21° الناصرة $دولار أمريكي 3.05 ₪€يورو 3.42 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

ساعة تساوي عُمرًا

ساعة تساوي عُمرًا

ن ظ ناجي ظاهر مقالات نُشر: 06/10/2026 الساعة 17:41
حجم الخط
ساعة تساوي عُمرًا
ساعة تساوي عُمرًا

ساعة تساوي عُمرًا

ناجي ظاهر

هُناك لحظات في عُمر كلّ منّا، يتوقّف فيها الزمن عن الجريان في نهره الخالد، كما نتوقف نحن متأملين مُندهشين، فاذا كنّا مِن أولئك المتأملين المحظوظين، أمسكنا بتلك اللحظة، وقُمنا بوضعها في إطارها الخاص بها، وإذا كنّا رحّالةً، نبحثُ عن الاماكن المجهولة، ونتجوّل في العالم، علّنا نُضيف إليه جديدًا، سجّلنا اكتشافًا عظيمًا لمِنطقة، ما زالت بكرًا ولم تطأها قدم إنسان، وإذا كنّا مُوسيقيين، توقّفنا مُترنّمين، مع تلك الايقاعات الصاخبة، ذات النغمة العسكرية، وقمنا بالمُسارعة إلى دفاتر النوتة الموسيقية، وسجّلنا النشيد الفرنسي العسكري المارسليز. مثل هذا ما يحدث معنا في مثل تلك اللحظات، أما السرّ في هذا كلّه، فإنه يعود إلى أن الفنّان منّا، لا يعيش أربعًا وعشرين ساعة مُنغمسًا في عمله الفنّي، وإنما هو ينشغل أيضًا، في همومه اليومية. 

ساعات القدر.. في تاريخ البشرية، هو عُنوان كتاب فريد مِن نوعه، وضعه الكاتب النمساوي الألماني ستيفان تسفايح، وتناول فيه بالعرض العديد مِن الساعات، أو اللحظات الفريدة في الحياة، لعدد وفير مِن الشخصيات البارزة في التاريخ البشري، منها ليو تولستوي وفيودور دوستويقسكي، شيشرون، وغيرهم كثير ممّن عاشوا مثل تلك اللحظات، وأثّروا، بتوقّفهم عندها البشرية. 

تسفايج يتطرّق في كتابه إلى تلك اللحظات التي يُطلق عليها اللحظات الحاسمة، التي عادة ما تترك أثرًا عميقًا على المسيرة البشرية، في صناعتها لتاريخها المبدع، وتحدّث عن تلك اللحظات التي تساوي أعمارًا، مُتعمّقًا في تفاصيلها وكأنما هو كان في صُحبة أصحابها، وأعلامها الخالدين، فهو يروي مثلًا ما وقع يوم 21 من آب عام 1741، للفنّان الموسيقى الإنجليزي جورج فريدريش هيندل، وكأنما هو مُرافق له، في عمله المُفاجئ العظيم، وكأنما كان معه وإلى جانبه. إنه يرسم له صورةً تُمسك بك، فلا تتركك، إلا وقد أُترعت بالنشوة والحماس، لكلّ ما هو مُفاجئ، مدهش وجميل في الحياة، يقول مثلًا: ومال هيندل برأسه فوق الأوراق كأنما يحني رأسه لعاصفة كبيرة، كانت كلّ مظاهر التعب قد ولّت وأدبرت، ولم يسبق له قط، أن شعر بطاقته على هذا النحو، ولم يسبق له قط، ولم يسبق له بعد أن أحسّ أنه مُشبع بكلّ مُتعة الابداع، وكانت الكلمات تنهال عليه كأنها دفقات مِن الضوء الدافئ، الذي يُحرّر ويُخلّص، وكلّ منها مُوجّه إلى قلبه، يُناشده، ويُحرره، " فتقر عينًا"، بينما كان غناء هذه الجوقة، ينفتح كأنما هو يخرج مِن صدع جدار، رائعًا، ورفع رأسه على غير إرادة منه، وتوتّر الذراعان، بعيدة كلّ منهما عن الأخرى، " إنه المُعين الحقيقي"، أجل هذا ما أراد أن يشهد به، كما لم يسبق لواحد من أهل الأرض أن فعل ذلك، وهمّ أن يرفع شهادته لتكون لوحة تشرق بنورها على العالم.

بمثل هكذا دقة ومُرافقة، استنبطها تسفايج مِن الكثير، مِن الوثائق، الرسائل والشهادات الحيّة، يواصل وصفه لساعات القدر، لأربع عشرة شخصية مِن أبرز الشخصيات في العالم، وللحظات فريدة، مِن البديهي أنها لو ولّت، دون الإمساك بها واقتناصها، ما كانت تعود بنفس الحدّة وبذات الغنى والثراء، وها هو تسفايج، يُرافق كريستوفر كولمبوس، في اكتشافه المُحيط الهادي، بتاريخ 25 أيلول من عام 1513، كما يرافق محمّد الفاتح في فتحه القسطنطينية في 29 أيار من عام 1453، بل ها هو يُرافق الكابتن سكوت في كفاحه مِن أجل القطب الجنوبي، بتاريخ 16 كانون الثاني مِن عام 1912، وغيرهم من المذكورين آنفًا. 

إنه يُتابع بأسلوبه الروائي، الحيّ الرشيق، العديدَ مِن التفاصيل، التي عاشها مَن تعرّض لهم مِن الشخصيات التاريخية التي أثرت بمغامراتها، البعيدة عن الكسل والخُمول، والقريبة مِن الاقدام والشجاعة، العديد.. العديد مِن القصص التاريخية الطريفة، بالضبط كما فعل في كتابه الآسر عن بُناة العالم، عندما كتب عن ديكنز، ستندال، هولديرلن، ستندال، كلايست وأمثالهم. ومِن أحسن القِصص التي يرويها، بكلّ ما حفلت به من تفاصيل، طالما تاق لمعرفتها والاطلاع على دقائقها، شُداة الادب ومحبوه، قصة شاعر المانيا العظيم، كما يُجمع النقّاد، جيته، الذي يضعونه جنبًا إلى جنب مع شكسبير الانجليز، ويرون فيه شكسبير المانيا. قصّتُه هذه تروي واحدةً مِن أجمل الحكايات الغرامية في العالم، فهي تروي قصة جيته بعد أن تجاوز الرابعة والسبعين من عمره، يصطحب دوقًا كبيرًا ويتوجّه، مِن كالرسباد إلى ايجر، متنقّلًا بين كارلسباد وفايمار، يوم 5 أيلول من عام 1823، ليخطب ودّ ويد الصبية اولريكة ليفستوف، ابنة التاسعة عشرة، وليرتدّ مع قُبلة خجول، ورفض مهول، وليشرع في كتابة قصيدة الخالدة، التي يعتبرها الكثيرون من أهم ما كُتب في الادب الألماني على الاطلاق، وهي قصيدة مرثية مارينباد. واستمع إليه يقول فيها:

أو ما بقي العالم يا ترى؟ وما عادت الجدران الصخرية؟ 

متوّجة بالظلّ المُقدس؟

والمحصول، الا ينضج؟ والأرض الخضراء

الا تمتدّ على النهر، عبر الاحراش والمراعي؟

ثم، او لا ينتصب منحنى العظيم المتعالي على العالم،

العني بالصور، الذي لا يلبث ان يعدو عديم الصور؟

لقد سبق لجيتيه، صاحب آلام فيرتر، أن وقع في محبّة والدة اولريكة هذه، وعاد في الحالتين الغراميتين بالخيبة، وربّما بقصيدتين، إحداهما أحدّ مِن الأخرى، وأشدّ التهابًا. خلال السنوات التالية، حتى الواحد والثمانين، كان جيتيه قد فرغ مِن العمل في وضع مسرحيته فاوست، التي تُعتبر دُرّة الادب الألماني، ليقدّم الاثبات الخالد، على أن ساعات القدر ليست وقفًا على عُمر، وإنما هي وقفٌ على قوة خفيّة، تُشبه الوقوع على حافة نهر الحياة.. دائم التدفّق.. ودائم الابداع.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد