19° الناصرة $دولار أمريكي 3.10 ₪€يورو 3.48 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 خاطرة

وها أنا أبتسم رغم كل شيء

ليست كل ابتسامة دليلًا على السعادة؛ فبعض الابتسامات تولد من معرفةٍ عميقة بالألم، ومن إدراكٍ متأخر أن النجاة لا تعني ألّا ننكسر، بل ألّا نسمح لانكساراتنا بأن تختصرنا. وها أنا أبتسم رغم كل شيء. لا إنكارًا لما أوجعني، ولا ادّعاءً بأنني تجاوزت كل شيء، بل لأنني أدركت أن الألم، مهما اتّسعت مساحته فينا، لا يملك وحده حق تفسيرنا. قد يعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم، لكنه لا ينبغي أن يتحوّل إلى هويتنا الأخيرة.

ر م رانية مرجية خاطرة نُشر: 20/10/2026 الساعة 08:50
حجم الخط
وها أنا أبتسم رغم كل شيء
وها أنا أبتسم رغم كل شيء

ليست كل ابتسامة دليلًا على السعادة؛ فبعض الابتسامات تولد من معرفةٍ عميقة بالألم، ومن إدراكٍ متأخر أن النجاة لا تعني ألّا ننكسر، بل ألّا نسمح لانكساراتنا بأن تختصرنا. وها أنا أبتسم رغم كل شيء. لا إنكارًا لما أوجعني، ولا ادّعاءً بأنني تجاوزت كل شيء، بل لأنني أدركت أن الألم، مهما اتّسعت مساحته فينا، لا يملك وحده حق تفسيرنا. قد يعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم، لكنه لا ينبغي أن يتحوّل إلى هويتنا الأخيرة.

لطالما اعتقدنا أن القوة تعني ألّا ننكسر، حتى علّمتنا الحياة أن الصلابة ليست غياب الهشاشة، بل ألّا يتحوّل الجرح إلى هوية، والحزن إلى وطن، والخيبة إلى فلسفةٍ نحاكم بها العالم. فليست خطورة الألم في ما يتركه فينا فحسب، بل في أن نستعير منه نظرتنا إلى كل ما يأتي بعده. هنا تبدأ الحرية؛ لا في قدرتنا على اختيار كل ما يحدث لنا، بل في موقفنا مما حدث. فنحن لا نختار خساراتنا دائمًا، لكننا نستطيع ألّا نجعلها معيارًا لكل علاقة، وألّا نمنح من آذانا سلطةً دائمة على مستقبلنا.

ليست حريتي في ألّا أنكسر، بل في ألّا أسمح لانكساري بأن يتحوّل إلى تعريفٍ نهائي لوجودي. في أفق ألبير كامو، يواجه الإنسان عبث عالمٍ لا يمنحه المعنى جاهزًا، لكنه لا يتخلّى عن حقه في أن يحيا ويختار ويقاوم. ومن هنا، لا تكون الحرية وعدًا بالانتصار على الألم، بل رفضًا لأن يصبح الألم قدرًا يحدّد كل ما نحن قادرون على أن نكونه. فليس لكل خسارة تعويض، ولا لكل جرح حكمةٌ خفية؛ وبعض ما يحدث لا يحتاج إلى تبرير بقدر ما يحتاج إلى شجاعة مواجهته.

ليس علينا أن نشكر الألم كي نثبت نضجنا، ولا أن نحوّل القسوة إلى فضيلة. فثمة فرقٌ بين أن نتعلّم من الجرح وأن نبرّره، وبين أن نسامح وأن نعود إلى من آذانا. النضج ليس أن نجد الخير في كل ما أصابنا، بل ألّا نسمح للشر الذي اختبرناه بأن يصبح منطقنا في التعامل مع الحياة.

والتعافي ليس نسيانًا، بل تغييرٌ في علاقتنا بالماضي؛ أن يصبح جزءًا من حكايتنا، لا سلطةً مطلقة على حاضرنا. نتعلّم أن انتظار الاعتذار قد يتحوّل إلى ارتهان، وأن الكرامة لا تحتاج إلى اعتراف الآخرين كي تستعيد مكانها. فالتسامح لا يعني العودة، والمحبة لا تفرض علينا البقاء حيث نتأذى، والحدود ليست نقيضًا للعاطفة، بل شرطٌ لاستمرارها دون أن تستنزفنا.

لكن التحرّر من الخيبة لا ينبغي أن يتحوّل إلى خيبةٍ من الحياة نفسها. فالقلب الذي يغلق أبوابه اتقاءً للأذى قد ينجو من الخذلان، لكنه يخسر أيضًا إمكان الدهشة والبدايات الجديدة. والحكمة ليست أن نعود إلى سذاجتنا الأولى، بل أن نحتفظ بقدرتنا على الثقة دون أن نتنازل عن وعينا، وعلى الحب دون أن نفقد ذواتنا.

ولعلّ أصعب أشكال النضج أن نكفّ عن محاكمة ذواتنا القديمة بمعرفتنا الجديدة. أن نفهم الإنسان الذي كنّاه، بما امتلكه آنذاك من وعيٍ وخوفٍ وأمل، دون أن نبرّئ كل اختياراته أو نُبقيه أسير الندم. فالمصالحة مع الذات ليست إنكارًا للأخطاء، بل تحريرٌ للوعي من تكرار العقوبة بعد أن أصبح التعلّم ممكنًا.

الحياة لا تنتظر اكتمال فهمنا كي تبدأ من جديد. إنها تمضي، لا لتقلّل من أحزاننا، بل لتذكّرنا بأن الحزن، مهما اتّسع، ليس التجربة الوحيدة الممكنة. لذلك لا أريد تأجيل فرحي إلى أن تصبح الحياة عادلةً تمامًا، ولا تعليق طمأنينتي على اعتذارٍ قد لا يأتي. ليس لأن ما ينقصني لم يعد مهمًّا، بل لأنني أرفض أن أجعل ما ينقصني شرطًا لحرماني مما لا يزال ممكنًا.

فالأمل ليس يقينًا بأن الغد أجمل، بل استعدادٌ لأن نترك له فرصةً كي يكون مختلفًا. والابتسامة، حين تتحرّر من التظاهر، تصبح موقفًا من الوجود: لا تنكر المأساة، ولا تدّعي الانتصار عليها، لكنها ترفض أن تمنحها الكلمة الأخيرة.

وها أنا أبتسم رغم كل شيء؛ لا لأثبت أنني أقوى ممن خذلني، بل لأنني لم أعد أريد أن يظلّ الذين أوجعوني مركز الحكاية. أريد أن أستعيد حياتي من أسر ردود الفعل، وأن أختار ما أحب لأنني أحبّه، لا لأبرهن أنني تجاوزت ما كرهت.

ربما لا تكون النجاة أن نستعيد أنفسنا القديمة، بل أن نصالح أنفسنا الجديدة؛ أن ندرك أن الإنسان ليس مجرد أثرٍ لما جرى له، بل كائنٌ يشارك، بوعيه واختياراته، في تحديد ما سيؤول إليه.

وها أنا أبتسم رغم كل شيء؛ لا لأن الألم صار صغيرًا، بل لأنني لم أعد أقبل أن تكون روحي أصغر من ألمي.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد