من المسؤول عنا ؟ /بقلم: كميل فياض
كميل فياض في مقاله:
كميل فياض في مقاله:
إن غريزة الخوف من المجهول هي علة طلب الأمان داخل جماعة، من ضمن القوالب والإشتراطات التي تمليها الجماعة أيا تكن هذه الجماعة
إنسان بكل معنى الكلمة – على الأقل بالنسبة لي – هو إنسان يرفض أن يكون مُقادا لأحد أن يكون مقيدا بجماعة مشروطا بمرجعية مرهونا بطبقة بل هو المسؤول عن نفسه أولا وأخيرا وبوعي خالص
القوى الفكرية العقلية فينا الى اين تتوجه، في خدمة من وماذا، وبأي المفاهيم والاغراض نربطها ونتوجه بها ..؟ العواطف والمشاعر والوجدانات بماذا نطبعها ، نعلق بها ، نربطها .. أم هي التي تبلور مفاهيمنا ومعتقداتنا وتوجهاتنا من داخل اللاوعي ..؟ في كل الأحوال، الفكر والعواطف والمشاعر والوجدانات والعقول، هي طاقات مجردة ومادة خام في ذاتها. وسواء نحن الذين نُلبسها أو نطعِّمها بهذه الصفات أو تلك، بهذه التصورات والمضامين أو تلك، بهذه الإعتقادات أو غيرها، أو نرث ذلك ونتلقفه بقبول غير مدروس ومقارن وغير مشروط من سوانا ممن سبقنا في الولادة، ممن تعلمنا وتربينا وتثقفنا على يديه، في البيت وفي المدرسة وفي الشارع والنادي والمعبد والملعب الخ .. كل ذلك على ما يعج فيه من تناقضات ويحمل من تصادمات ، صراعات، حروب، دمار، يعود بشيء كثير أو قليل منه لكل منا، لمسؤولية كل منا ..
نظرة موضوعية
يمكن أن نكتشف – إذا أردنا – أثر من ذلك، عيِّنة من ذلك، إذا نظرنا بموضوعية الى أنفسنا الى أفكارنا ومشاعرنا.. بماذا تنشغل والى من تتوجه وماذا تقصد؟ بدءا من علاقتنا بأنفسنا داخليا، الهواجس الرغبات التطلعات الخفية، والى ما يحدث في سوريا والصومال ومالي والبرازيل .. وعلى المريخ .. مرورا بما يحدث بيننا وبين أزواجنا وأولادنا داخل البيت، وبيننا وبين إخوتنا وأخواتنا داخل العائلة، وبيننا وبين جيراننا، أصدقاءنا، زملائنا في العمل، والناس عموما في كل مكان نتواجد فيه.. طبعا لا يمكن الدخول في تفاصيل كل أشكال وأنواع العلاقات والصراعات بين البشر، وليس ذلك مطلوبا.. ببساطة طبيعة النتائج السلوكية تدل على طبيعة الدوافع والمحركات. لكن بما أن الانسان يملك الإرادة الى الحد الذي معه يمكن اختيار طريقه، مفاهيمه، حزبه، معتقده، مواقفه، آراءه. وبمبلغ ومستىوى ثقافته، يستطيع أيضًا تشكيل ذوقه الفني في الموسيقى والطرب والشعر والأدب الخ .. والقصد هنا استطاعته التأثير على طبيعة مشاعره وليس فقط على منحاه الفكري.
حقيقة ذاتية خالصة
إذا كان الإنسان يستطيع ذلك، ما الذي يمنعه أن يكون إنسانا بكل معنى الكلمة، وإنسان بكل معنى الكلمة – على الأقل بالنسبة لي – هو إنسان يرفض أن يكون مُقادا لأحد، أن يكون مقيدا بجماعة، مشروطا بمرجعية، مرهونا بطبقة.. بل هو المسؤول عن نفسه أولا وأخيرا وبوعي خالص .. بوعي خالص لا يعني بالضرورة غير منسجم مع البيئة ومتطلباتها الواقعية ، لكن يعني أنه طبيب نفسه قبل أي طبيب، ويسأل روحه عن حقيقة وجوده، ولا يقتصر على استمداد المعرفة من "شيخ" عن تلك الروح .. ومسؤول عن نفسه يعني غير متصادم داخليا مع الحقيقة الذاتية الخالصة، التي هي وعي غير مشروط في ذاته بمفهوم مسبق – سواء منه هو أو من سواه - إن الطاقة التي لا نستنفدها في صراعنا (الفردي) ضد إخوة وجيران وزملاء، ترجع لدافع بعينه في صراعنا المذهبي والعرقي ضد (الأغيار والأغراب) .. وما عسى يكون هذا الدافع؟ إنه الأنا الفردي – كمجموعة ردود أفعال – صنيعة مخاوف وأطماع، تتبناها وتغذيها الأنظمة المتعاقبة ، كعناصر (مفيدة) في السياسة والتجارة .. والمجتمع عموما هو المادة والساحة لهذا التبني والاستغلال.
الخوف من المجهول
والى الجذور: إن غريزة الخوف من المجهول هي علة طلب الأمان داخل جماعة، من ضمن القوالب والإشتراطات التي تمليها الجماعة، أيا تكن هذه الجماعة، دينية، اجتماعية الخ .. الإشتراطات الإجتماعية "تؤمن" الأمان النفسي البيلوجي ، والدينية "تؤمن" الأمان النفسي الروحي ..إن لب كل صراع يقوم في الجماعة، هو استمرار تأمين وجود طبيعي "نرمالي" للأنا الفردي فيها، لكل وحدة فردية في البناء الكلي لها، حيث يأخذ هذا الكل بدوره شكله وطبيعته، من الصراع الداخلي لكل فرد. ومعنى هذا أن علة كل أشكال الصراعات الخارجية والجماعية مصدرها علاقة غير سليمة للفرد مع نفسه أولاً، باعتباره من جهته وحدة البناء الأولى المؤثرة في البناء الإجتماعي الكلي. هذه العلاقة الجدلية بين الفرد والجماعة قائمة على الفهم الحسي الخالص، الذي لا يزال مسيطرا على البشر عموما منذ وجدوا، ويفرض قوالبه ونماذجه في كل مجالات وجودهم وتطورهم، حيث لا يمكن للإنسان أن يعود "لجنته" التي هي ذاته الجوهرية، إلا إذا فك هذا الرباط – العفوي والإرادي – مع الجماعة، بدءا من فك الرباط مع نفسه المُدرَكة ضمن التصور الجماعي، وذلك يمكن فقط في الكشف لجوهر وجودنا، حين نتخلى عن الطلب النفسي التاريخي القديم، لمأمن (نموذجي) من خارجنا، " كشخصية آمنة ومقبولة ومحترمة تجاه الآخرين، وبالنسبة والمقارنة للآخرين" حين نقرر أن نواجه الحياة والموت بمفردنا وبانفتاح كلي على حقيقة الوجود المطلقة، دون ارتباط بسلسلة مقدسات غيبية، ودون تسلح بمعتقد موروث عن الآخرين، ودون رجوع لمرجع – سواء شخص، كتاب، أو أي شيء، أي صنم .. ودون هروب لمخدر من أي نوع كان مادي أو معنوي .. بل بتركيز للوعي شجاع هاديء كلي وبتنبه تام في طبيعة الذات، لنتبين أن كل المفاهيم والتصورات – فردية وجماعية واقعية وغيبية – جميعها ينبع يجري ويصب في بحر واحد لا يتجزأ من الوعي ذاته، حيث لا حدود ولا قيود له في هذا المقام، وفيه كل ما نبحث عنه في "الخارج" سواء على المستوى العقائدي الديني، والعلمي، والإجتماعي. وحيث فقط في ضوئه الطبيعي البسيط، يمكن أن نقيم علاقات عادلة وإيجابية بيننا وبين أنفسنا، ثم بيننا وبين الآخرين. لأن طلب الكفاية النفسية يكون قد تحول الى مصدر كفايته الحقيقي وسكن فيه، ولأن دوافع السلوك التدميرية فينا، من جهة أخرى، التي هي الجهل والطمع والحسد والحقد والجور والطغيان وإثبات الشخصية الزائلة، تكون ضعفت واقتربت من الخمود والموت . كبقايا ظلال ، عندما تكون ظلمة الليل قد اختفت عند الشروق.
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجي إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان:alarab@alarab.net