الجهل وعلاقته بارتكاب الجرائم
الجهل وعلاقته بارتكاب الجرائم
الجهل وعلاقته بارتكاب الجرائم
عندما ننظر إلى تصرفات كثير من الناس من حولنا، نرى كيف يمكن للجهل أن يسيطر على العقول، فيدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات خاطئة، والتورط في مشاكل مع الآخرين ومع القانون وارتكاب جرائم لأسباب تافهة كان من الممكن حلها بالحكمة والحوار.
وقد قيل في المثل: «الجاهل عدو نفسه»، لأن الجهل ليس مجرد نقص في المعلومات، بل قد يكون أسلوبا في التفكير والسلوك يجعل الإنسان غير قادر على تقدير عواقب أفعاله. والجهل بلاء في الدين والدنيا، وقد يقود إلى الندم والخسارة، ويكون سببا في تعقيد الخلافات وتحويلها من مشكلة بسيطة إلى خصومة، ومن خصومة إلى عنف، ومن العنف إلى جريمة.
فالإنسان الجاهل قد لا يعرف كيف يربي أبناءه، ولا كيف يتعامل معهم، ولا كيف يحل الخلافات داخل أسرته، ولا كيف يدير حياته الاقتصادية والاجتماعية. وعندما تنتشر هذه الثقافة في المجتمع، يصبح الغضب والعنف والانتقام حلولا سهلة في نظر البعض، خصوصا عندما تغيب المعرفة بالقانون، وتضعف ثقافة الحوار، ويتراجع دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية.
إن كثيرا من الجرائم لا تبدأ بجريمة، وإنما تبدأ بفكرة خاطئة، أو تربية ضعيفة، أو تعصب أعمى، أو كلمة جارحة، أو خلاف صغير لم يجد من يحتويه في بدايته. وهنا يكمن خطر الجهل: فهو قد يحوّل الخطأ إلى عناد، والعناد إلى كراهية، والكراهية إلى انتقام، والانتقام إلى جريمة.
والأخطر من ذلك أن يتحول الجهل إلى ثقافة منغلقة تدعو إلى الاصطفاف والتعصب، وتبرر الخطأ باسم العائلة أو القبيلة أو الطائفة أو «كرامة الجماعة». عندها لا يعود الفرد يفكر بعقله، بل يصبح جزءا من قطيع يتحرك وراء الانفعال والشائعات والتحريض، ويصبح الصوت العالي أقوى من صوت العقل والقانون.
لذلك فإن مواجهة الجريمة لا تكون فقط بزيادة العقوبات، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: تبدأ من مواجهة الجهل بالعلم، والعنف بالحوار، والتعصب بالتربية، والانفعال بالحكمة. تبدأ من الأسرة التي تربي أبناءها على احترام الإنسان والقانون، ومن المدرسة التي تعلم التفكير المسؤول، ومن رجال الدين والمربين والإعلاميين الذين ينشرون ثقافة التسامح وضبط النفس، ومن مجتمع يرفض تبرير الجريمة مهما كان مرتكبها أو عذرها.
إن محاربة الجهل هي في الحقيقة محاربة لأحد جذور العنف والجريمة. فكلما ارتفع وعي الإنسان، أصبح أكثر قدرة على ضبط نفسه، وحل خلافاته بالحكمة، ومعرفة حقوقه وواجباته، وحماية أبنائه ومجتمعه من الانحراف.
المجتمع الواعي لا يمنع الجريمة بالعقاب فقط، بل يمنع كثيرا منها قبل أن تولد، بالتربية والعلم والوعي.
فالجهل ليس عذرا للجريمة، لكنه قد يكون من أخطر البيئات التي تنمو فيها الجريمة. ولذلك فإن بناء الإنسان الواعي هو الخطوة الأولى لبناء مجتمع آمن وخالي من العنف والجريمة.
الدكتور صالح نجيدات