23° الناصرة $دولار أمريكي 3.14 ₪€يورو 3.52 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

شغف الجزائريين بالكتاب... فرصة ثقافية تنتظر الاستثمار

في كل مرة تفتح فيها أبواب المعرض الدولي للكتاب بالجزائر، يتجدد مشهد يستحق التأمل: طوابير من الزوار، عائلات تصطحب أبناءها، شباب يتنقلون بين الأجنحة، وقراء يبحثون بشغف عن عناوين جديدة. صورة تختصر علاقة لم تنقطع بين الجزائريين والكتاب، رغم التحولات التي فرضها العصر الرقمي، ورغم المنافسة المتزايدة للمحتوى السريع ووسائل التواصل الاجتماعي.

س م سارة محمد مرزوڨي- جزائرية مقالات نُشر: 03/11/2026 الساعة 07:40
حجم الخط
شغف الجزائريين بالكتاب... فرصة ثقافية تنتظر الاستثمار
شغف الجزائريين بالكتاب... فرصة ثقافية تنتظر الاستثمار

في كل مرة تفتح فيها أبواب المعرض الدولي للكتاب بالجزائر، يتجدد مشهد يستحق التأمل: طوابير من الزوار، عائلات تصطحب أبناءها، شباب يتنقلون بين الأجنحة، وقراء يبحثون بشغف عن عناوين جديدة. صورة تختصر علاقة لم تنقطع بين الجزائريين والكتاب، رغم التحولات التي فرضها العصر الرقمي، ورغم المنافسة المتزايدة للمحتوى السريع ووسائل التواصل الاجتماعي.

لكن ما يستحق الانتباه ليس فقط حجم الإقبال على المعرض، بل ما يكشفه من طاقة ثقافية كامنة لدى المجتمع الجزائري. فكل دورة تقدم دليلا جديدا على أن الكتاب لا يزال قادرا على جذب الجمهور، وأن هناك جيلا يبحث عن المعرفة والمتعة الفكرية واكتشاف عوالم جديدة بين الصفحات. وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا لا نستثمر في هذا الشغف طوال السنة؟ ولماذا يظل الكتاب في صدارة الاهتمام خلال أيام المعرض، ثم يتراجع حضوره في الحياة الثقافية اليومية؟

إن المعرض الدولي للكتاب لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره موعدا سنويا لعرض الإصدارات وبيعها فحسب، بل باعتباره مؤشرا ثقافيا يمكن البناء عليه. فالإقبال الذي تشهده أجنحته فرصة لفهم اهتمامات القارئ الجزائري، واستكشاف احتياجاته، والتعرف على الأجيال التي يمكن أن تكون قاعدة لمجتمع أكثر ارتباطا بالقراءة.

غير أن تحويل هذا الإقبال إلى سلوك ثقافي دائم يتطلب ما هو أبعد من تنظيم تظاهرة ناجحة كل سنة. نحن بحاجة إلى مشروع متكامل يجعل الكتاب حاضرا في الأحياء والبلديات والجامعات والمدارس، ويعيد للمكتبات العمومية دورها بوصفها فضاءات حية للمعرفة والحوار، لا مجرد بنايات تضم رفوفا من الكتب.

يمكن أن تبدأ الخطوة بتوسيع نوادي القراءة، وتنظيم لقاءات شهرية تجمع الكتاب بالقراء، وإطلاق معارض متنقلة تصل إلى المدن الصغيرة والمناطق البعيدة عن المراكز الثقافية الكبرى، إلى جانب تشجيع المبادرات المحلية التي تجعل القراءة جزءا من الحياة الاجتماعية. كما يمكن توظيف الوسائط الرقمية لتقريب الكتاب من الشباب، وتطوير منصات تتيح الاطلاع على الإصدارات الجزائرية والوصول إليها بسهولة.

ولا يكتمل هذا الاستثمار دون التفكير في كلفة الكتاب وإمكانية اقتنائه. فليس من المنطقي أن ندعو إلى مجتمع قارئ من دون أن نعمل على إزالة العوائق التي تحول دون وصول فئات واسعة إلى الكتاب. وهنا تبرز أهمية دعم المكتبات المدرسية والعمومية، وتشجيع النشر، وتوسيع مبادرات القراءة بأسعار ميسرة، مع منح الكتاب الجزائري مساحة أكبر للتعريف والتوزيع.

كما أن الرهان الحقيقي يبدأ من الطفولة. فالقراءة لا تصنعها الحملات الموسمية، وإنما تتكون عبر علاقة مبكرة بين الطفل والكتاب، تشترك الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية في بنائها. وحين يجد الطفل مكتبة قريبة، وكتابا يناسب اهتماماته، وبيئة تشجعه على السؤال والاكتشاف، يصبح الكتاب رفيقا لا يحتاج إلى مناسبة كي يعود إليه.

إن الاستثمار في القراءة ليس ترفا ثقافيا، بل استثمار في الإنسان وفي قدرته على التفكير والتحليل والإبداع. فالمجتمع الذي يقرأ يمتلك أدوات أفضل لفهم تحولات العالم، ومناقشة قضاياه، وصناعة مستقبله. لقد أثبت الجزائريون، في كل دورة من دورات المعرض الدولي للكتاب، أن الشغف بالقراءة لا يزال حيا. وما نحتاج إليه اليوم هو أن ننتقل من الاحتفاء بهذا الشغف إلى احتضانه، ومن انتظار المعرض كل سنة إلى صناعة مواعيد ثقافية متجددة في مختلف أنحاء الوطن.

فالنجاح الحقيقي للمعرض لا يقاس فقط بعدد زواره أو الكتب التي بيعت خلال أيامه، بل بما يتركه من أثر بعد إغلاق أبوابه، وبعدد القراء الذين يواصلون رحلتهم مع الكتاب طوال السنة. فالجزائر التي تصطف طوابير أبنائها أمام أجنحة الكتاب تستحق أن تجد الكتاب قريبا منهم في كل يوم، لا في موسم واحد فقط.
 

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد