29° الناصرة $دولار أمريكي 3.02 ₪يورو 3.51 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 قصة

حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية

لماذا تبقى بعض الشخصيّات في ذاكرتنا سنوات طويلة، بينما تتلاشى شخصيّات أخرى بعد أن نطوي الصفحة الأخيرة بفترة قصيرة؟ ولماذا نشعر أحيانًا، ونحن نستعيد بعض ما قرأنا، أنّ أحداث الرواية قد غابت من الذاكرة، بينما ظلّت شخصية واحدة منها حاضرة، كأنّها شخص عرفناه في حياتنا والتقيناه ذات يوم؟ 

أ ن أحمد ناصر قصة نُشر: 09/09/2026 الساعة 11:44
حجم الخط
حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية
حين تعيش الشخصيّة أكثر من الرواية

لماذا تبقى بعض الشخصيّات في ذاكرتنا سنوات طويلة، بينما تتلاشى شخصيّات أخرى بعد أن نطوي الصفحة الأخيرة بفترة قصيرة؟ ولماذا نشعر أحيانًا، ونحن نستعيد بعض ما قرأنا، أنّ أحداث الرواية قد غابت من الذاكرة، بينما ظلّت شخصية واحدة منها حاضرة، كأنّها شخص عرفناه في حياتنا والتقيناه ذات يوم؟ 

أميل إلى الاعتقاد أنّ المسألة تتصل، في جانب أساسيّ منها، بقدرة الروائيّ على خلق شخصية تمتلك حياة داخل النصّ وخارجه. فالشخصيّة الروائيّة ليست اسمًا يمنحه الكاتب لشخص افتراضيّ، وليست عمرًا ومهنةً وملامح وشيئًا من الصفات التي تُدرج في سياق الحكاية. إنّها كائن سرديّ يتشكّل تدريجيًّا من الذاكرة والرغبة والخوف والتجربة والعلاقة بالآخر، ويكتسب مع تقدّم السرد ملامح إنسانيّة تجعل القارئ قادرًا على تصديقه والتفاعل معه.

قد ينجح الكاتب في بناء حبكة متماسكة، وقد يمتلك لغة جميلة، وقد يعرف كيف يوزّع الأحداث والمفارقات، لكنّ الرواية تظلّ في حاجة إلى ذلك الإنسان الذي يمنح كلّ هذه العناصر روحها. فالأحداث مهما كانت مشوّقة تحتاج إلى شخصية تحملها، واللغة مهما بلغت من الجمال تحتاج إلى تجربة إنسانيّة تمنحها معناها.

وهنا يظهر الفرق بين أن يكتب الروائيّ عن شخصيّة، وأن يخلق شخصيّة. الكتابة عن الشخصيّة يمكن أن تقدّم لنا معلومات كثيرة عنها، أمّا خلقها فيحتاج إلى معرفة أعمق بعالمها الداخليّ. ماذا تريد؟ ممَّ تخاف؟ ماذا تخفي عن الآخرين؟ ما الذي تركه الماضي في روحها؟ كيف تتصرّف حين تجد نفسها أمام اختيار صعب؟ وما الذي يمكن أن تفعله حين تضيق أمامها سبل النجاة؟ هذه الأسئلة الصغيرة هي التي تمنح الشخصية تدريجيًّا ذلك العمق الذي يجعلها أقرب إلى الحياة.

وحين نتحدّث عن الشخصيّة الروائيّة التي استطاعت أن تعيش خارج صفحات الرواية، تحضر أمامنا أسماء يصعب نسيانها: "آنا كارنينا" عند تولستوي، و"مدام بوفاري" عند فلوبير، و"راسكولنيكوف" في "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، و"جان فالجان" و"كوزيت" في "البؤساء" لفيكتور هوغو، وشخصيّتا أحمد عبد الجواد وسعيد مهران عند نجيب محفوظ، وسعيد مصطفى عند الطيّب صالح، ومهدي جواد وآسيا الخضر في "وليمة لأعشاب البحر"، وغيرها من الشخصيّات التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبيّة والإنسانيّة.

ما الذي جعل هذه الشخصيّات تبقى؟ أعتقد أنّ الإجابة تكمن في أنّها لم تكن مجرّد أدوات لتحريك الأحداث. لقد امتلكت حياةً داخليّة، وذاكرةً، ورغبات، ومخاوف، وتناقضات، وأحلامًا، وانكسارات. كانت شخصيّات يمكن للقارئ أن يصدّق وجودها، وأن يتخيّلها في الحياة خارج الرواية. وحين نغلق الكتاب، لا تنتهي حياتها بالضرورة؛ فقد تستمرّ في ذاكرتنا، وقد نعود إليها بعد سنوات، وربّما نقارن بينها وبين أشخاص نلتقيهم في حياتنا.

الشخصيّة المقنعة قد تحمل تناقضاتها الخاصّة، وقد تخطئ وتصيب، وقد تتردّد وتتراجع، وقد تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر. وهذه المساحة من التناقض جزء من إنسانيّتها. فالإنسان الذي نعرفه في الحياة لا يسير دائمًا وفق منطق واحد، ولا يمكن اختزاله في صفة واحدة. ومن هنا تأتي قوّة الشخصية الروائيّة حين تمنحها الكتابة مساحة كافية لكي تكشف عن وجوهها المتعدّدة، وتتحرّك وفق دوافعها الداخليّة، وتترك للقارئ فرصة اكتشافها بدل أن تقدّم نفسها كاملة منذ البداية.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن يحقّقه الروائيّ أن يجعل قارئه يشعر بأنّ شخصيّته تمتلك حياة تتجاوز حدود الرواية. عندها تصبح حضورًا مستقلًّا في الذاكرة. وقد يحدث أن يتذكّر القارئ موقفًا لها بعد سنوات، أو يستعيد صوتها في لحظة مشابهة، أو يرى في شخص يلتقيه شيئًا منها. في تلك اللحظة تكون الشخصيّة قد خرجت من الورق ودخلت تصارع الحياة.

وهنا تبرز قيمة التفاصيل الصغيرة. فقد تكون طريقة الشخصيّة في الصمت، أو حركة يدها، أو علاقتها بمكان ما، أو ذكرى قديمة ترافقها، أكثر تأثيرًا من صفحات طويلة يشرح فيها الكاتب صفاتها. التفاصيل لا تأتي لتزيين الشخصيّة، وإنّما لتمنحها خصوصيّتها. وكلّما كانت هذه التفاصيل نابعة من طبيعة الشخصيّة ومسار حياتها، أصبحت أكثر قدرة على إقناع القارئ.

ومن المهمّ أيضًا أن تظلّ الشخصيّة مرتبطة بالعالم الذي تعيش فيه. فالإنسان ابن بيئته وزمنه وعلاقاته، ويتشكّل وعيه من خلال احتكاكه بالآخرين. ولذلك لا تنشأ الشخصيّة الروائيّة في فراغ؛ إنّها تتشكّل داخل شبكة من العلاقات والظروف والتحوّلات. وكلّما استطاع الروائيّ أن يجعل هذه البيئة جزءًا من تكوين شخصيّته، ازدادت قدرتها على الحضور والإقناع.

وهذا يفتح سؤالًا آخر يتصل بالرواية في زمننا الراهن، حيث أصبحت الكتابة أكثر سهولة، وتعدّدت أدوات إنتاج النصوص، ودخل الذكاء الاصطناعيّ إلى فضاء الكتابة والإبداع. لقد أصبح بالإمكان الحصول على أفكار، واقتراحات، ووصف، وحوارات، ومسارات سرديّة في وقت قصير. وهذه الأدوات يمكن أن تكون نافعة للكاتب حين يستخدمها بوعي، لكنّ سهولة إنتاج النصّ تظلّ مسألة مختلفة عن القدرة على خلق إنسان روائيّ مقنع.

فالشخصيّة ليست مجموعة معلومات يمكن جمعها وترتيبها، وليست صفات يمكن توزيعها على صفحات الرواية. إنّها خلاصة تجربة ورؤية وحساسيّة تجاه الإنسان والحياة. ولذلك يحتاج الكاتب إلى أن يعرف شخصيّاته معرفة عميقة، وأن يمنحها وقتًا كافيًا كي تنمو في مخيّلته قبل أن تتحوّل إلى كلمات على الورق.

ولعلّ هنا تكمن إحدى المفارقات التي تواجه الكتابة اليوم: أصبح إنتاج النصّ أسرع، بينما تظلّ صناعة الشخصية بحاجة إلى ذلك الزمن الداخليّ الذي يسمح لها بالنموّ والتشكّل. فالكاتب يستطيع أن يكتب في ساعات صفحات كثيرة، لكنّ الشخصيّة التي تستحقّ البقاء قد تحتاج إلى زمن أطول بكثير حتى تتكوّن في وعيه ووجدانه.

وربّما لهذا السبب نشعر أحيانًا أنّ بعض الشخصيّات الروائيّة أقرب إلينا من شخصيّات نعرفها في الواقع. لقد استطاع الكاتب أن يمنحها تفاصيل صغيرة، ونبرة صوت، وطريقة في التفكير، وذاكرة، ومخاوف، وأحلامًا، فأصبحت قابلة للتصديق. وعندما ينجح الأدب في هذه المنطقة تحديدًا، تتراجع الحدود بين المتخيّل والواقعيّ، ونبدأ في التعامل مع الشخصية كما لو كانت كائنًا من عالمنا.

لذلك، أظنّ أنّ على الروائيّ، قبل أن يسأل نفسه عن عدد الأحداث التي ستتضمّنها روايته، أن يسأل عن الإنسان الذي سيضعه في قلبها. فالرواية التي تمتلك شخصيّات حيّة تستطيع أن تمنح القارئ أكثر من حكاية تُروى؛ تمنحه تجربة إنسانيّة قد تظلّ معه طويلًا.

وقد تكون الرواية الجيّدة هي التي تجعلنا نخرج منها ونحن نشعر بأنّنا عرفنا شخصًا جديدًا، أو فهمنا إنسانًا لم نكن نفهمه من قبل، أو رأينا جانبًا من الحياة من زاوية مختلفة. عندها يصبح الأدب أكثر من سرد للأحداث؛ يصبح محاولة لاكتشاف الإنسان.

وقد أخطئ في هذه القراءة وقد أصيب، لكنّني أجد أنّ سؤال الشخصيّة يستحقّ أن يحضر بقوّة في نقاشنا حول الرواية اليوم. فمع كثرة النصوص وسرعة إنتاجها، يصبح التحدّي الحقيقيّ أمام الكاتب في قدرته على أن يمنحنا شخصيّة نشعر بأنّها عاشت أمامنا، وأنّ لها تاريخًا، وصوتًا وذاكرة وحضورًا.

فالرواية قد تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وقد ننسى بعض أحداثها وتفاصيلها، لكنّ الشخصيّة التي استطاعت أن تلامس شيئًا عميقًا فينا قد تبدأ حياتها الحقيقيّة بعد أن نغلق الكتاب. وربّما يكون هذا هو الاختبار الأجمل للروائيّ: أن يكتب شخصية تعيش أكثر من الرواية، وأن يترك في ذاكرة القارئ إنسانًا يصعب نسيانه.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد