"الطهرانية السياسية "بين نقاء الموقف ومسؤولية الفعل
"الطهرانية السياسية "بين نقاء الموقف ومسؤولية الفعل د. كامل ريان رئيس مركز أمان
"الطهرانية السياسية "بين نقاء الموقف ومسؤولية الفعل د. كامل ريان رئيس مركز أمان
ما أطرحه اليوم ليس رأيًا عابرًا، ولا تنظيرًا سياسيًا من بعيد، بل هو خلاصة ما وصلت إليه بعد تجربة امتدت من سن التاسعة عشرة وحتى اليوم، عشت خلالها السياسة والعمل العام من مواقع مختلفة، وكنت في كثير من الأحيان داخل نقاط التماس التي يتخذ فيها القرار وتظهر فيها نتائجه على الناس.
بدأت تجربتي من خلال انتمائي إلى التيار الإسلامي وتحملي مسؤوليات قيادية فيه، ثم من خلال انتخابي رئيسًا لمجلس كفر برا لمدة خمسة عشر عامًا، والعمل في الحكم المحلي نائبًا للمدير العام لأكثر من خمسة وعشرين عامًا. كما أسست وترأست جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف الإسلامية لما يقارب خمسة وعشرين عامًا، وأسست وترأست مركز أمان، المركز العربي لمجتمع آمن، الذي يعمل منذ ما يقارب سبعة عشر عامًا، وحصل على الصفة الاستشارية لدى هيئة الأمم المتحدة. وكنت كذلك عضوًا في لجنة المتابعة العليا لقيادة الجماهير العربية لعشرات السنين.
أذكر هذه المحطات لا للتفاخر، ولا لأمنح رأيي حصانة من النقد، وإنما لأقول إن ما سأقوله هو حصيلة تجربة طويلة في السياسة، والإدارة، والحكم المحلي، والعمل الأهلي، والعمل الوطني، ومواجهة قضايا الناس الحقيقية؛ تجربة جعلتني أرى بوضوح أن المسافة بين الموقف السياسي والنتيجة التي يدفع المواطن ثمنها قد تكون أقصر بكثير مما نتصور.
ولذلك، أنا لا أريد أن أقول لك ماذا تفعل، ولا ماذا لا تفعل. لا أريد أن أضع أمامك وصفة جاهزة، ولا أن أطلب منك أن تتبعني في موقف أو خيار. أريد منك شيئًا أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تفكر، ثم أن تقدّر، ثم أن تقرر… أو حتى أن تقرر ألّا تقرر. لكن أن تعرف أن عدم القرار هو أيضًا قرار، وأن الابتعاد عن السياسة لا يعني الابتعاد عن نتائجها.
تذكّروا الحكمة السياسية التي تُنسب إلى أفلاطون: أن ثمن الترفّع عن إدارة الشأن العام هو أن يحكمك في النهاية من لا يقيم لكرامتك ووجودك اعتبارًا. وهي الفكرة ذاتها التي عبّر عنها نجم الدين أربكان بمعنى واضح: إذا لم تشارك في السياسة، فسيشارك بها غيرك ويقرر مصيرك.
وللشيخ عبدالله درويش، رحمه الله، مكان خاص في ذاكرتنا السياسية؛ فقد كان يدرك أن العمل العام ليس ترفًا، وأن خدمة الناس لا تكون بالوقوف بعيدًا عن الواقع ومراقبته، وإنما بالدخول إلى ساحاته وتحمل المسؤولية في مواجهة تعقيداته.
لقد أصبحت أخشى من ظاهرة تتجاوز الخلاف السياسي نفسه: الطهرانية السياسية؛ أن نتصور أن السياسة لا تليق بنا لأنها مليئة بالتعقيدات والمساومات، وأن موقعنا الصحيح هو بعيدًا عن نقاط التماس، نراقب المشهد، ونصف النار وهي تشتعل، ثم نختلف حول من أشعلها.
لكن النار لا تسأل من وقف بجانبها ومن وقف بعيدًا عنها.
المواطن الذي يكتوي بها لا يستطيع أن يكتفي بوصفها. والبيت الذي تقترب منه لا تنفعه كثيرًا خطبة جميلة عن خطورة الحريق إذا لم يمد أحد يده إلى المكان الذي يستطيع أن يطفئ فيه جزءًا منه.
مجتمعنا العربي يواجه تحديات ليست نظرية: الجريمة والعنف، أزمة الثقة بالمؤسسات، الفقر والفجوات، التعليم، الأرض والمسكن، مكانة السلطات المحلية، والحقوق المدنية والسياسية. هذه القضايا لا تنتظرنا حتى نتفق جميعًا على تعريف السياسة، ولا تتوقف حتى نحسم خلافاتنا الفكرية.
فهل يكفي أن نكون أنقياء في الموقف، بينما يدفع الناس ثمن غيابنا عن مواقع التأثير؟
هذه هي المسألة التي أعتقد أن علينا أن نواجهها بشجاعة.
ليس المطلوب أن نبيع مواقفنا، ولا أن نتنازل عن هويتنا، ولا أن نبرر الخطأ لأن صاحبه من معسكرنا. وليس المطلوب كذلك أن نعتبر كل مشاركة سياسية نجاحًا، أو كل تحالف حكمة، أو كل تنازل واقعية.
المطلوب أن نعرف الفرق بين التنازل عن المبادئ والمرونة في إدارة المصالح، وبين الطهارة السياسية والعجز عن التأثير، وبين الحفاظ على الثوابت والانسحاب الكامل من ميدان الفعل.
فالسياسة ليست مكانًا للأطهار فقط، كما أنها ليست مكانًا للمتاجرين بالمبادئ. إنها ميدان صعب يحتاج إلى عقل بارد، وضمير حي، وقدرة على التمييز بين ما يمكن احتماله وما لا يمكن قبوله، وبين ما يخدم الناس وما يخدم السياسيين.
وأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نقف على الهامش، ثم نغضب لأن الذين دخلوا إلى الملعب سجلوا الأهداف.
من يبتعد عن نقاط التماس لا يخرج من دائرة التأثير السياسي؛ هو فقط يتنازل عن قدرته على التأثير فيها.
لذلك، لا أقول لكم: شاركوا. ولا أقول: قاطعوا. ولا أقول: اختاروا هذا الطرف أو ذاك.
أقول فقط: فكّروا. قدّروا. اسألوا: أين مصلحة مجتمعنا؟ أين كرامة الإنسان؟ أين قدرتنا على حماية حقوقنا؟ وأين نستطيع أن نؤثر فعلًا؟
ثم اتخذوا قراركم.
لكن لا تجعلوا الطهرانية السياسية ذريعة للابتعاد عن النار، بينما يكتوي بها الناس بلا رحمة، ولا تجعلوا الاختلاف على الوسائل سببًا للتخلي عن مسؤوليتنا تجاه المستقبل.
فالتاريخ لا يسأل فقط: ماذا كنتم تعتقدون؟
بل يسأل أيضًا: ماذا فعلتم عندما كان القرار ممكنًا ؟