الثّابت والمتغيّر في انتخابات الكنيست الإسرائيلي
بقلم بروفيسور إبراهيم أبو جابر
بقلم بروفيسور إبراهيم أبو جابر
يعاني مجتمعنا الفلسطيني في الدّاخل إضافةً إلى آفة العنف والجريمة والخاوة من حالة انقسام بل اختلاف في الرؤى فيما يخص انتخابات الكنيست الإسرائيلي، بين مشاركٍ فيها ومعارضٍ. فالمشاركة في الانتخابات في الوضع الطّبيعي للدّول أمرٌ محمودٌ ومطلوبٌ، ليختار المواطنون ممثّليهم في المجالس النّيابيّة، ويوصلون أصواتهم ومطالبهم إلى صنّاع القرار، لكنّ واقعنا يختلف تمامًا عمّا سلف ذكره، وهذا معلومٌ بالضّرورة لدى كافة جماهير وشرائح مجتمعنا.
إنّ مبرّرات المشاركين تدور حول القضايا المطلبيّة الخاصّة بالمجتمع العربي أولًا ثمّ هناك من يطرح أيضًا القضايا القوميّة والوطنيّة، في حين يرى المقاطعون أنّهم يمارسون حقًّا سياسيًّا لهم بناءً على قناعاتهم الفكريّة والأيديولوجيّة، بعيدًا عن مناكفة الأحزاب الأخرى المشاركة.
وبالعودة إلى قضيّة الثّابت والمتغيّر في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وبعيدًا عن جدليّة ذلك من النّاحية الفكريّة والفلسفيّة، وبإسقاط ذلك على مؤسّسة الكنيست الإسرائيلي الّتي هي السّلطة التّشريعيّة في المؤسّسة الإسرائيليّة، حريٌّ بالجميع معرفة محدّدات ذلك ومآلات المشاركة فيها بقراءةٍ موضوعيّةٍ ومتأنيّةٍ خاليةٍ من العواطف والمنغّصات الفكريّة.
أولًا: مبدأ يهوديّة الدّولة، وهذا مبدأ أساسيٌّ ثابتٌ بهويّة هذه المؤسّسة، ما يعني أنّها دولة الشّعب اليهودي فقط، وهذا ما أكّدت عليه "وثيقة الاستقلال"، ثمّ جاء قانون القوميّة للعام 2018 الّذي سنّته الكنيست، بنصٍّ واضحٍ خاصٍ بذلك.
ثانيًا: مركزيّة الأمن في العقيدة الاسرائيليّة، وهوثابتٌ لدى صنّاع القرار في المؤسّسة الإسرائيليّة، لا يمكن التّخلي عنه وتغييره بغضّ النّظر عن تداول السّلطة بين المعسكرات السّياسيّة، ويتّضح ذلك بما تصادق عليه الكنيست من ميزانيّاتٍ ضخمةٍ للجيش والأجهزة الأمنيّة، لا يمكن مقارنتها بميزانيّات الوزارات الأخرى، وهذا يعني أنّ الأمن خطٌ أحمر لا يمكن التنازل عنه.
ثالثًا: الكنيست هي مصنع القوانين العنصريّة، فمؤسّسة الكنيست نفسها هي من سنّت منذ العام 1949 عشرات القوانين العنصريّة ضدّ العرب كالقوانين الخاصّة بالأراضي، قانون القوميّة أو يهوديّة الدّولة، وقانون كمينتس الخاص بهدم البيوت العربيّة، وقانون السّماح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وقانون منع لمّ شمل العائلات وغيرها كثير.
رابعًا: رفض مشروع إقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ، وهذا ما عملت عليه الحكومات الإسرائيليّة ولا تزال، لا بل سنّت الكنيست قانونًا خاصًا بذلك، ويندرج في إطار ذلك أيضًا رفض مبدأ حقِّ تقرير المصير للشّعب الفلسطيني. ويترتّب طبعًا على هذا المبدأ زيادة الاستيطان في الأراضي المحتّلة عام 67، وتهويدها وفرض سياسة الأمر الواقع، لا بل والعمل على ضمّها للسّيادة الإسرائيليّة.
خامسًا: المشاركة مقدّمة للهُويّة السّائلة، أي أنّ المشاركة في انتخابات الكنيست قد تؤدي مع الوقت وبالتدريج إلى ازدواجيّة الهُويّة والانتقال من حالٍ إلى آخر بفعل التّخلي المتدرّج عن الثّوابت والقبول بتعريفات هويّاتيّة وانتماءاتٍ منوّعة، ممّا قد ينعكس سلبيًا على هُويّة الفرد وتعريفه لنفسه.
سادسًا: المشاركة خلطٌ بين الثّابت والمتغيّر، لما في السّلطة والاندماج في مؤسّساتها من مغناطيسيّة وتأثير وانخراط في دوائر الدّولة العميقة. فالمشاركون في الحكم كثيرًا ما ينشغلون بالقضايا الخدماتيّة اليوميّة وهموم المواطنين الحياتيّة بعيدًا عن القضايا المبدئيّة والايديولوجيّة الّتي يتبنونها، ممّا يفقدهم البوصلة ويجعلهم عرضة للقفز عن قضايا كانت بالأمس ثوابت.
سابعًا: الضبابيّة في الانتماء، فالمشاركة في الكنيست بخاصّة في الائتلاف الحكومي لا بدّ وأن تؤثّر ولو بصورةٍ نسبيّة على هُويّة وانتماء الفرد أو الجسم السّياسي المشارك، وإلّا لن يلقى أولئك قبولًا لدى المعسكر الحاكم أو السّماع لمطالبهم، ممّا يعني خلطًا للأوراق وترتيبها بصورةٍ تُرضي الأغلبيّة الحاكمة، حتّى وإن تطلّب الأمر الالتفاف على مسائل وقضايا أساسيّة أو ثابتة باختلاق مبرّراتٍ وأعذارٍ...
ثامنًا: الحصول على مكاسب هشّة فقط، ويعني ذلك أنّ المؤسّسة الإسرائيليّة لن تسمح البتّة بتحصيل المشاركين لمكاسب صلبةٍ دائمةٍ وثابتةٍ وجوهريّة، أي سينحصر جلّ ما سيحصل عليه المشاركون على مكاسب هشّةٍ غير ثابتةٍ قد تُلغى في ظلّ أيّ متغيّراتٍ طارئة، إضافة إلى تفاهمات برضى جميع الأطراف، حول مسائل معيّنة كميزانيّات وتجميدٍ لقوانين بعينها، وانجازاتٍ مؤقّتة.
تاسعًا: الشراكة الكاملة للائتلاف، وهذا يندرج على كلّ المشاركين سواءً المشاركين في الائتلاف، أو في حال شكّلت الأحزاب العربيّة الأخرى شبكة أمانٍ لحكومة الائتلاف هذه، مثل: شنّ الحروب والحملات العسكريّة على الفلسطينيين أو على دولٍ وكياناتٍ عربيّةٍ وإسلاميّة، وسنٍّ لقوانين عنصريّة، وملاحقاتٍ سياسيّة، وهدمٍ للبيوت العربيّة، والتّضييق على الأسرى، وحتّى التّرحيل والتّهجير للفلسطينيين، ناهيك عن مواصلة الاستيطان والتّصويت على الميزانيّة العامّة بكلّ تفاصيلها.
وأخيرًا فالمطلوب، بعد بيان إسقاطات المشاركة في انتخابات الكنيست، والثّابت والمتغيّر فيها، الالتفاف حول لجنة المتابعة العليا وتحقيق الوحدة الوطنيّة، والتّمسك بثوابت شعبنا، وعدم الانجرار وراء معارك إعلاميّة جانبيّة لا طائل منها، حفاظًا على هُويّتنا وانتمائنا.