24° الناصرة $دولار أمريكي 3.16 ₪€يورو 3.54 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية... حتى يصل الحساب إلى 61!

إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية... حتى يصل الحساب إلى 61!
19 مقعدًا عربيًا بين نشوة الإنجاز، وتشاؤم المقاطعين، وأسئلة طلاب المدنيات عن معنى المساواة والديمقراطية...

بقلم: الأستاذ شاهين صرصور

ش ص شاهين صرصور مقالات نُشر: 04/11/2026 الساعة 09:49
حجم الخط
إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية... حتى يصل الحساب إلى 61!
إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية... حتى يصل الحساب إلى 61!

إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية... حتى يصل الحساب إلى 61!
19 مقعدًا عربيًا بين نشوة الإنجاز، وتشاؤم المقاطعين، وأسئلة طلاب المدنيات عن معنى المساواة والديمقراطية...

بقلم: الأستاذ شاهين صرصور

في كل عام، عندما أدرّس طلابي في المرحلة الثانوية في مدينتي كفر قاسم موضوع وثيقة استقلال دولة إسرائيل، وأشرح لهم كيف تعرّف إسرائيل نفسها باعتبارها دولة يهودية وديمقراطية، أجد نفسي أمام سؤال يتكرر بصيغ مختلفة، لكنه يحمل في جوهره الحيرة ذاتها:"يا أستاذ، كيف يمكن أن تكون إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية في الوقت نفسه؟ وهل يعني ذلك أننا نحن العرب لسنا جزءًا من حساباتها، وأننا لسنا مواطنين متساوين مع غيرنا؟
هذا السؤال، الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، يحمل في داخله واحدة من أعقد الإشكاليات الفلسفية والدستورية والسياسية التي ترافق النظام السياسي الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة عام 1948. وعادة ما أوضح لطلابي أن وثيقة الاستقلال أعلنت إقامة دولة يهودية، لكنها تعهدت أيضًا بضمان المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس. كما دعت المواطنين العرب إلى المشاركة في بناء الدولة على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية والتمثيل المناسب في مؤسساتها.
وأشرح لهم كذلك أن عبارة "دولة يهودية وديمقراطية" لم ترد في الوثيقة حرفيًا بصيغتها الدستورية المعاصرة، وإنما ترسخت لاحقًا في قوانين الأساس، ولا سيما قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته لعام 1992. لكن الأسئلة لا تنتهي عند حدود النصوص القانونية. فالطلاب يسألون عن الواقع، وعن معنى المساواة عندما تتعارض، في تقديرهم، مع بعض الممارسات والسياسات. وهنا يبدأ النقاش الحقيقي حول الفرق بين المبادئ المعلنة والتطبيق العملي.
وبعد انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، التي جرت في 27 تشرين الأول 2026، عاد إليّ هذا السؤال المدرسي بصورة أكثر وضوحًا. فالمواطنون العرب شاركوا في الانتخابات، ومنحوا القائمتين العربيتين تمثيلًا برلمانيًا غير مسبوق بلغ 19 مقعدًا، لكن هذه المقاعد نفسها أصبحت موضع جدل سياسي عندما دخلت حسابات تشكيل الحكومة.
ومن هنا وجدت أن السؤال الذي يطرحه طلابي داخل الصف هو ذاته السؤال الذي يفرض نفسه الآن على قيادات الأحزاب الإسرائيلية: إذا كانت الديمقراطية تضمن للمواطن العربي حق الانتخاب والتمثيل، فهل تضمن له أيضًا فرصة متكافئة للمشاركة في تحديد السلطة وصناعة القرار؟
19 مقعدًا عربيًا... إنجاز انتخابي أم بداية امتحان سياسي؟
أسفرت الانتخابات عن حصول القائمة المشتركة، برئاسة البروفيسور يوسف جبارين، على 11 مقعدًا، وحصول القائمة العربية الموحدة، برئاسة الدكتور منصور عباس، على ثمانية مقاعد. وبذلك بلغ مجموع تمثيل الأحزاب العربية 19 مقعدًا من أصل 120، بعد حصول القائمتين على أكثر من 838 ألف صوت.
وفي المقابل، حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت. هذه النتائج تعني أن أيًا من المعسكرين الرئيسيين لم يحقق الأغلبية البرلمانية المطلوبة، البالغة 61 مقعدًا.
ومن خلال تجربتي المهنية في الكنيست، التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، أرى أن القراءة السياسية لا يمكن أن تتوقف عند الأرقام.فالسياسة لا تصنعها نتائج الانتخابات وحدها، بل تحددها أيضًا التحالفات والمصالح والقيود الحزبية والشروط الأيديولوجية، وأحيانًا الاعتبارات التي لا تظهر في التصريحات العلنية.
وقد تعلمت من العمل داخل السلطة التشريعية أن الأرقام التي تبدو واضحة على الورق قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها التفاوضية عندما تصطدم بالواقع الائتلافي. ولهذا فإن الإنجاز العددي للأحزاب العربية لا يعني تلقائيًا أنها أصبحت قادرة على تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل. إنه يمنحها وزنًا سياسيًا مهمًا، لكن تحويل هذا الوزن إلى تأثير فعلي سيعتمد على مواقف الأحزاب الأخرى، وعلى استراتيجيات المشتركة والموحدة، وعلى طبيعة التفاهمات التي قد تنشأ في المرحلة المقبلة.
وثيقة الاستقلال... بين الوعد بالمساواة وحدود الشراكة
إن سؤال طلاب المدنيات ليس مجرد انطباع عاطفي، بل يعكس إشكالية حقيقية تناولتها الأدبيات الأكاديمية بشأن العلاقة بين الديمقراطية والهوية القومية. فالدولة التي تعرّف نفسها من خلال هوية قومية محددة، وتلتزم في الوقت ذاته بمبدأ المساواة بين جميع مواطنيها، تواجه سؤالًا دائمًا حول كيفية التوفيق بين هذين المبدأين.
ومن المهم هنا عدم الوقوع في تبسيط قانوني أو فلسفي. فالطابع القومي للدولة لا يعني، بحد ذاته، نفي جميع الحقوق الديمقراطية عن المواطنين المنتمين إلى مجموعات قومية أخرى. كما أن وجود انتخابات وحقوق سياسية رسمية لا يكفي وحده لإثبات تحقق المساواة السياسية الجوهرية. 
ويشير روبرت دال في نظريته عن الديمقراطية التعددية إلى أن الديمقراطية تتطلب فرصًا حقيقية للمشاركة السياسية والمنافسة والتأثير. أما في إطار فلسفة الاعتراف لدى أكسل هونيث، فإن الاعتراف القانوني بحقوق المواطن لا يستنفد جميع أبعاد المساواة، إذ تبرز أيضًا مسألة مكانته واعتباره شريكًا متساويًا في المجال العام.
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم المفارقات التي كشفتها الانتخابات. فالأحزاب العربية تمارس حقها القانوني في التنافس والتمثيل، وتحصل على تفويض انتخابي من مئات آلاف المواطنين، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحفظات لدى أحزاب يهودية بشأن مشاركتها في تشكيل الحكومة. ومن الإنصاف القول إن حق الحزب في رفض التعاون مع حزب آخر يمثل جزءًا مشروعًا من الديمقراطية البرلمانية، خصوصًا عندما يقوم الرفض على اختلافات سياسية وبرامجية. لكن الإشكالية تصبح مختلفة إذا كان سبب الاستبعاد هو الهوية القومية للممثلين المنتخبين بصرف النظر عن مواقفهم السياسية.
وحين أعود إلى سؤال طلابي: "هل نحن مواطنون متساوون؟" لا أعتقد أن الإجابة العلمية السليمة هي نفي المساواة القانونية بصورة مطلقة، ولا الادعاء بأن المساواة تحققت بالكامل.بل إن المطلوب هو التمييز بين المساواة القانونية، والمساواة في الفرص السياسية، والمساواة الفعلية في التأثير داخل مؤسسات السلطة. وهذه مستويات لا تتطابق بالضرورة.
بين نشوة الإنجاز ونقد الشيخ كمال خطيب
لا يمكن تقديم قراءة متوازنة لنتائج الانتخابات دون التوقف عند التباين الواضح في المواقف داخل المجتمع العربي. فبينما احتفت قيادات المشتركة والموحدة وجمهورهما بحجم الإنجاز الانتخابي، برزت أصوات ناقدة ترى أن الارتفاع في عدد المقاعد لا يغير بالضرورة طبيعة النظام السياسي أو حدود تأثير الأحزاب العربية فيه.
ومن أبرز هذه المواقف النص الذي نشره الشيخ كمال خطيب على صفحته على الفيس بوك قبل أربعة ايام، والذي وجّه فيه انتقادًا حادًا لما اعتبره مبالغة في الاحتفال بنتائج الانتخابات. فقد شكك خطيب في تصور بعض القيادات والناخبين أنهم أصبحوا قادرين على التحكم في تشكيل الحكومات الإسرائيلية، وانتقد الاعتقاد بأن عدد المقاعد يكفي لفرض شروط سياسية على الأحزاب اليهودية.
وقد لخّص خطيب موقفه بالقول إن الديمقراطية الإسرائيلية تمنح المواطن العربي، في تقديره، حق التصويت والانتخاب دون أن تمنحه قدرة حقيقية على التأثير وصناعة القرار.كما ذهب إلى أن البنية العميقة للنظام السياسي الإسرائيلي وطبيعة العلاقات القومية والأيديولوجية قد تحول دون ترجمة التمثيل العربي إلى نفوذ سياسي مستقل. وتضمن النص أيضًا تحذيرًا من أن تتحول المشاركة السياسية إلى قبول بشروط تمس الهوية القومية والدينية، خصوصًا في المسائل المتعلقة بالخدمة المدنية والعسكرية والسياسات تجاه الفلسطينيين في غزة. 
ومن وجهة نظري، فإن أهمية موقف الشيخ كمال خطيب لا تكمن في حدته الخطابية، بل في السؤال السياسي الذي يطرحه: هل المشاركة في مؤسسات الدولة قادرة على تغيير السياسات، أم أن حدود النظام نفسه تحدد مسبقًا سقف هذا التأثير؟
هذا السؤال ليس جديدًا في الفكر السياسي، بل يرتبط بالنقاش حول المشاركة المؤسسية في الأنظمة التي تشهد تفاوتًا في علاقات القوة بين المجموعات الاجتماعية.ويمكن الاستفادة هنا من مفهومَي الخروج والتعبير لدى ألبرت هيرشمان، حيث تمثل المشاركة البرلمانية إحدى وسائل التعبير عن المطالب داخل المؤسسات، بينما قد تعكس المقاطعة رفضًا لقنوات التأثير القائمة أو تشكيكًا في جدواها.
لكنني أرى ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات في تحليل موقف خطيب.أولها أن الإشارة إلى حدود التأثير البرلماني تستحق نقاشًا جادًا، خصوصًا في ظل تحفظات بعض الأحزاب على التعاون مع الممثلين العرب.
وثانيها أن الحديث عن وجود قيود بنيوية لا يعني بالضرورة انعدام جميع فرص التأثير. فالعمل البرلماني قد يسمح بالتشريع والرقابة والتفاوض والتأثير في بعض الموازنات والسياسات، حتى عندما لا تكون الأحزاب العربية جزءًا من الحكومة.أما المستوى الثالث، فهو أن وصف النظام السياسي بأنه محكوم بالكامل بقوى عميقة تتجاوز المؤسسات الديمقراطية يحتاج إلى تعريف نظري واضح وأدلة تجريبية، ولا يكفي طرحه باعتباره تفسيرًا محسومًا. وبالتالي، فإن نقد المبالغة في الاحتفال بالنتائج مشروع من الناحية التحليلية، لكن الاستنتاج بأن المقاعد العربية لا قيمة سياسية لها مطلقًا سيكون هو الآخر تعميمًا يحتاج إلى إثبات.
في تقديري، لا ينبغي أن يقودنا التفاؤل بالإنجاز الانتخابي إلى تجاهل حدود التأثير، ولا أن يقودنا التشاؤم من تلك الحدود إلى إنكار جميع إمكانات العمل السياسي.
وهنا يكمن الفرق بين الموقف الأيديولوجي والتحليل السياسي القائم على فحص الأدلة والبدائل والنتائج.
المشتركة والموحدة... اختلاف الاستراتيجيات أمام اختبار الواقع
من خلال دراستي السابقة للقائمة المشتركة، وبحثي الحالي حول القائمة العربية الموحدة، أرى أن العلاقة بين القائمتين تمثل واحدة من أهم القضايا التي تستحق المتابعة بعد الانتخابات. فالاختلاف بينهما لا يتعلق فقط بقيادات حزبية أو تنافس على الأصوات، بل يشمل رؤى مختلفة بشأن حدود المشاركة السياسية واستراتيجيات التأثير في النظام الإسرائيلي.
تركز المشتركة في خطابها على قضايا المساواة والحقوق القومية والمدنية، إلى جانب المطالب الاقتصادية والاجتماعية. أما الموحدة فتبرز في تجربتها السياسية أهمية التفاوض المؤسسي وتحقيق الإنجازات المدنية والمشاركة في التأثير على القرارات الحكومية، وهذا ما يعرف "بالنهج الجديد"، الذي يتبناه منصور عبّاس.
ومع ذلك، فإن الفصل الحاد بين سياسة الهوية وسياسة المصالح لا يعكس بالضرورة طبيعة عمل القائمتين.ويمكن توظيف نظرية نانسي فريزر بشأن الاعتراف وإعادة التوزيع لفهم هذه المسألة.فالمجتمع العربي يحتاج إلى معالجة قضايا المكانة والمساواة القومية والمدنية، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى سياسات تتعلق بتوزيع الموارد والإسكان والتعليم والأمن الشخصي.ومن هذا المنطلق، لا ينبغي افتراض أن الدفاع عن الهوية يتعارض بالضرورة مع العمل على تحقيق إنجازات مدنية، أو أن التفاوض على الموازنات يستوجب التخلي عن المطالب المتعلقة بالمساواة.
وقد شهد يوم 2 تشرين الثاني 2026 اجتماعًا بين قيادتي المشتركة والموحدة في الناصرة، لبحث تعزيز التنسيق والعمل البرلماني المشترك في المرحلة المقبلة.وهذه خطوة سياسية مهمة من حيث دلالتها على إدراك وجود مصالح مشتركة، لكنها لا تعني بالضرورة الاتفاق على جميع القضايا الأيديولوجية أو السيناريوهات الائتلافية. وفي تقديري، سيكون من المفيد تقييم هذا التنسيق وفق نتائجه العملية، ومدى قدرته على تعزيز تمثيل مطالب المجتمع العربي دون إلغاء التعددية السياسية داخله.
سيناريوهات تشكيل الحكومة... بين الرياضيات والسياسة
تكشف نتائج الانتخابات عن مجموعة من السيناريوهات الحسابية، لكن إمكان تحقيق أي منها يعتمد على التفاوض السياسي والمواقف المعلنة للأحزاب.
السيناريو الأول: آيزنكوت مع المشتركة والموحدة.
يمتلك معسكر آيزنكوت 48 مقعدًا، ويصل مجموعه مع القائمتين العربيتين إلى 67 مقعدًا. وهذا يوفر أغلبية حسابية واضحة، لكنه يواجه اختلافات سياسية وأيديولوجية بشأن الشراكة مع الأحزاب العربية.
وفي هذا السيناريو يظهر التناقض بين حاجة آيزنكوت إلى المقاعد العربية والشروط التي طرحها بشأن الاعتراف بيهودية الدولة ووثيقة الاستقلال والخدمة المدنية والعسكرية ومواقفه من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومن هنا يظهر التوتر بين منطق الحاجة الائتلافية ومنطق الحدود السياسية التي يضعها كل طرف للتعاون.
السيناريو الثاني: آيزنكوت مع المشتركة دون الموحدة.
يصل مجموع مقاعد معسكر آيزنكوت والمشتركة إلى 59 مقعدًا. وهذا العدد لا يمثل أغلبية مطلقة، لكنه قد يكون جزءًا من ترتيبات دعم حكومة أقلية إذا توافرت الشروط القانونية والسياسية المتعلقة بالتصويت، ولم تتشكل أغلبية معارضة كافية لإفشالها.
ويعتمد هذا السيناريو على موقف المشتركة من تقديم دعم برلماني مشروط، وعلى استعداد الأحزاب الأخرى لقبول مثل هذا الترتيب.
السيناريو الثالث: آيزنكوت والموحدة، مع ترتيبات إضافية.
يمتلك معسكر آيزنكوت 48 مقعدًا، وتضيف الموحدة ثمانية، ليصبح المجموع 56 مقعدًا. ولا يكفي ذلك لتشكيل أغلبية مطلقة، لكنه قد يفتح باب البحث في اتفاقات أوسع، أو حكومة أقلية تستند إلى ترتيبات تصويت محددة.
وقد تناولت تقارير إعلامية احتمال اعتماد حكومة أقلية على امتناع أحزاب معينة عن التصويت، ومن بينها القائمة الموحدة وأحزاب حريدية. لكن هذا السيناريو يتطلب ترتيبات دقيقة، ولا يكفي فيه مجرد جمع المقاعد.
السيناريو الرابع: نتنياهو والمقاعد الثمانية الناقصة.
يمتلك معسكر نتنياهو 53 مقعدًا، ويحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية للوصول إلى 61. ومن المفارقات الحسابية أن القائمة الموحدة حصلت على ثمانية مقاعد بالضبط. لكن هذا التطابق العددي لا يعني وجود تقارب سياسي أو استعداد متبادل لتشكيل ائتلاف. فالمواقف الأيديولوجية والحزبية والقيود السياسية تجعل من الضروري الفصل بين الاحتمال الحسابي وإمكان الاتفاق الفعلي.
السيناريو الخامس: حكومة وحدة أو استمرار الانسداد السياسي.
يمكن نظريًا تشكيل ائتلاف بين أحزاب من المعسكرين اليهوديين الرئيسيين، دون مشاركة القائمتين العربيتين.
لكن ذلك يستلزم اتفاقات بشأن رئاسة الحكومة والحقائب الوزارية والسياسات الجوهرية. وفي حال تعذر الوصول إلى اتفاق، قد تستمر الإجراءات القانونية المتعلقة بمحاولات تشكيل الحكومة، وقد تصل العملية لاحقًا إلى انتخابات جديدة.
وهنا أعود إلى تجربتي داخل الكنيست: كثيرًا ما تكون العقبة الكبرى في المفاوضات السياسية ليست العثور على العدد المطلوب من النواب، بل الاتفاق على الشروط التي تجعل جلوسهم معًا حول طاولة واحدة أمرًا ممكنًا.
هل العرب صانعو الملوك أم أسرى قواعد اللعبة؟
يطرح هذا السؤال جوهر الخلاف بين القراءات المتفائلة بالنتائج والمواقف النقدية التي يمثلها نص الشيخ كمال خطيب.فمن جهة، تشير المقاعد التسعة عشر إلى قوة انتخابية واضحة يمكن أن تؤثر في موازين القوى البرلمانية.
ومن جهة أخرى، فإن رفض بعض الأحزاب التعاون مع القائمتين العربيتين قد يحد من إمكانية تحويل هذه القوة إلى نفوذ ائتلافي. ومن منظور نظرية الائتلافات لدى وليام رايكر، تتحدد قوة الحزب ليس فقط بحجمه، بل بقدرته على المشاركة في الائتلافات اللازمة لتشكيل الأغلبية.
وبالتالي، قد يمتلك حزب كبير عددًا من المقاعد دون أن يكون مطلوبًا في تشكيل الحكومة، بينما يستطيع حزب أصغر التأثير بصورة حاسمة في ظروف معينة.لكن قيمة هذه القوة ليست ثابتة، بل تتغير بحسب البدائل المتاحة للأحزاب الأخرى.
ومن هنا أرى أن وصف الأحزاب العربية بأنها أصبحت "صانعة الملوك" يحتاج إلى قدر من التحفظ، تمامًا كما يحتاج القول إنها عاجزة بصورة مطلقة عن التأثير إلى أدلة تتجاوز الموقف الأيديولوجي.فالمقاعد البرلمانية تمنح فرصًا محتملة للتأثير، لكن الفرص لا تتحول إلى نتائج دون استراتيجية سياسية وقدرة على التفاوض واستعداد الأطراف الأخرى للتعاون. ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة هو: ما الشروط التي تسمح بتحويل التمثيل العددي إلى نفوذ مؤسسي، وما القيود التي تحول دون ذلك؟
الديمقراطية التي أدرّسها والديمقراطية التي يمارسها السياسيون
أعود هنا إلى طلابي في كفر قاسم.فعندما نناقش وثيقة الاستقلال، أحرص على التمييز بين ثلاثة مفاهيم أساسية: الديمقراطية بوصفها نظامًا لاتخاذ القرارات، والمساواة بوصفها مبدأ قانونيًا وأخلاقيًا، والمواطنة بوصفها إطارًا للحقوق والواجبات والانتماء السياسي.
وأشرح لهم أن الديمقراطية لا تعني أن جميع المواطنين سيتفقون، ولا أن كل حزب سينجح في الوصول إلى الحكم.لكنها تتطلب أن تكون المنافسة السياسية خاضعة لقواعد عامة، وأن تتمتع الفئات المختلفة بحقوق متساوية في المشاركة والتمثيل.
ومن هنا فإن سؤال الطلاب عما إذا كانت يهودية الدولة تعني عدم المساواة بين المواطنين العرب واليهود لا يمكن الإجابة عنه بجملة واحدة. فالإجابة تحتاج إلى تحليل النصوص القانونية، ومكانة الهوية القومية في الدولة، ومدى تحقق المساواة في التشريعات والسياسات والممارسة السياسية.
وقد تكون نتائج الانتخابات الحالية فرصة تعليمية مهمة لإظهار الفرق بين ما تنص عليه المبادئ الديمقراطية وما تسمح به التوازنات السياسية الفعلية. فالقضية لا تتعلق فقط بحق العربي في انتخاب ممثليه، بل أيضًا بمكانة هؤلاء الممثلين في النظام السياسي، وبمدى استعداد الأطراف الأخرى للتعامل معهم باعتبارهم شركاء محتملين في صناعة القرار.
وهذا هو الفرق بين المساواة الإجرائية والمساواة الجوهرية.إن الديمقراطية التي ندرّسها في الصفوف لا ينبغي أن تكون مجرد تعريفات محفوظة للامتحان، بل إطارًا نقديًا لتحليل الوقائع السياسية ومساءلة المؤسسات. وهذا تحديدًا ما يجعل أسئلة الطلاب ذات قيمة؛ فهي تدفعنا إلى الانتقال من النص الدستوري إلى الواقع السياسي، ومن حفظ المبادئ إلى اختبار كيفية تطبيقها.
من الاحتفال بالمقاعد إلى مساءلة الأداء
من وجهة نظري، فإن التحدي الذي ينتظر الأحزاب العربية لا يتمثل فقط في تحديد موقفها من تشكيل الحكومة، وإنما في قدرتها على تمثيل مطالب المجتمع العربي بفاعلية.وهنا تبرز أهمية التمييز الذي قدمته حنّة بيتكن بين التمثيل الوصفي والتمثيل الجوهري.
فالتمثيل الوصفي يتعلق بحضور ممثلين عن مجموعة اجتماعية داخل البرلمان، أما التمثيل الجوهري فيتعلق بما يقوم به هؤلاء الممثلون من أجل تحقيق مصالح ناخبيهم.وقد حققت الأحزاب العربية إنجازًا واضحًا في مستوى التمثيل العددي، لكن تقييم أدائها السياسي يتطلب متابعة عملها خلال الدورة البرلمانية المقبلة.
فالناخب العربي الذي يعاني من الجريمة والعنف، أو من أزمة الإسكان والتخطيط، أو من الفجوات الاقتصادية والتعليمية، لن يقيس أهمية المقاعد فقط من خلال تصريحات القيادات، بل أيضًا من خلال المبادرات والإنجازات والمؤشرات القابلة للتقييم. ولا يعني ذلك تحميل النواب العرب مسؤولية كل ما تعجز الحكومة عن تحقيقه، لأن صلاحياتهم تختلف بحسب موقعهم في المعارضة أو الائتلاف.لكنه يعني أن التفويض الانتخابي يرافقه التزام سياسي بالمحاسبة والشفافية وتوضيح حدود القدرة على التأثير.
وفي هذا السياق، فإن التجربة المقبلة ستتيح تقييمًا أكثر دقة للفرضيات المتعارضة بشأن جدوى المشاركة البرلمانية، ومنها الفرضية التي ترى أن العمل المؤسسي قادر على تحقيق نتائج ملموسة، والفرضية التي ترى أن القيود البنيوية للنظام تحد بصورة كبيرة من هذه القدرة.
عندما يفهم طلاب المدنيات الديمقراطية... ويتعثر السياسيون في الحساب!
في نهاية المطاف، أعتقد أن انتخابات الكنيست السادسة والعشرين كشفت حقيقة سياسية تستحق التأمل: قد تكون عملية عدّ الأصوات أسهل بكثير من الاتفاق على المعنى السياسي لهذه الأصوات. فقد مارس المواطنون العرب حقهم الانتخابي، ومنحوا المشتركة والموحدة 19 مقعدًا، وأعادوا توزيع التوازنات البرلمانية.
لكن ما إن بدأت حسابات تشكيل الحكومة حتى برز السؤال القديم المتجدد: ما حدود شرعية مشاركة الأحزاب العربية في الحكم؟ وهنا يعود إلى ذهني سؤال طلابي في كفر قاسم عن معنى الدولة اليهودية والديمقراطية، وعن مكانة المواطنين العرب داخلها.
ففي الصف، نعلّم الطلاب أن المواطنة المتساوية تعني المساواة في الحقوق السياسية، وأن الديمقراطية تقوم على المشاركة والتعددية واحترام قواعد المنافسة. لكن الواقع السياسي يكشف أن الطريق من صندوق الاقتراع إلى طاولة الحكومة يمر عبر اعتبارات لا تقتصر على مبادئ الديمقراطية المكتوبة.
وهنا أيضًا يحضر نقد الشيخ كمال خطيب، الذي يحذر من المبالغة في الاعتقاد بأن الإنجاز الانتخابي يمنح الأحزاب العربية قدرة على التحكم في الحكومات الإسرائيلية. ويمكن النظر إلى هذا التحذير باعتباره دعوة إلى عدم الخلط بين القوة العددية والقوة السياسية، دون أن يستوجب ذلك التسليم بأن كل أشكال المشاركة البرلمانية عديمة التأثير.
فالنتائج لا تثبت أن العرب أصبحوا أصحاب القرار النهائي في تشكيل الحكومة، ولا تثبت أن مشاركتهم لا قيمة لها. إنها تكشف وجود قوة انتخابية معتبرة تواجه قيودًا سياسية ومؤسسية تحتاج إلى تحليل ومتابعة. أما من الناحية الساخرة، فإنني أجد نفسي أمام مفارقة طريفة عندما أقارن بين ما أدرّسه لطلابي وما نشاهده في المفاوضات السياسية.
ففي حصص الرياضيات، يتعلم الطلاب أن 48+19=67 ، وأن 53+8=61 ولا يحتاج الطالب إلى أكثر من ثوانٍ للحصول على الناتج الصحيح.
لكن في السياسة الإسرائيلية، يبدو أن عملية الجمع تحتاج إلى أسابيع من الاجتماعات، وشروط ائتلافية، وتفسيرات دستورية، وربما دروس إضافية في موضوع الهوية والمواطنة!
ولعل أحد طلابي سيسألني في الحصة المقبلة: "يا أستاذ، إذا كانت أصوات العرب قانونية، ومقاعدهم قانونية، ونجاحهم في الانتخابات قانونيًا، فلماذا تصبح عملية جمع مقاعدهم مع مقاعد الأحزاب الأخرى مشكلة سياسية"؟
وسأجد نفسي مضطرًا إلى أن أشرح له الفرق بين الرياضيات والسياسة، وبين الشرعية القانونية والقبول الائتلافي. وربما سأقول له، بشيء من السخرية: يا بني، في الرياضيات نجمع الأرقام كما هي، أما في السياسة الإسرائيلية فيبدو أن بعض السياسيين يريدون معرفة هوية الرقم قبل الموافقة على إضافته!
وبعد أكثر من عشر سنوات من عملي في الكنيست، وسنوات من تدريس المدنيات والبحث في الأحزاب العربية، أستطيع القول إن السؤال الذي يطرحه طالب في مدرسة ثانوية بكفر قاسم قد يكون أحيانًا أكثر عمقًا من نقاش سياسي طويل في أروقة البرلمان. فالسؤال الحقيقي ليس فقط من سيصل إلى الرقم 61، وإنما ما إذا كانت المساواة السياسية تشمل الاعتراف بأصوات المواطنين العرب عندما تصبح مؤثرة في تحديد هوية الحكومة.
وإلى أن يُحسم هذا النقاش، ربما علينا أن نضيف إلى امتحان المدنيات سؤالًا جديدًا: "اشرح لماذا تساوي 48 زائد 19 سبعةً وستين في الرياضيات، لكنها قد لا تكفي لتشكيل حكومة في السياسة الإسرائيلية، مستعينًا بوثيقة الاستقلال ونظريات الديمقراطية والائتلافات السياسية"..
وأخشى أن يجيب أحد طلابي بذكاء ساخر: " يا أستاذ، المشكلة ليست في الحساب، بل في أن بعض السياسيين يريدون ديمقراطية تُحصي أصوات العرب، لكنها تحتار عندما يحين موعد احتساب تأثيرهم"!.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد