جهاز التحكم بين الخوف والتأييد
قال لي أحد الأصدقاء مازحًا أن عائلته العربية التي تركت حيفا إلى القدس هربًا من القصف القادم من جنوب لبنان، لا تعرف من تتهم بتهجيرها الثاني، بعد التهجير الذي تعرضت له في عام 1948؛ حزب الله أم إسرائيل؟ وفي الأيام الأخيرة أراد الإعلام الإسرائيلي إجابة فورية على سؤال سريع؛ هل أنتم مع إسرائيل أم مع حزب الله؟ السؤال الموجه للعرب الفلسطينيين الذين يسكنون في إسرائيل جاء بعد إصابة قذيفة لطفلين في مدينة الناصرة. وحين رفض والد الطفلين استكنار قصف حزب الله لشمال إسرائيل وقتل ولديه، وجد الإعلام الإسرائيلي في العرب العدو الذي بحث عنه منذ بداية أيام الحرب الجديدة على لبنان. حين تتحدث المؤسسة الإسرائيلية بلسان وسائل الإعلام عن العرب وتتهمهم بأنهم موالون لحزب الله أكثر مما ولائهم لإسرائيل، فإنها تلمح إلى أن العرب يؤيدون عدو إسرائيل. لكن حقيقة الأمر هي أن العرب الفلسطينيون في إسرائيل هم أعداء إسرائيل أيضًا، برغبة إسرائيلية شديدة، وممارسة عنصرية على أرض الواقع. قد يسيطر الفرح أكثر من الخوف على العرب الفلسطينيين في حيفا لحظة تساقط القذائف. حين سأل مراسل أجنبي أحدهم لماذا لا تختبئ من القذائف أجاب بأنه لم يقم بعمل سيء تجاه أحد، أولئك الذين يشعرون في قرارة أنفسهم بذلك يسارعون إلى الاختباء. من الواضح أن التماثل مع حزب الله هو الأمر البديهي، الأمر الذي لا تريد أن تفهمه إسرائيل، ففي الوقت الذي ينزل فيه اليهود إلى الملاجئ، فإن العرب يخرجون ليشاهدوا القذيفة القادمة، وكأنها هدية جاءت بعد سنوات الانتظار الطويلة، سنوات طويلة لم تُقهر فيها إسرائيل، ولم يجرب فيها اليهود الخوف لمرة واحدة.يقودني جهاز التحكم بالمحطات التلفزيونية إلى ازدواجية الشعور بين اقتراب الخطر من القذائف الساقطة على حيفا، وبين تأييد حزب الله في محاولاته لقهر الآلة العسكرية الإسرائيلية. فأقسّم وقتي في متابعة أخبار الحرب بين المحطات الفضائية العربية والقنوات الإسرائيلية، أتقلب من محطة لأخرى بين مشاهد الأضرار الناتجة عن سقوط قذيفة على مبنى البريد القريب من بيتي، وبين مشاهد القتل والدمار في بيروت والجنوب اللبناني، وأخبار صمود مقاتلي حزب الله في وجه الدبابات والقاذفات الإسرائيلية، وأنشغل بين هذا وذاك بمواقع الانترنيت واستقبال رسائل البريد الإلكتروني وإرسالها. أمشي بحذر بين اللغتين ووسائل الإعلام من الجهتين. هكذا أنصب نفسي حكمًا محايدًا بين جهتي الحرب، وأجزم بعد ساعات من ذلك أن احتمال مقتل عرب نتيجة سقوط قذائف حزب الله، فريضة واجبة الدفع في الحرب على إسرائيل، وبأن إرهاب الدولة التي تمارسه إسرائيل لا تفوقه وحشية سوى اصطفاف وسائل الإعلام الإسرائيلية في دولة تدعي الديموقراطية، فتذوب السلطة الرابعة في أحذية العسكر، كما في أي نظام شمولي آخر.أقول لأحد جيراني اليهود إن حزب الله لا يريد قتل اليهود بقدر ما يريد إخافتهم وإجبارهم على النزول إلى الملاجئ وإحداث الشلل في الاقتصاد والحياة في إسرائيل، فيجيبني أن نصر الله رجل شرير يريد القتل لهدف القتل. لا حياة لمن تنادي، ففي دولة الجيش هذه لا يتحدثون إلا بلغة القتل، وما لا يحدث بالقوة، يحدث بالمزيد من القوة. فالجيش الذي أسس دولة، لا زال يتقدم إلى الحرب بكل شراهة، يقتل ويدمر بلا رحمة، ويسميها حربًا عادلة!بعد أن مارست في الأيام الأخيرة رياضة الاختباء من القذائف الصاروخية، أخرج من غرفتي المليئة بأصوات الحرب عبر المذياع والتلفزيون والانترنيت والجرائد إلى مكان أكثر أمنًا؛ أعرف أخيرًا أن القذيفة لن تصيب بيتي القابع في الطابق الأول من العمارة، فالقذيفة التي تسقط عاموديًا، عليها أن تخترق طبقات العمارة كلها قبل الوصول إلى بيتي، وهذا ما لن يحدث.ذهبت بقايا الخوف ولم أعد اشعر بها، لم أعد أشعر إلا بالمزيد من التأييد لقهر إسرائيل، ولم أعد أشعر إلا بمزيد من الرغبة بأن يرتعد يهود دولة العسكر رعبًا.
قال لي أحد الأصدقاء مازحًا أن عائلته العربية التي تركت حيفا إلى القدس هربًا من القصف القادم من جنوب لبنان، لا تعرف من تتهم بتهجيرها الثاني، بعد التهجير الذي تعرضت له في عام 1948؛ حزب الله أم إسرائيل؟ وفي الأيام الأخيرة أراد الإعلام الإسرائيلي إجابة فورية على سؤال سريع؛ هل أنتم مع إسرائيل أم مع حزب الله؟ السؤال الموجه للعرب الفلسطينيين الذين يسكنون في إسرائيل جاء بعد إصابة قذيفة لطفلين في مدينة الناصرة. وحين رفض والد الطفلين استكنار قصف حزب الله لشمال إسرائيل وقتل ولديه، وجد الإعلام الإسرائيلي في العرب العدو الذي بحث عنه منذ بداية أيام الحرب الجديدة على لبنان. حين تتحدث المؤسسة الإسرائيلية بلسان وسائل الإعلام عن العرب وتتهمهم بأنهم موالون لحزب الله أكثر مما ولائهم لإسرائيل، فإنها تلمح إلى أن العرب يؤيدون عدو إسرائيل. لكن حقيقة الأمر هي أن العرب الفلسطينيون في إسرائيل هم أعداء إسرائيل أيضًا، برغبة إسرائيلية شديدة، وممارسة عنصرية على أرض الواقع. قد يسيطر الفرح أكثر من الخوف على العرب الفلسطينيين في حيفا لحظة تساقط القذائف. حين سأل مراسل أجنبي أحدهم لماذا لا تختبئ من القذائف أجاب بأنه لم يقم بعمل سيء تجاه أحد، أولئك الذين يشعرون في قرارة أنفسهم بذلك يسارعون إلى الاختباء. من الواضح أن التماثل مع حزب الله هو الأمر البديهي، الأمر الذي لا تريد أن تفهمه إسرائيل، ففي الوقت الذي ينزل فيه اليهود إلى الملاجئ، فإن العرب يخرجون ليشاهدوا القذيفة القادمة، وكأنها هدية جاءت بعد سنوات الانتظار الطويلة، سنوات طويلة لم تُقهر فيها إسرائيل، ولم يجرب فيها اليهود الخوف لمرة واحدة.يقودني جهاز التحكم بالمحطات التلفزيونية إلى ازدواجية الشعور بين اقتراب الخطر من القذائف الساقطة على حيفا، وبين تأييد حزب الله في محاولاته لقهر الآلة العسكرية الإسرائيلية. فأقسّم وقتي في متابعة أخبار الحرب بين المحطات الفضائية العربية والقنوات الإسرائيلية، أتقلب من محطة لأخرى بين مشاهد الأضرار الناتجة عن سقوط قذيفة على مبنى البريد القريب من بيتي، وبين مشاهد القتل والدمار في بيروت والجنوب اللبناني، وأخبار صمود مقاتلي حزب الله في وجه الدبابات والقاذفات الإسرائيلية، وأنشغل بين هذا وذاك بمواقع الانترنيت واستقبال رسائل البريد الإلكتروني وإرسالها. أمشي بحذر بين اللغتين ووسائل الإعلام من الجهتين. هكذا أنصب نفسي حكمًا محايدًا بين جهتي الحرب، وأجزم بعد ساعات من ذلك أن احتمال مقتل عرب نتيجة سقوط قذائف حزب الله، فريضة واجبة الدفع في الحرب على إسرائيل، وبأن إرهاب الدولة التي تمارسه إسرائيل لا تفوقه وحشية سوى اصطفاف وسائل الإعلام الإسرائيلية في دولة تدعي الديموقراطية، فتذوب السلطة الرابعة في أحذية العسكر، كما في أي نظام شمولي آخر.أقول لأحد جيراني اليهود إن حزب الله لا يريد قتل اليهود بقدر ما يريد إخافتهم وإجبارهم على النزول إلى الملاجئ وإحداث الشلل في الاقتصاد والحياة في إسرائيل، فيجيبني أن نصر الله رجل شرير يريد القتل لهدف القتل. لا حياة لمن تنادي، ففي دولة الجيش هذه لا يتحدثون إلا بلغة القتل، وما لا يحدث بالقوة، يحدث بالمزيد من القوة. فالجيش الذي أسس دولة، لا زال يتقدم إلى الحرب بكل شراهة، يقتل ويدمر بلا رحمة، ويسميها حربًا عادلة!بعد أن مارست في الأيام الأخيرة رياضة الاختباء من القذائف الصاروخية، أخرج من غرفتي المليئة بأصوات الحرب عبر المذياع والتلفزيون والانترنيت والجرائد إلى مكان أكثر أمنًا؛ أعرف أخيرًا أن القذيفة لن تصيب بيتي القابع في الطابق الأول من العمارة، فالقذيفة التي تسقط عاموديًا، عليها أن تخترق طبقات العمارة كلها قبل الوصول إلى بيتي، وهذا ما لن يحدث.ذهبت بقايا الخوف ولم أعد اشعر بها، لم أعد أشعر إلا بالمزيد من التأييد لقهر إسرائيل، ولم أعد أشعر إلا بمزيد من الرغبة بأن يرتعد يهود دولة العسكر رعبًا.