21° الناصرة $دولار أمريكي 3.07 ₪€يورو 3.44 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

وهم الولاء: مهما اقتربت، ستبقى عربيًا!

وهم الولاء: مهما اقتربت، ستبقى عربيًا!
بقلم : محمد سامي محاميد 

م م محمد محاميد مقالات نُشر: 09/10/2026 الساعة 23:43
حجم الخط
وهم الولاء: مهما اقتربت، ستبقى عربيًا!
وهم الولاء: مهما اقتربت، ستبقى عربيًا!

وهم الولاء: مهما اقتربت، ستبقى عربيًا!
بقلم : محمد سامي محاميد 

ظاهرة يوسف حداد... حين لا يشفع الولاء لصاحبه

تخيل أن تقضي سنوات من عمرك تدافع عن دولة، وتتبنى روايتها، وتبرر سياساتها، وتتنقل بين المنابر الدولية لتقنع العالم بعدالة مواقفها. أن تقف في مواجهة أبناء شعبك، وتخوض معارك إعلامية لإثبات ولائك لها. ثم تكتشف، عند أول اختبار حقيقي، أن كل ما قدمته لم يكن كافيا لتجاوز حقيقة واحدة: أنك عربي.
هذه هي المفارقة التي تطرحها تجربة يوسف حداد، الذي جعل من الدفاع عن إسرائيل وتحسين صورتها مشروعا إعلاميا وسياسيا. فالرجل الذي أمضى سنوات في مواجهة الرواية الفلسطينية، يجد نفسه عرضة لهجمات تثير التساؤل عن حدود القبول في المجتمع الذي اختار الدفاع عنه. ولعل المفارقة الأشد سخرية أن ما يتعرض له قد يخدم الرواية الفلسطينية التي حاربها أكثر مما تخدمها عشرات الحملات الإعلامية.
لا تكمن أهمية هذه التجربة في شخص حداد وحده، بل في الفكرة التي يمثلها: أن تبني الرواية الصهيونية والابتعاد عن الهوية الفلسطينية قد يفتحان الطريق إلى القبول الكامل. لكن هذا التصور يضع الفلسطيني أمام معادلة مقلوبة؛ فبدلا من أن تكون حقوقه الوطنية أساسا لمطالبته بالمساواة، يصبح مطالبا بإثبات ولائه للدولة وإعادة تعريف انتمائه حتى يحظى بالاعتراف. فهل تصبح النكبة أقل حقيقة إذا تنكر لها أحد أبنائها؟ وأي مصلحة وطنية تتحقق حين يصبح ثمن القبول التخلي عن رواية الشعب وحقوقه؟
تكشف هذه التجربة حدود الرهان على الولاء الفردي. فقد ينجح الإنسان في الوصول إلى المنابر والمواقع المتقدمة، لكن ذلك لا يغير بالضرورة مكانة الجماعة التي ينتمي إليها. وإذا كان تبني رواية الدولة لا يضمن القبول، فهل تستطيع الخدمة في مؤسساتها العسكرية أن تحقق ما لم يحققه الولاء السياسي والإعلامي؟

يحمي حدود الدولة... ولا يستطيع حماية سقف بيته

يعود الجندي من خدمته في الجيش الإسرائيلي، ليجد الدولة التي يخدمها قد أصدرت أمرا بهدم منزله. قد يظن القارئ أن الحديث عن جندي في جيش أجنبي، لكن المفارقة أن الحديث يدور عن عسكري يخدم في الجيش الإسرائيلي، بينما تواجه عائلته إجراءات تتعلق ببيتها من مؤسسات الدولة نفسها. وقد أثار ممثلو السلطات المحلية الدرزية هذه المفارقة في نقاشات حول أزمة البناء والهدم. إنها صورة تختصر التناقض بين خطاب الشراكة في الواجبات وحدود الحقوق.

فمنذ عقود، يخدم أبناء الطائفة الدرزية في الجيش الإسرائيلي، ووصل بعضهم إلى رتب متقدمة. ومع ذلك، أقر الكنيست عام 2018 قانون القومية الذي حصر ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة بالشعب اليهودي. لقد استطاع العربي أن يرتقي في سلم المؤسسة العسكرية، لكن ذلك لم يمنحه مكانة قومية متساوية في تعريف الدولة. وكأن الباب مفتوح أمامه للصعود داخل المؤسسة، بينما تبقى مفاتيحها في أيدي غيره.
لا يختلف الرهان على الخدمة العسكرية، من حيث الوعد بالقبول والمساواة، عن الرهان على الولاء السياسي والإعلامي، رغم الاختلاف الجوهري بين طبيعة الدورين. ففي الحالتين، قد يحصل الفرد على امتيازات ومكانة متقدمة دون أن تتغير القواعد التي تحدد حقوق جماعته القومية.

غير أن السؤال الوطني والأخلاقي يتجاوز حدود المساواة في الحقوق. فالجيش الإسرائيلي ليس مؤسسة خدماتية محايدة، بل مؤسسة تنفذ سياسات الدولة العسكرية في صراعها مع الشعب الفلسطيني. ومن منظور وطني فلسطيني، لا يمكن اختزال الخدمة فيه بوظيفة أو طريق للترقي الاجتماعي. وأي مصلحة وطنية يمكن أن تخدمها المشاركة في مؤسسة عسكرية تنفذ عمليات ضد أبناء الشعب الذي ننتمي إليه؟ وحتى لو حصل الجندي على جميع الامتيازات، فسيبقى السؤال عن طبيعة الدور الذي يؤديه قائما. فالحقوق المدنية ليست مكافأة على الخدمة العسكرية، والمساواة القومية لا تقاس بالرتبة العسكرية. أما الرهان على التغيير من داخل مؤسسات الحكم، فيقوم على فكرة أن المشاركة في السلطة تتيح التأثير في السياسات وتغييرها. لكن السؤال الأهم هو: هل تمنح المشاركة في الحكم القدرة على تغيير قواعد اللعبة، أم تقتصر على العمل ضمن القواعد التي تفرضها الدولة؟

وزراء عرب في الحكومة: هل يغيّر العربي قواعد اللعبة؟ 

قد يجلس الفلسطيني إلى طاولة القرار، ويشارك في إدارة شؤون الدولة، لكنه يبقى عاجزا عن تغيير القواعد التي تحدد مكانته القومية. فما قيمة المشاركة في الحكم إذا ظلت القضايا التي تمس حقوق شعبه وهويته خارج نطاق التأثير؟

عرف الكنيست تمثيلا عربيا منذ عقود، ووصل سياسيون عرب إلى مناصب وزارية في حكومات مختلفة. تولى صالح طريف حقيبة وزارية في حكومة أريئيل شارون، وغالب مجادلة في حكومة إيهود أولمرت، وعيساوي فريج في حكومة بينيت ولبيد، ثم شاركت القائمة الموحدة بقيادة منصور عباس في الائتلاف الحكومي عام 2021. تختلف هذه التجارب في أهدافها ومواقف أصحابها، لكنها تضع سؤال التأثير أمام اختبار تاريخي. فقد أقر قانون القومية عام 2018 رغم وجود تمثيل عربي في الكنيست ومعارضة النواب العرب له. فما قيمة الاقتراب من مركز القرار إذا بقيت القواعد التي تحكم مكانتنا القومية على حالها؟

فلنفترض أن المشاركة السياسية حققت بعض الإنجازات التجميلية، كتمكين مسافر من الحصول على تعويض عن تأخر طائرته. ما قيمة النجاح في انتزاع بعض الحقوق إذا بقي السؤال الجوهري دون جواب: هل تستطيع المشاركة السياسية تغيير الواقع الذي ينتقص من حقوقنا، أم أن أقصى ما تحققه هو تحسين بعض تفاصيله دون المساس بأسسه؟ فثمة فرق بين المشاركة في إدارة الدولة والقدرة على تغيير القواعد التي تقوم عليها. وتبدأ المشكلة حين تتحول المشاركة من وسيلة لتحقيق الحقوق إلى غاية بحد ذاتها، وحين يُقاس النجاح السياسي بعدد المقاعد والمناصب، لا بحجم التغيير الذي تحقق على أرض الواقع.

ولا تتطابق المشاركة البرلمانية مع الخدمة العسكرية أو تبني الرواية الصهيونية؛ فهناك فرق بين من يتمسك بهويته الفلسطينية ومن يتبنى رواية الدولة. كما أن مراجعة مستشفى، أو المطالبة بخدمات بلدية، أو الحصول على ترخيص بناء، هي ممارسة لحقوق مدنية لا تعني الولاء ليهودية لدولة أو القبول بسياساتها. لكن الاعتراف بهذه الفوارق لا يعفينا من السؤال الأهم: ماذا تحقق المشاركة السياسية فعلًا؟ وهل تستطيع تغيير القواعد التي تحكم واقعنا، أم أن أقصى ما تبلغه هو تحسين شروط العبودية، دون المساس بالنظام الذي يفرضها؟

الثوابت قبل المقاعد

تختلف مظاهر الاندماج والمشاركة، من الولاء الإعلامي إلى الخدمة العسكرية والعمل السياسي، وتختلف معها المسؤوليات والمواقف الأخلاقية. لكن القاسم المشترك في الوعود التي ترافقها هو الاعتقاد بأن الاقتراب من مؤسسات الدولة التشريعية قد يفتح الطريق إلى قبول أوسع أو مساواة أكبر أو تأثير أعمق. وتجارب الماضي تستدعي مساءلة هذا الاعتقاد، لا التسليم به.
تبقى الحقوق الوطنية المرجعية التي ينبغي أن تقاس بها الخيارات السياسية، لا مجرد شعارات انتخابية. فحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحق اللاجئين في العودة، والحفاظ على الهوية والرواية التاريخية، ورفض تبرير النكبة أو شرعنة الاقتلاع من الأرض، ليست مسائل تفقد أهميتها بتغير الحكومات والائتلافات. ويمكن أن تختلف القوى السياسية في الوسائل، لكن الاختلاف حول الوسيلة لا يلغي ضرورة مساءلة أثرها في الهدف.
لسنا غرباء جاؤوا إلى هذه الأرض بحثا عن مكان فيها، ولا ينبغي أن تصبح حقوقنا مكافأة على حسن السلوك السياسي او المجتمعي. وإذا كان منصور عباس يقدم المشاركة في الحكم باعتبارها طريقا إلى مستقبل مختلف، فإن تجارب الماضي والحاضر تستحق أن تكون جزءا من تقييم هذا الطرح. فتجربة يوسف حداد تثير سؤال حدود القبول، والخدمة العسكرية تثير سؤال العلاقة بين الواجبات والحقوق، وتجارب الوزراء العرب تثير سؤال حدود السلطة، بينما يضع قانون القومية المساواة القومية في صلب النقاش.

لسنا مضطرين إلى انتظار المستقبل كي نبدأ مساءلة الوعود السياسية. فشواهد الماضي حاضرة، ووقائع الحاضر تتحدث عن نفسها. ومن يعد بأن الطريق ذاته سيقود هذه المرة إلى المساواة، عليه أن يوضح ما الذي تغير في قواعد اللعبة، لا أن يكتفي بوعد الناس بمقعد أقرب إلى من يضعها. فالغاية ليست مجرد الوصول إلى طاولة السلطة، بل الحفاظ على الحقوق الوطنية التي يفترض أن تكون المشاركة وسيلة للدفاع عنها، لا ثمنا تدفعه في سبيل الوصول إليها. فثمانون عاما من التجارب ليست مجرد تاريخ نرويه، بل مادة كافية للتحليل واستخلاص العبر، شريطة أن نتحلى بالنزاهة الفكرية والشجاعة لمواجهة النتائج، حتى حين تخالف قناعاتنا ورغباتنا.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد