زيارة الدرويش فتحت الجراح الثقافية
أثارت دعوة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومجلة "مشارف"، للشاعر محمود درويش، ليلقى قصائده في قاعة الاوديتوريوم، في مدينة حيفا، مساء بعد غد الأحد، وما زالت تثير موجة من ردود الفعل، تراوحت بين التأييد الشديد والرفض الشديد، باستثناء ردود فعل أرادت أن تكون موضوعية، إلا أنها وقعت في نهاية ما كتبته ونشرته من كلمات، في هوة التحيز الشديد لطرف من الطرفين، المؤيد والرافض.زيارة درويش المزمعة كانت مناسبة لان يكتب كل من يرى انه توجد لديه المقدرة، وحتى من يشك في مقدرته على الكتابة، بل تجاوزت هذا لان يعلن، أو تعلن من حلمت بلقاء درويش " موقفه" من الزيارة وكأنما هي نهاية العالم، بل إن احد من يعتقدون أنهم كاثوليكيون أكثر من البابا، امتشق قلمه للدفاع عن زيارة درويش، معلنا ولاءه لجهة سياسية تنكر لها في الأمس، وكأنما عدم تنفيذ درويش لزيارته الموعودة، سيخل باركان الحياة في بلادنا، على اعتبار أن عدم زيارة الدرويش باتت لديه وفي مفهومه" مسالة حياة أو موت"!!إن قراءة سريعة لما كتبه أولئك المؤيدون وبينهم كتاب ظهروا فجأة في عالم الكتابة المحلية، وما كتبه آخرون ضد الزيارة، و ضدها بحذر أحيانا، تمكننا من ملاحظة أمر أراه خطيرا، ويدل على ما وصلت إليه حياتنا الثقافية في هذه البلاد من بؤس وفقر، فقد انقسم كل من الطرفين المتناقشين لينضم إلى طرف انتمى إليه سياسيا، وراح يفصل الكلام على قدر موقف حزبه السياسي، لا أكثر ولا اقل، لم يجرؤ أي من كلا الطرفين المؤيد أو الرافض، على أن يستقل برأيه الخاص به، وإنما اكتفى بان يعبر عن موقفه الحزبي، ما دل على عدم استقلالية من كتبوا ومن نشروا، وعلى اذدنابهم لهذا الطرف أو ذاك.لن اكتب عن الزيارة ذاتها، إذ أنني أرى انه كان بالإمكان أن تمر مثلما مرت زيارات سابقة للدرويش إلى البلاد، لو لم يقم عدد من الشبان بالتصدي لهذه الزيارة معلنين رفضهم لها، وقائلين إن الدرويش استبدل بيته الشعري المشهور " سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألف" بقولهم: سجل أن رقم بطاقتي بخمسين شاقلا أو ما إلى هذا من كلام. وإنما سأكتب عن وضع "مثقفينا" وأضع هذه الكلمة الكبيرة الحزينة التعيسة بين قوسين قصدا وعمدا، احتجاجا على ما كتبه هؤلاء، مدفوعين في رأيي بمصالح شخصية ضيقة، كل ما تهدف إليه هو رفع أسهمهم في بورصة أحزابهم. من المحزن والمثير إلى حد الاشمئزاز، أن يكتب كل من كتب سواء كان مؤيدا أو رافضا، من منطلق حزبي ضيق وليس من رؤيا مثقف مستقل برأيه، فعلا من المحزن أن يكتب من يرون أنفسهم مثقفين ويمكن أن يقدموا جديدا إلى مجتمعهم الذي هو مجتمعنا، كلاما كل رأسماله الرفض أو القبول، متنازلين عن تقديمهم لاجتهادات كان من الممكن أن تطرح المزيد من الأسئلة حول الشعر وأهله وفي طليعتهم الشاعر محمود درويش ذاته.المثقفون الحقيقيون أيها الأحبة لا يذدنبون لطرف ما، لا لشخص ولا لحزب ما، وإلا فإنهم سيتحولون أو سيحولون أنفسهم إلى مجرد كتبة أو مستكتبين، فهلا وصل وضع من نتوسم فيهم وفيما يمكن أن يقولوه خيرا، إلى مثل هذا الحد من الاذدناب؟ ثم ما هو دور المثقف في المجتمع وفي مجتمعنا خاصة، إذا لم يكن الضلوع في أعماق القضايا، في مناقشتها، وفي استنباط رؤى جديدة وغير مألوفة، وما كان بالإمكان أن تكون لولا أولئك المثقفون الطلائعيون الأفذاذ. هؤلاء المثقفون، راجعوا كتاب "صور المثقف" لادوارد سعيد كي تتعرفوا إلى صورهم أكثر، لا ينضمون إلى هذا الحزب/ القبيلة، أو ذاك الحزب المعارض القبيلة المنافسة، وإلا فإننا سنطلق عليهم صفة المثقفين العضويين، أي التابعين، الذين لا يهشون ولا ينشون بالعربي الفصيح، فهلا يمكننا أن نقول والحالة ما سلفت الإشارة إليها، أن مثقفينا، خاصة أولئك الذين امتشقوا أقلامهم للدفاع أو للهجوم، ما هم إلا مثقفون تابعون؟ هلا ننعى المثقف الحقيقي لمصلحة ذاك التابع، ثم الم نتفق بعد انه لا يوجد هناك مثقف مبدع حقيقي بدون الاستقلالية الشخصية في اتخاذ القرار؟ وماذا يمكنكم أيها الجهابذة أن تقدموا إذا كنتم تتنفسون من رئات أناس آخرين وقبائل أخرى؟ وليس من رئاتكم؟لقد فتحت دعوة الدرويش الجراح الثقافية النازفة على أوسع ما يمكن أن تُفتح، وأطلعتنا، باختصار، على الدرك المتدني الخطير الذي وصل إليها من يفترض أن يكونوا مثقفين، وان يضيفوا إلى ذاكرتنا ما يمكن أن يثريها، لقد انقسم كلا الطرفين المؤيد والمعارض، إلى مطبلين كل لحزبه أو قبيلته، فضاعت الحقيقة المنشودة بين" حانا ومانا" وهكذا، بدلا من أن يستثمر الخلاف على الزيارة، لسبر أغوارها البعيدة، تحول إلى نقاش هو أشبة بالنقاش بين حداءين فلسطينيين من بلادنا، تنازلا عن ضميرهما، فراح كل منهما يشتم الآخر، طمعا في عطاء ما، متنازلا عن دوره في قرع ناقوس الخطر وفي إيقاظ النائمين من بني جلدته، أهله ووطنه.
أثارت دعوة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومجلة "مشارف"، للشاعر محمود درويش، ليلقى قصائده في قاعة الاوديتوريوم، في مدينة حيفا، مساء بعد غد الأحد، وما زالت تثير موجة من ردود الفعل، تراوحت بين التأييد الشديد والرفض الشديد، باستثناء ردود فعل أرادت أن تكون موضوعية، إلا أنها وقعت في نهاية ما كتبته ونشرته من كلمات، في هوة التحيز الشديد لطرف من الطرفين، المؤيد والرافض.زيارة درويش المزمعة كانت مناسبة لان يكتب كل من يرى انه توجد لديه المقدرة، وحتى من يشك في مقدرته على الكتابة، بل تجاوزت هذا لان يعلن، أو تعلن من حلمت بلقاء درويش " موقفه" من الزيارة وكأنما هي نهاية العالم، بل إن احد من يعتقدون أنهم كاثوليكيون أكثر من البابا، امتشق قلمه للدفاع عن زيارة درويش، معلنا ولاءه لجهة سياسية تنكر لها في الأمس، وكأنما عدم تنفيذ درويش لزيارته الموعودة، سيخل باركان الحياة في بلادنا، على اعتبار أن عدم زيارة الدرويش باتت لديه وفي مفهومه" مسالة حياة أو موت"!!إن قراءة سريعة لما كتبه أولئك المؤيدون وبينهم كتاب ظهروا فجأة في عالم الكتابة المحلية، وما كتبه آخرون ضد الزيارة، و ضدها بحذر أحيانا، تمكننا من ملاحظة أمر أراه خطيرا، ويدل على ما وصلت إليه حياتنا الثقافية في هذه البلاد من بؤس وفقر، فقد انقسم كل من الطرفين المتناقشين لينضم إلى طرف انتمى إليه سياسيا، وراح يفصل الكلام على قدر موقف حزبه السياسي، لا أكثر ولا اقل، لم يجرؤ أي من كلا الطرفين المؤيد أو الرافض، على أن يستقل برأيه الخاص به، وإنما اكتفى بان يعبر عن موقفه الحزبي، ما دل على عدم استقلالية من كتبوا ومن نشروا، وعلى اذدنابهم لهذا الطرف أو ذاك.لن اكتب عن الزيارة ذاتها، إذ أنني أرى انه كان بالإمكان أن تمر مثلما مرت زيارات سابقة للدرويش إلى البلاد، لو لم يقم عدد من الشبان بالتصدي لهذه الزيارة معلنين رفضهم لها، وقائلين إن الدرويش استبدل بيته الشعري المشهور " سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألف" بقولهم: سجل أن رقم بطاقتي بخمسين شاقلا أو ما إلى هذا من كلام. وإنما سأكتب عن وضع "مثقفينا" وأضع هذه الكلمة الكبيرة الحزينة التعيسة بين قوسين قصدا وعمدا، احتجاجا على ما كتبه هؤلاء، مدفوعين في رأيي بمصالح شخصية ضيقة، كل ما تهدف إليه هو رفع أسهمهم في بورصة أحزابهم. من المحزن والمثير إلى حد الاشمئزاز، أن يكتب كل من كتب سواء كان مؤيدا أو رافضا، من منطلق حزبي ضيق وليس من رؤيا مثقف مستقل برأيه، فعلا من المحزن أن يكتب من يرون أنفسهم مثقفين ويمكن أن يقدموا جديدا إلى مجتمعهم الذي هو مجتمعنا، كلاما كل رأسماله الرفض أو القبول، متنازلين عن تقديمهم لاجتهادات كان من الممكن أن تطرح المزيد من الأسئلة حول الشعر وأهله وفي طليعتهم الشاعر محمود درويش ذاته.المثقفون الحقيقيون أيها الأحبة لا يذدنبون لطرف ما، لا لشخص ولا لحزب ما، وإلا فإنهم سيتحولون أو سيحولون أنفسهم إلى مجرد كتبة أو مستكتبين، فهلا وصل وضع من نتوسم فيهم وفيما يمكن أن يقولوه خيرا، إلى مثل هذا الحد من الاذدناب؟ ثم ما هو دور المثقف في المجتمع وفي مجتمعنا خاصة، إذا لم يكن الضلوع في أعماق القضايا، في مناقشتها، وفي استنباط رؤى جديدة وغير مألوفة، وما كان بالإمكان أن تكون لولا أولئك المثقفون الطلائعيون الأفذاذ. هؤلاء المثقفون، راجعوا كتاب "صور المثقف" لادوارد سعيد كي تتعرفوا إلى صورهم أكثر، لا ينضمون إلى هذا الحزب/ القبيلة، أو ذاك الحزب المعارض القبيلة المنافسة، وإلا فإننا سنطلق عليهم صفة المثقفين العضويين، أي التابعين، الذين لا يهشون ولا ينشون بالعربي الفصيح، فهلا يمكننا أن نقول والحالة ما سلفت الإشارة إليها، أن مثقفينا، خاصة أولئك الذين امتشقوا أقلامهم للدفاع أو للهجوم، ما هم إلا مثقفون تابعون؟ هلا ننعى المثقف الحقيقي لمصلحة ذاك التابع، ثم الم نتفق بعد انه لا يوجد هناك مثقف مبدع حقيقي بدون الاستقلالية الشخصية في اتخاذ القرار؟ وماذا يمكنكم أيها الجهابذة أن تقدموا إذا كنتم تتنفسون من رئات أناس آخرين وقبائل أخرى؟ وليس من رئاتكم؟لقد فتحت دعوة الدرويش الجراح الثقافية النازفة على أوسع ما يمكن أن تُفتح، وأطلعتنا، باختصار، على الدرك المتدني الخطير الذي وصل إليها من يفترض أن يكونوا مثقفين، وان يضيفوا إلى ذاكرتنا ما يمكن أن يثريها، لقد انقسم كلا الطرفين المؤيد والمعارض، إلى مطبلين كل لحزبه أو قبيلته، فضاعت الحقيقة المنشودة بين" حانا ومانا" وهكذا، بدلا من أن يستثمر الخلاف على الزيارة، لسبر أغوارها البعيدة، تحول إلى نقاش هو أشبة بالنقاش بين حداءين فلسطينيين من بلادنا، تنازلا عن ضميرهما، فراح كل منهما يشتم الآخر، طمعا في عطاء ما، متنازلا عن دوره في قرع ناقوس الخطر وفي إيقاظ النائمين من بني جلدته، أهله ووطنه.