إبراهيم صرصور:إن نسيناك يا قدس فلتشل إيماننا
القدس والأقصى أبدا لا يبرحان الذاكرة ، وما ذكرى الإسراء والمعراج إلا محطة على الطريق يختلط فيها الدين والسياسة ، ويتمازح فيها العقل والعاطفة ، والتاريخ والحاضر، الشمال والجنوب والشرق والغرب ، وتقترب فيها مكة والمدينة حتى تصبح مع القدس والأقصى قطعة واحدة كما أرادها الله ... عند أعتابها تلتحم الدنيا والآخرة، معركة الأقصى المبارك والقدس الشريف لم تبدأ، لأنها لم تنته يوما حتى تبدأ من جديد ... إنها معركة مستمرة منذ ألف عام تقريبا، ولا ندري إلى أين ستمضي ومتى ستنتهي قبل أن يتحقق وعد الله الصادق ، ووعد رسوله الأمين ، إذا ظلت أوضاع الأمة على حالها.
شرارة الحروب الصليبية
معركة القدس وما حولها بدأت منذ إعلان ( كليرمونت ) الشهير سنة 1095 للميلاد ، والذي أطلق فيه بابا الفاتيكان شرارة الحروب الصليبية الوحشية ضد المسلمين ، مرتكزا في تحريضه للفلاحين والبسطاء في أرجاء أوروبا على أكاذيب وأباطيل لا أكثر ، حرك بها غرائز الآلاف فسجلوا أبشع صور الانتهاكات في تاريخ الإنسانية. يبدو أن مرور ألف عام على تلك الحروب لم تكف ليستخلص العالم الدرس من أن الأكاذيب والادعاءات الزائفة التي ينقضها الواقع وتعارضها الحقائق الساطعة ، لا تستحق أن تُراق من اجلها الدماء وتُزهق في سبيلها الأرواح وتُستباح في هواها الحرمات والمقدسات. أكاذيب في الماضي فَجَّرَتْ حروبا طاحنة أكلت الأخضر واليابس ، وأكاذيب إسرائيلية معاصرة تهدد أمن المنطقة ، وتنذر بحرب ستكون في نتائجها أفظع وأبشع من كل الحروب العالمية التي عرفها المجتمع الإنساني على الإطلاق.
السياسة التوسعية
لا ينكر أحد أن إسرائيل هي الأقوى عسكريا في منطقة الشرق الأوسط ، والأعمق حشدا للرأي العام العالمي من وراء سياساتها التوسعية وممارساتها الوحشية ضد القضية الفلسطينية ، إنسانا ووطنا ومقدسات ... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل يمكن لعاقل أن يصدق أن عربيا أو فلسطينيا في هذه الأيام يمكن أن يشكل تهديدا وجوديا أو أمنيا لإسرائيل ؟؟!! طبعا لا . العالم لم يعد يصدق هذا الإفك الإسرائيلي المبين ، ولكن ضعف العرب والمسلمين واختلاف الفلسطينيين هو الذي جرأ العالم على البقاء في خانة الانحياز لإسرائيل رغم وضوح الصورة وانجلاء المشهد.
هل يمكن لأحد أن يصدق الأكذوبة الإسرائيلية حول القدس ( عاصمة أبدية ) بما في ذلك الأقصى المبارك ، لِوَهْمٍ عِشَّشَ في أدمغة المشعوذين من متطرفيها حول الهيكل المزعوم تحت أرض الحرم ، وفي إصرارها عل التمسك بالمستعمرات / المغتصبات على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية ، وفي إصرارها على الاحتفاظ في إطار أية عملية سلام بمنطقة غور الأردن المحتل ، ومنع إقامة أي كيان فلسطيني مستقل بسمائه وأرضه وحدوده ومياهه الإقليمية ومجاله الجوي وثرواته الطبيعية وحرية حركته ، واستقلال قراره في عقد المعاهدات والاتفاقات ، وفي حقه في الدفاع عن نفسه ؟؟!! ألا يمكن لهذه الأكاذيب الإسرائيلية أن تعرض المنطقة لخطر عظيم لن ينجو من تبعاته احد ؟؟!!
تهويد القدس
ليس هنالك أخطر من أن يعيش الإسرائيليون رهائن عُقَدِ الماضي بكل أشكالها وأنواعها ، ولا أن يتمسك الإسرائيليون بشعارات تتناقض وبشكل صارخ مع أبسط قواعد العدالة ، ولا أن يعيشوا أسرى في زنازين الشكوك والأوهام الخادعة والدعاوي الزائفة ، ولا أن يُغَلِّبُوا العقلية الغارقة في سُكْرِ القوة العسكرية ونشوة التفوق الاستراتيجي. القدس خط احمر ... هذا ما لا يعيه الإسرائيليون ... الأقصى المبارك آية في كتاب الله ، وجزء من عقيدة المسلمين ... هذا ما لا يريد الإسرائيليون الاعتراف به ... نحزن ، وَحُقَّ لنا أن نحزن ، ونحن نرى إسرائيل تسابق الزمن بهدف تهويد القدس وتشديد الحصار على الأقصى أمام سمع وبصر العرب والمسلمين ... نبكي ونحن نرى إسرائيل تدمر مقبرة ( مأمن الله ) التاريخية في القدس ، التي يضم ثراها الطاهر جثامين الآلاف من العظماء والعلماء والصلحاء والفقهاء على مدى أكثر من ألف عام ، لتبني على جماجمهم حدائقها ومجمعاتها ومواقف سياراتها ، وأخيرا متحفا أسمته بلا حياء ( متحف التسامح ) بتمويل من جمعية أمريكية صهيونية ... تضيق صدورنا ونحن نراها تزرع القدس الشرقية بمستعمراتها بعد أن زرعت غربها منذ العام 1948 ، وتضخ مئات آلاف عتاة مستوطنيها إلى كل زاوية من زواياها العتيقة ، ليحولوا حياة المقدسيين إلى جحيم تمهيدا لتهجيرهم ... نئن غيظا ونحن نراها تقيم جدارها العنصري يتلوى كالأفعى السامة في أعماق الأحياء العربية فيمزقها بأنيابه الحادة ، ليترك الوجود الفلسطيني أشلاء وقطعا لا تكاد تلتقط الأنفاس ... كل ذلك يحدث وأكثر منه ، وأمة المليار لا تتحرك.
أعماق المشهد القرآني
لكننا مع ذلك حينما نعود لسبر أغوار الصورة ، والغوص في أعماق المشهد القرآني ، نطمئن إلى أن إسرائيل بفعلها هذا إنما تحفر لها قبرا ، الله وحده يعلم متى تُلقى فيه جزاءً وفاقا ، كما أن الله وحده يعلم كم من التضحيات سيقدمها الشعب الفلسطيني حتى تحين ساعة الحسم ، وكم هو الوقت المتبقي حتى يُنَزِّلَ الله نصره على ( الطائفة المنصورة ) في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس كما بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ... لكننا – مع ذلك - لا يمكن إلا أن نرى الشواهد على ذلك شاخصة لا يراها إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فنطمئن إلى أن وعد الله حق. إن أمام إسرائيل شعبا فلسطينيا مصرا على انتزاع حقوقه بما في ذلك القدس والأقصى ، وأمة ستتخلص يوما ما من كل أسباب ضعفها وتخلفها وهزيمتها ... شعب ضحى كثيرا ولم يبق ما يتنازل عنه .. شعب لن يتنازل عن أي شبر من أرضه المحتلة عام 1967 ... فإما ذاك ، وإلا فلنترك القضية برمتها إلى الأجيال القادمة تحدد منها موقفها بما يليق بأمة عرفها التاريخ ك- ( خير أمة أخرجت للناس).
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر.
لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وصورة شخصية بحجم كبير وجودة عالية وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.co.il