نحن بحاجة لتربية الإنسان بالهواء
نحن بحاجة لتربية الإنسان بالهواء الطلق
نحن بحاجة لتربية الإنسان بالهواء الطلق
\" أصبحت المعاهد التربوية في العصر الحديث أشبه بمصانع المعلبات التي تريد صنع إنسان معلب، فيه نكهة وطعم لذيذ، ولكنه يفتقر للفيتامينات الأساسية والقيمة الغذائية العالية. إن الإنسان يحاول أن يصنع ثقافة معلبة حلوة المذاق، لكنها مرة النتائج وهزيلة المردود على صعيد الإنسان، غنية بالوسائل، فقيرة بالأهداف والغايات \"
الحياة لا تقاس بطولها أو بتعدادها الزمني، بل بمدى شعورك بها وتفاعلك معها، ومن ثم أثرك فيها. وأعمارنا لا تُغنى بطولها، بل بعرضها وعمقها. فالله وحده هو العالم بعمر كل واحد منا ولكنه سبحانه وتعالى ترك لنا مساحة كبيرة لنقرر فيها بإرادتنا الحرة كيف يكون عرضه وعمقه. صحيح أن الولادة والوفاة بيد الله، لكننا سنحاسب على ما ملأناه بين نقطتي البداية والنهاية. فالله سبحانه وتعالى قرر لنا مساحة الأوراق والأسطر، لكنه ترك لنا حرية الكتابة نكتب ما نشاء على هذه الأسطر وفي تلك الصفحات.
العمر يقاس غناه من فقره بمدى إحساسك به، وبمدى فعلك فيه، وبمقدار ما تترك من بصمات إنسانية عليه. لذلك كان لزاما على أي مذهب تربوي أو نظرية أخلاقية تعليمية أن تأخذ بعين الاعتبار تربية الإنسان بهواء الحرية النقي الذي يتيح له أولا اكتشاف ذاته دون حواجز اصطناعية، وتفجير الطاقات الكامنة فيه ليعمل بفاعلية إيجابية في إعمار هذا الكون.
يجب أن نعمل من أجل تنقية المناخ التربوي المعاصر الذي أصبح ملوثا لدرجة أنه يخنق الإنسان بفساد جوّه المادي الاصطناعي. نحن بحاجة كما قيل إلى تربية في الهواء الطلق.
إن الإنسان لا يستطيع أن يفهم ذاته، وبالتالي من الصعب عليه أن يصيغ منهجا تربويا يربي الإنسان الذي فيه، إلا إذا نظر لنفسه من زاوية كونية واسعة لا تقبل التحديد ولا التضييق، لأنه بالتالي كائن كوني فيه من المادة والروح ومن السماء والأرض، ولا يمكن إلغاء جانب من هذه الجوانب لأن في ذلك انتقاصا لإنسانيته.
أصبحت المعاهد التربوية في العصر الحديث أشبه بمصانع المعلبات التي تريد صنع إنسان معلب، فيه نكهة وطعم لذيذ، ولكنه يفتقر للفيتامينات الأساسية والقيمة الغذائية العالية. إن الإنسان يحاول أن يصنع ثقافة معلبة حلوة المذاق، لكنها مرة النتائج وهزيلة المردود على صعيد الإنسان، غنية بالوسائل، فقيرة بالأهداف والغايات.
أصبحت الثقافة ثقافة ورق وكرتون، والتربية تربية موظفين آليين مبرمجين للأخذ والعطاء أو للإنتاج والقبض فقط. إنها تربية الشهادات \"المبروزة\" والجيوب المنتفخة، لأنها مسخت الإنسان إلى روبوت آلي خال من المشاعر والأحاسيس الإنسانية، واختزلته إلى جيوب وبطون، وجعلت هدف الثقافة ومنتهى المعرفة ملء المعدة ونفخ الجيب بصنارة الشهادات والدرجات العلمية.
يكاد ينقرض جنس الكائنات الإنسانية التي تطلب العلم لوجه العلم، وتتزود بالثقافة والمعرفة لمجرد أنها ضرورة إنسانية، ولأنها بالنسبة للإنسان أكون أو لا أكون. أما الإنسان المطالع والشغوف بقراءة الكتب والسياحة بين صفحاتها ومعالمها، فقد لا نجده إلا بالمتاحف، وإن وجد صدفة في هذا العالم فهو يشعر بحالة اغتراب تصل حد الجنون، لأن الجميع يتهمه بذلك، فهم لا يفهمون لغته، ولا يستلطفونها، ومن الصعب عليهم إدراك ما يرمي إليه، لذلك يفضل الانعزال والانغلاق على نفسه. وقد يعتبرونه كافرا بثقافة العصر الاصطناعية التي تنتج معلبات ثقافية وتخرّج أفواج الموظفين.
الجامعات ومعاهد التعليم العليا أصبحت مصانع لإعداد وتخريج موظفين تقاعدوا عقليا وتجمدوا فكريا عند طول الشهادة وعرضها، إلا من رحم ربي.
هذه الشهادة يعتبرها عصر الثقافة الاصطناعية نقطة النهاية في سباق الإنسان الفكري والإبداعي في هذه الدنيا، مع أن العكس هو الصحيح، فالشهادة الجامعية بدرجاتها الثلاث أو أكثر، إنما هي طلقة المسدس الأولى لنعلن بداية رحلة الزيادة والاكتشاف، وبداية السباق الذي لا ينتهي لتحصيل العلم والمعرفة.
وكثيرا ما تصبح هذه الشهادة شهادة وفاة عقلية أو شهادة شلل فكري، يقعد بها صاحبها متجمدا على مقعد الوظيفة.
يقول الفيلسوف الفرنسي روسو في كتابه \"إميل\": (إننا يجب أن نعلّم أولادنا كيف يعيشون، وليس فقط كيف ينجون من الموت، لأن الحياة ليس معناها أن أتنفس، ولكن أن أتعلم كيف تعطيني حواسي وقدراتي العقلية والروحية الإحساس بكياني ووجودي، لأن الحي ليس الذي تطول أيامه بل الذي يحس بالحياة أكثر. يقولون: فلان مات وعمره مائة سنة، ولكنه في الحقيقة لم يحيَ أبدا، وكان من الأفضل لو قُبر وهو فتى عندما كان حيا فعلا).
وصدق الله تعالى عندما أعلن من ميلاد البشرية والإنسان، في بيئة سماوية، وأرضية نقية: {إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم}. صدق الله العظيم.