28° الناصرة $دولار أمريكي 3.02 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

الكنيست: حين يصبح التصويت دينًا والمقاطعة خطيئة

قبل أيام، وفي أحد الأعراس، دار بيني وبين أحد المتحمسين للتصويت نقاش حول انتخابات الكنيست. وفي لحظة قال لي: "إذا بصير أي حرب مستقبلية، هاي برقبة اللي بصوّتوش". توقفت عند الجملة، لا لأنها قاسية فقط، بل لأنها تختصر منطقًا أصبح حاضرًا بقوة: إذا لم نصوّت نعزز اليمين، وإذا وصل اليمين وفعل ما نخشاه، يصبح الممتنع شريكًا في النتيجة. لم يعد المطلوب مني أن أقتنع بجدوى التصويت؛ أصبح مطلوبًا مني أن أشعر بالذنب إن لم أصوّت.

م م محمد محاميد مقالات نُشر: 21/09/2026 الساعة 23:34
حجم الخط
الكنيست: حين يصبح التصويت دينًا والمقاطعة خطيئة
الكنيست: حين يصبح التصويت دينًا والمقاطعة خطيئة

قبل أيام، وفي أحد الأعراس، دار بيني وبين أحد المتحمسين للتصويت نقاش حول انتخابات الكنيست. وفي لحظة قال لي: "إذا بصير أي حرب مستقبلية، هاي برقبة اللي بصوّتوش". توقفت عند الجملة، لا لأنها قاسية فقط، بل لأنها تختصر منطقًا أصبح حاضرًا بقوة: إذا لم نصوّت نعزز اليمين، وإذا وصل اليمين وفعل ما نخشاه، يصبح الممتنع شريكًا في النتيجة. لم يعد المطلوب مني أن أقتنع بجدوى التصويت؛ أصبح مطلوبًا مني أن أشعر بالذنب إن لم أصوّت.

المشاركة، التي يفترض أن تكون أداة سياسية تخضع للفحص والمراجعة، تحولت عند البعض إلى مسلّمة، بينما وُضعت المقاطعة وحدها في قفص الاتهام: ماذا حققت؟ وما بديلك؟ لماذا يسير السؤال في اتجاه واحد؟ إذا كان على المقاطعة أن تقدم كشف حساب، فمن باب أولى أن تقدمه المشاركة بعد عقود من التجربة. وإذا كان التصويت أداة سياسية، فأبسط سؤال يمكن توجيهه إلى أي أداة هو: متى نقرر أنها لم تعد تخدم الغاية التي استُخدمت من أجلها؟

لسنا مجرد معارضة... والكنيست ليس مجرد برلمان

بالنسبة إلى الفلسطيني في الداخل، العلاقة مع الكنيست ليست علاقة مواطن عادي ببرلمان دولته وحسب. نحن نحمل تاريخًا لا يبدأ يوم الانتخابات. عام 1948، الذي يمثل في الرواية الصهيونية قيام الدولة، هو في الرواية الفلسطينية عام النكبة. وإسرائيل لا تعرّف نفسها دولة محايدة قوميًّا يتنافس مواطنوها داخلها على الضرائب والتعليم والمواصلات فحسب، بل دولة قومية للشعب اليهودي. لذلك فإن دخول الفلسطيني إلى هذه المؤسسة يحمل سؤالًا سياسيًا أعمق من عدد المقاعد التي يستطيع الحصول عليها.

الفرق بين انتخابات البلدية وانتخابات الكنيست ليس تفصيلًا. البلدية تدير الحيز المحلي والخدمات، بينما الكنيست مؤسسة سيادية تشرّع للدولة وتمنح حكوماتها الثقة. حين تصبح معظم سياستنا محكومة بالقوائم ونسبة الحسم والمقاعد والائتلافات ومن نوصي به لرئاسة الحكومة، يبدأ خلافنا مع الدولة بالظهور وكأنه خلاف على حصتنا داخل نظامها السياسي. نحن مواطنون نطالب بحقوق المواطنة كاملة، لكننا أيضًا جزء من شعب له قضية لم تبدأ بنقص الميزانيات ولن تنتهي بزيادتها.

زيادة المقاعد تعني زيادة القوة داخل البرلمان؛ ثلاثون مقعدًا أقوى من عشرة. لكن السؤال ليس كم نملك؟ بل ماذا نستطيع أن نفعل بما نملك؟ فإذا بقيت القضايا الجوهرية مرتبطة في النهاية بموافقة أغلبية صهيونية، فإن زيادة المقاعد توسّع مساحة المناورة داخل الإطار، لكنها لا تلغي سقف الإطار نفسه. هناك فرق بين أن تصبح أقوى داخل اللعبة وبين أن تصبح قادرًا على تغيير قواعدها.

إذا كان الأسوأ دائمًا قادمًا... فمتى نتوقف؟

تجربة القائمة المشتركة تصلح اختبارًا لهذا السؤال، لأنها جاءت في واحدة من أقوى لحظات التمثيل العربي. خمسة عشر مقعدًا منحت التمثيل العربي وزنًا مهمًا في حسابات تشكيل الحكومة. أوصت غالبية نواب المشتركة ببيني غانتس في محاولة لإزاحة بنيامين نتنياهو، ثم انتهى غانتس نفسه إلى تشكيل حكومة وحدة مع نتنياهو. وجود قدرة على التأثير داخل الكنيست لا يجيب عن السؤال الأهم: ما حدود هذا التأثير عندما نصل إلى القضايا التي تمس جوهر الصراع؟

حجة «أخف الضررين» تقول إن السياسة لا تشترط تحقيق كل شيء؛ قد تمنع الأسوأ، أو تقلل الضرر، أو تستفيد من الممكن. لكن أخف الضررين يصلح لاختيار محدد في ظرف محدد؛ فهل يصلح أن يتحول إلى أفق سياسي تعيش داخله جماعة جيلًا بعد جيل؟ إذا أصبح دورنا الدائم اختيار الأقل سوءًا، فقد نصبح مع الوقت أكثر براعة في إدارة الخسارة من قدرتنا على تغيير المسار.

الأغرب أن كل نتيجة تقريبًا أصبحت قادرة على إنتاج الحجة نفسها: إذا اعتدل المشهد الإسرائيلي، يجب أن نصوّت لأن فرصة التأثير أكبر. وإذا ازداد تطرفًا، يجب أن نصوّت لأن الخطر أكبر. إذا ارتفعت المقاعد فهذا دليل على قوة المشاركة، وإذا انخفضت فالحل هو رفع نسبة التصويت. إذا كانت كل النتائج تقود إلى الجواب نفسه، فما الذي يمكن أن يحدث أصلًا حتى نعيد النظر في السؤال؟

وكما يُسأل المقاطع: ماذا ستفعل في اليوم التالي؟ يجب أن يُسأل مؤيد المشاركة أيضًا: ما الذي يجب أن يحدث حتى تعيد أنت النظر في المشاركة؟ المشكلة في المسارات الطويلة ليست فقط احتمال فشلها؛ قد تحقق نجاحات صغيرة، لكنها في الطريق تعيد تعريف النجاح الكبير. ما اعتبرناه يومًا تنازلًا قد نسميه لاحقًا واقعية، وما قبلناه مرة باعتباره استثناءً قد يصبح نقطة البداية للمفاوضة التالية. ربما لا نعبر الخط الأحمر دفعة واحدة؛ ربما يتحرك الخط نفسه قليلًا في كل مرة.

منصور عباس... حين يصبح الثمن أن تكون عربيًا على مقاسهم

تجربة منصور عباس تجعل الحدود بين البراغماتية وتغيير السقف السياسي أكثر وضوحًا. السؤال ليس إن كانت السياسة تحتاج إلى مساومة؛ السؤال هو ما الذي يدخل في المساومة؟ هناك فارق بين أن تغيّر الوسيلة حتى تخدم غايتك، وبين أن تبدأ بتغيير الغاية حتى تصبح مناسبة للوسيلة. متى نكون قد جعلنا السياسة أكثر واقعية، ومتى نكون قد جعلنا حقوقنا أصغر حتى تتسع لها الواقعية؟

الحركة الإسلامية الجنوبية راكمت حضورًا اجتماعيًا وتنظيميًا لدى جمهورها، ولذلك فإن أثر تحولها السياسي يتجاوز قرارًا انتخابيًا عابرًا. السؤال لا يتعلق بالنوايا، بل بالنتيجة: هل أصبح ما كان يحتاج يومًا إلى تبرير سياسي يُقدَّم اليوم باعتباره مجرد واقعية؟ وهل تغيّر الواقع فعلًا، أم تغيّر الحد الذي نقبل عنده بالواقع؟

جزء من المشكلة يبدأ حين نقرأ السياسة الإسرائيلية بعيون اليمين واليسار، وكأن هذه هي خريطتنا نحن أيضًا. بالنسبة إلينا هناك سؤال أسبق: ما موقفنا أصلًا من الأرضية التي يقف عليها الاثنان؟ لذلك لا يشغلني فقط سؤال: من أقرب إلينا، اليمين أم اليسار؟ بل: أقرب إلينا في ماذا؟ ولماذا نقيس أنفسنا أصلًا بمدى قربنا منهم؟ وتصبح المسألة أكثر حساسية حين يرتبط تحصيل الحقوق بمدى قبولك لدى الطرف الآخر: أن تطمئنه، وتقترب من لغته السياسية، وتثبت أنك "معتدل" بما يكفي لتصبح شريكًا مقبولًا. عندها لا يعود السؤال فقط: ماذا حصلت؟ بل: ماذا كان عليك أن تصبح كي تحصل عليه؟

ويستفزني عنوان كتاب يورام كنيوك "عربي جيد". السؤال الذي يثيره العنوان عندي أكبر من الكتاب نفسه: من هو "العربي الجيد"، ومن يملك حق تعريفه؟ أي عربي يصبح مقبولًا سياسيًا؟ وأين تنتهي البراغماتية وتبدأ إعادة تشكيل الذات حتى تلائم شروط القبول؟ الأسرلة لا تحتاج إلى فلسطيني ينسى أنه فلسطيني. قد يحتفظ بلغته وذاكرته ويتحدث عن النكبة ويتمسك بهويته، بينما يتغير بالتدريج سقف ما يعتبره ممكنًا سياسيًا. ما يرفضه جيل باعتباره واقعًا مفروضًا، قد يتعامل معه التالي باعتباره واقعًا لا يمكن تغييره، ثم يبدأ منه الثالث وكأنه كان دائمًا نقطة البداية.

ماذا أخذنا من الكنيست... وماذا أخذ الكنيست منا؟

الحديث عن «مكاسب المشاركة» لا يحسم السؤال السياسي، ولا حاجة إلى تحويل النقاش إلى مجرد عملية حسابية حول كل ميزانية أو قرار. السؤال الأثقل هو: ماذا كان الثمن السياسي؟ السياسة لا تُقاس فقط بما حصلنا عليه، بل أيضًا بما أصبحنا مستعدين للتنازل عنه، وبالمطالب التي انخفض سقفها، وبالخطوط الحمراء التي تحركت حتى أصبح ما كان مرفوضًا بالأمس يُقدَّم اليوم باعتباره واقعية. الخطر أن تنقلب العلاقة بين الوسيلة والغاية: بدل أن نقيس الأداة بمدى اقترابها من أهدافنا، نعيد صياغة أهدافنا حتى تصبح في متناول الأداة.

السؤال عن البديل ضروري، لكنه لا يصلح حصانة للمسار القائم. غياب بديل مكتمل لا يحوّل أداة استُخدمت لعقود إلى خيار ناجح بحكم الأمر الواقع. كما أن المقاطعة، إذا اقتصرت على البقاء في البيت يوم الانتخابات، لا تبني وحدها قوة سياسية. البديل يبدأ ببناء مؤسسات مستقلة، وتنظيم المجتمع، وتمثيل جماعي، وقوة اقتصادية واجتماعية، وتنسيق أقوى بين السلطات المحلية، وأطر شبابية ومهنية، وأدوات قانونية وإعلامية، وقيادة تستمد شرعيتها من مشروع أوسع من موسم انتخابي.

الجملة التي سمعتها في العرس — "إذا بصير أي حرب مستقبلية، هاي برقبة اللي بصوّتوش" — تكشف إلى أي حد تغيّر موقع التصويت في وعينا السياسي. لم يعد مطالبًا بإثبات نفسه بعد عقود من التجربة؛ انتقل عبء الإثبات إلى من يرفضه. المقاطع هو المطالب بالبديل، وهو المتهم بتقوية اليمين، وقد يصبح مسؤولًا حتى عن حرب يقررها غيره.

لكن ماذا لو كان السؤال الذي تجنبناه طويلًا هو التصويت نفسه؟ ماذا لو لم تكن المشكلة فقط في عدد المقاعد أو وحدة القوائم أو انخفاض نسبة المشاركة، بل في الرهان الذي نعيد إنتاجه مرة بعد مرة؟ والأصعب: ماذا لو لم يغيّر هذا الرهان واقعنا السياسي بقدر ما غيّرنا نحن لنتلاءم معه؟

بعد عقود من المشاركة، لم يعد كافيًا أن نسأل ماذا يمكن أن نأخذ من الكنيست. السؤال الأثقل هو: ماذا فعلت عقود الكنيست بتعريفنا للممكن، وبسقف مطالبنا، وبالخطوط التي كنا نظن يومًا أنها لا تتحرك؟

الأداة التي لا يُسمح بوضعها موضع الشك لم تعد مجرد أداة. وحين يصبح السؤال عنها تهمة، والابتعاد عنها ذنبًا، والمقاطع مطالبًا دائمًا بإثبات براءته، تتحول المشاركة من خيار سياسي قابل للمراجعة إلى مسلّمة ثابتة لا تحتاج هي نفسها إلى إثبات.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد