات، دون أن نسمح للغضب بأن يتحوَّل إلى حكمٍ جماعيٍّ على الأبرياء.
إنَّ كرامة الإنسان ليست شعارًا نرفعه حين نكون ضحايا، ثم نتخلَّى عنه حين نمتلك القوَّة، إنَّها مبدأٌ يُختبر في جميع الظّروف، ولا سيَّما في أصعب اللحظات، ومن هنا، فإنَّ الوفاء لأهلنا الّذين تعرَّضوا للأذى يقتضي ألَّا ننسى حقوقهم، وألَّا نُهمِل توثيق ما وقع عليهم، وألَّا نتنازل عن حقِّهم في العدالة، وفي الوقت نفسه ألَّا نسمح بتحويل آلامهم إلى مبرِّرٍ لانتهاك حقوق أبرياء آخرين.
إنَّ السّويداء ليست مجرَّد اسمٍ على خريطة، بل هي أهلٌ وبيوتٌ وذاكرةٌ وكرامةٌ ومستقبل، وحماية أهلها واجبٌ إنسانيٌّ، وكشف الحقيقة حقٌّ للضّحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضرورةٌ للعدالة، وصون حياة الأبرياء مبدأٌ لا يجوز إخضاعه لأيِّ حسابٍ طائفيٍّ أو سياسيٍّ، ولتبقَ المطالبة بالحقيقة والمحاسبة وحماية الأبرياء طريقنا إلى مستقبلٍ أكثر أمنًا وعدلًا، ولتكن الذّاكرة وسيلةً لحماية الحياة، لا ذريعةً لاستمرار الكراهية، ولتكن إنسانيتنا هي المعيار الّذي نحتكم إليه عندما تضيق بنا الخلافات وتشتدُّ الجراح، واللهُ تعالى، من وراء القصد.