24° الناصرة $دولار أمريكي 3.03 ₪يورو 3.48 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

حين يكون الواقع مغايرًا للحقيقة..؟

في المجتمعات الحية، لا ينبغي أن يكون الوصول إلى المكان العام امتيازًا لمن يملك النفوذ، ولا مكافأةً لمن يجيد صناعة العلاقات والمصالح، بل استحقاقًا لمن يملك الكفاءة والضمير والقدرة على خدمة الناس،لكن واقعنا كثيرًا ما يبدو مغايرًا لهذه الحقيقة؛ فتُزاح الوجوه المناسبة، ويُفسح المجال أمام من تسبق مصالحه الشخصية مصلحة المجتمع، فتختل المعايير ويصبح الخطأ أحيانًا أكثر حضورًا من الصواب، فحين تختل معايير الاختيار، لا يخسر الإنسان المناسب موقعه فحسب، بل يخسر المجتمع جزءًا من مستقبله..

م ح مرعي حيادري مقالات نُشر: 20/09/2026 الساعة 20:26
حجم الخط
حين يكون الواقع مغايرًا للحقيقة..؟
حين يكون الواقع مغايرًا للحقيقة..؟

في المجتمعات الحية، لا ينبغي أن يكون الوصول إلى المكان العام امتيازًا لمن يملك النفوذ، ولا مكافأةً لمن يجيد صناعة العلاقات والمصالح، بل استحقاقًا لمن يملك الكفاءة والضمير والقدرة على خدمة الناس،لكن واقعنا كثيرًا ما يبدو مغايرًا لهذه الحقيقة؛ فتُزاح الوجوه المناسبة، ويُفسح المجال أمام من تسبق مصالحه الشخصية مصلحة المجتمع، فتختل المعايير ويصبح الخطأ أحيانًا أكثر حضورًا من الصواب، فحين تختل معايير الاختيار، لا يخسر الإنسان المناسب موقعه فحسب، بل يخسر المجتمع جزءًا من مستقبله..

المشكلة ليست في وجود اختلاف بين الناس، فهذا أمر طبيعي، وإنما في أن تتحول الاختيارات إلى أدوات للمحاصصة والنفوذ والمجاملة، وأن يصبح القرب من أصحاب القرار أهم من القدرة على الإنجاز،، عندها يتحول الموقع من أمانة إلى غنيمة، ومن مسؤولية إلى وسيلة لإثبات النفوذ، ويُطلب من المجتمع أن يتقبل نتائج لم يخترها على أساس الكفاءة،،
المجتمع الذي يكافئ الولاء قبل الكفاءة، يزرع في مؤسساته بذور الضعف ولو بدا قويًا في ظاهره..


لكن هل يعني ذلك أننا عاجزون عن تغيير هذا الواقع؟ بالتأكيد لا، فالتغيير يبدأ عندما نعيد تعريف الإنسان المناسب: ليس الأكثر ضجيجًا، ولا الأكثر علاقات، ولا الأكثر قدرة على تقديم نفسه، بل الأكثر صدقًا في خدمة الناس، والأقدر على تحمل المسؤولية، والأبعد عن تحويل الموقع العام إلى مصلحة خاصة،
والحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تنتصر؛ تحتاج إلى ميزان عادل يضع كل إنسان في مكانه الصحيح..

ومن هنا تأتي مسؤولية المجتمع نفسه، فلا يكفي أن ننتقد من يتصدرون المشهد، بينما نقبل نحن بالمعايير ذاتها أو نصمت عنها،علينا أن نرفع قيمة الكفاءة، وأن نسأل قبل الاختيار: ماذا يستطيع هذا الإنسان أن يقدم؟ وما الذي يحمله من أخلاق ومسؤولية؟ وهل يستطيع أن يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الشخصية؟
حين يصبح السؤال: «ماذا سيقدم؟» بدل «لمن ينتمي؟»، يبدأ الإصلاح من جذوره..

إن المجتمعات لا تنهض بكثرة المناصب، وإنما بنوعية الأشخاص الذين يشغلونها. وقد يكون شخص واحد نزيه في موقع مسؤولية أنفع من عشرات الذين يملكون النفوذ ولا يملكون الرؤية. فالمنصب بلا ضمير قد يتحول إلى عبء، أما الكفاءة حين تقترن بالأخلاق فتصبح قوة بناء حقيقية..،،ليس المهم أن نملأ المقاعد، بل أن نضع في كل مقعد من يستحقه،ولذلك، فإن مقاومة هذا النمط الرديء لا تكون بالصراخ وحده، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما ببناء ثقافة جديدة في الاختيار والمحاسبة..

ثقافة ترفض التبعية، وتحترم الرأي المختلف، وتفتح الطريق أمام أصحاب الخبرة والنزاهة، وتمنح الشباب والكفاءات فرصة حقيقية بدل إبقائهم خارج المشهد ، لأنهم لا يجيدون لعبة المصالح،،العدالة في الاختيار ليست ترفًا اجتماعيًا؛ إنها أول الطريق إلى عدالة النتائج..

ولعل أصعب ما في الإصلاح أن بعض الناس اعتادوا الخطأ حتى أصبح الصواب في نظرهم غريبًا. لكن الغرابة لا تجعل الخطأ حقًا، وكثرة الممارسين للخلل لا تحوّل الخلل إلى قاعدة أخلاقية،، يبقى الصواب صوابًا، حتى لو كان أصحابه قلة، ويبقى الخطأ خطأً، ولو تصدر المشهد أصحاب النفوذ،قد يتأخر انتصار الصواب، لكنه لا يفقد قيمته؛ فالزمن وحده
 لا يمنح الخطأ شرعية..

إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للإنسان الذي يعمل بصمت، وللمثقف الذي يقول الحقيقة، ولصاحب الخبرة الذي لا يبيع موقفه، وللمسؤول الذي يرى المنصب تكليفًا لا تشريفًا، هؤلاء هم الذين ينبغي أن نصنع منهم القدوة، لأن المجتمعات تُبنى بالنماذج قبل الشعارات،
حين يصبح الشريف قدوة، والكفؤ معيارًا، والنزيه موضع ثقة، يبدأ المشهد الصحيح في التغلب على المشهد المختل..


وفي النهاية، لسنا مضطرين إلى الاستسلام لواقع لا يشبه الحقيقة، نستطيع أن نغيّر، ولكن التغيير يبدأ من شجاعة الاعتراف بالخلل، ثم اختيار البديل الصحيح، ثم الدفاع عنه دون خوف أو مجاملة،فالمجتمع الذي يعرف قيمة الإنسان المناسب، يعرف كيف يحمي مستقبله،
والقاعدة التي يجب ألا تضيع منّا:- أن المكان يصنعه الإنسان حين يستحقه، والإنسان يصنعه المجتمع حين ينصفه..

فلنُعد للضمير مكانه، وللكفاءة حقها، وللحقيقة صوتها؛ ولنجعل من الاختيار فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون قرارًا إداريًا أو اجتماعيًا،، عندها فقط يستطيع الصواب أن يتقدم، لا لأنه الأقوى نفوذًا، بل لأنه الأكثر عدلًا ونفعًا للإنسان والمجتمع..

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد