شاهد ما شافش حاجة.. أم جامعة ما عادت ترى؟
لو كان عادل إمام يبحث اليوم عن مادة لمسرحية جديدة لربما وجدها جاهزة في أروقة جامعة الدول العربية. ليس لأن الجامعة لا ترى ما يحدث حولها بل لأن السؤال الذي يزداد إلحاحا هو ماذا تفعل بعدما ترى؟ في المسرحية الشهيرة «شاهد ما شافش حاجة» كانت المفارقة في شاهد وجد نفسه أمام أحداث كبيرة لكنه بدا عاجزا عن تقديم شيء مفيد عنها. أما في العالم العربي فالمفارقة أكثر قسوة لأن المشهد لم يعد مسرحية والحرائق التي تحيط بالمنطقة ليست ديكورا يمكن إنزاله بعد إسدال الستار.
لو كان عادل إمام يبحث اليوم عن مادة لمسرحية جديدة لربما وجدها جاهزة في أروقة جامعة الدول العربية. ليس لأن الجامعة لا ترى ما يحدث حولها بل لأن السؤال الذي يزداد إلحاحا هو ماذا تفعل بعدما ترى؟ في المسرحية الشهيرة «شاهد ما شافش حاجة» كانت المفارقة في شاهد وجد نفسه أمام أحداث كبيرة لكنه بدا عاجزا عن تقديم شيء مفيد عنها. أما في العالم العربي فالمفارقة أكثر قسوة لأن المشهد لم يعد مسرحية والحرائق التي تحيط بالمنطقة ليست ديكورا يمكن إنزاله بعد إسدال الستار.
من السودان وسوريا ولبنان واليمن وليبيا تتوالى الأزمات وتتغير خرائط النفوذ من حول المنطقة بينما تحضر الجامعة العربية باجتماعاتها وبياناتها ومواقفها المعلنة. وفي اجتماعها الوزاري الأخير ناقشت ملفات عربية عديدة وأكدت مواقفها بشأن فلسطين وأمن المنطقة وسيادة الدول العربية. كما أدانت الهجمات الحوثية على السعودية وأكدت تضامنها معها. المشكلة إذن ليست في غياب الموقف العربي الرسمي وإنما في المسافة التي تفصل بين الموقف وبين القدرة على تحويله إلى فعل سياسي مؤثر.
وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب. ماذا تستطيع الجامعة العربية أن تفعل عندما تتحول الأزمة إلى حرب؟ وماذا تستطيع أن تقدم عندما يصبح الخلاف العربي العربي نفسه أكثر تعقيدا من أن تعالجه بيانات التضامن والإدانة؟
اليمن يقدم مثالا واضحا. فالأزمة اليمنية لم تعد منذ سنوات شأنا داخليا محدودا بل امتدت تداعياتها إلى السعودية والمنطقة وأصبحت جزءا من صراع إقليمي واسع. ومع تصاعد الهجمات على الأراضي السعودية خلال سبتمبر الجاري عادت لغة التصعيد إلى الواجهة بينما ظل الدور العربي الجماعي في حدود المواقف السياسية والدعوات إلى التهدئة. وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لا تكون الجامعة العربية هي المكان الطبيعي الذي يبدأ منه الحوار عندما يختلف العرب مع بعضهم؟
صحيح أن الجامعة ليست دولة فوق الدول العربية ولا تملك سلطة تنفيذية تستطيع فرض حلولها بالقوة كما أن تباين مصالح الدول الأعضاء يجعل الوصول إلى موقف موحد أمرا معقدا. لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى دور عربي جماعي أكثر فاعلية في الوساطة واحتواء الأزمات. فإذا كانت الجامعة لا تستطيع منع الحرب فهل تستطيع منع اتساعها؟ وإذا لم تستطع فرض المصالحة فهل تستطيع فتح بابها؟
هذه الأسئلة تزداد أهمية في عالم تتحرك فيه القوى الدولية والإقليمية بسرعة بحثا عن مصالحها ونفوذها بينما تبدو الدول العربية في كثير من الأحيان منشغلة بإدارة أزماتها كل على حدة. والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الخلافات العربية أصبحت تحتاج إلى وساطات وتحركات من خارج البيت العربي بينما يفترض أن تكون الجامعة هي العنوان الأول عندما تضيق مساحة التفاهم بين العرب.
لقد عرفت المنطقة في مراحل مختلفة عواصم عربية لعبت أدوارا في المصالحات والوساطات واحتواء الخلافات. لكن المطلوب اليوم ليس بالضرورة أن تتحول الجامعة إلى قوة فوق الدول بل أن تستعيد وظيفتها كمساحة سياسية قادرة على جمع الأطراف وتقريب المواقف وصناعة المبادرات قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمات مستعصية.
فالبيان يسجل موقفا لكن الوساطة قد تمنع حربا والإدانة تعبر عن تضامن لكن الحوار قد يفتح بابا للحل. والاجتماع قد ينتهي بمحضر رسمي بينما التوافق الحقيقي يستطيع أن يغير مسار الأحداث. ومن هنا فإن السؤال لم يعد هل ما زالت جامعة الدول العربية موجودة؟ فهي موجودة وتجتمع وتصدر مواقف. السؤال الأهم هو هل ما زالت قادرة على صناعة فرق حقيقي عندما تقع الأزمة؟
العرب لا يحتاجون فقط إلى مؤسسة تتحدث باسمهم عندما تقع الكارثة بل إلى مؤسسة تتحرك قبلها وتبحث عن مساحات التفاهم قبل أن يصبح الحوار مستحيلا. وربما هنا تعود سخرية عادل إمام من جديد. «شاهد ما شافش حاجة» كانت جملة تضحك الجمهور لأن الأمر كله كان مسرحية. أما عندما يتعلق الأمر بجامعة الدول العربية فإن السؤال لم يعد مضحكا تماما: هل المشكلة أن الجامعة لا ترى ما يحدث أم أنها ترى ولا تملك الأدوات الكافية للتأثير؟
فالجامعات والمؤسسات لا تقاس فقط بعدد اجتماعاتها ولا بعدد بياناتها وإنما بقدرتها على صناعة فرق عندما تحتاج إليها شعوبها ودولها. وربما تكون المهمة الأصعب أمام الجامعة اليوم ليست أن تتحدث أكثر بل أن تتحرك أكثر وأن تستعيد ثقة العرب في أن خلافاتهم يمكن أن تجد داخل البيت العربي مساحة للحوار قبل أن تبحث عن أبواب أخرى.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة ليس أن تغيب عن المشهد بل أن تبقى في المشهد بينما يتحرك التاريخ من دونها.