في دلالات إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في الخليل
"أعلن الجيش الإسرائيلي يوم 2/11 عن إنهاء العملية العسكرية في الخليل وسحب قواته منها. بدأت الحملة يوم 23 أكتوبر، وفي الخامس والعشرين منه أعلن الجيش أنه أنهى مهامه وفقاً للخطة، إلا أن المستوى السياسي ممثلاً بنتنياهو ووزيره للأمن كاتس، طلبا من الجيش عدم الانسحاب والإبقاء على العملية، ما فسّره الإعلام الإسرائيلي بأنه قرار سياسي عشية الانتخابات ومرتبط بها، بكونه منافياً لتقديرات الجيش.
"أعلن الجيش الإسرائيلي يوم 2/11 عن إنهاء العملية العسكرية في الخليل وسحب قواته منها. بدأت الحملة يوم 23 أكتوبر، وفي الخامس والعشرين منه أعلن الجيش أنه أنهى مهامه وفقاً للخطة، إلا أن المستوى السياسي ممثلاً بنتنياهو ووزيره للأمن كاتس، طلبا من الجيش عدم الانسحاب والإبقاء على العملية، ما فسّره الإعلام الإسرائيلي بأنه قرار سياسي عشية الانتخابات ومرتبط بها، بكونه منافياً لتقديرات الجيش.
في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني أشارت صحيفة "معاريف" إلى نقل وحدات عسكرية كاملة من الضفة إلى الجبهة الشمالية، والذي تزامن مع الحديث عن احتمالية غير موثوقة لجولة جديدة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها إقليمياً.
فلسطينياً، ووفقاً لمعطيات محافظة الخليل، فقد عاد جميع نازحي العملية الإسرائيلية إلى بيوتهم وإلى ما تبقى من ممتلكاتهم رغم الدمار الهائل في المنطقة.
بدأت الحملة العسكرية على الخليل يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر، وذلك في أعقاب عملية أسفرت عن مقتل جنديين في منطقة فرش الهوا في الخليل. بعد جولة قام بها الوزراء، أعلن نتنياهو عن عملية عسكرية واسعة النطاق في الخليل ومدن أخرى، وأن الجيش سيقتحم كل البيوت ويفتش عن السلاح، مؤكداً أن الجيش قد أعدّ خطة شاملة في الضفة الغربية "كما لم يحصل منذ حرب الأيام الستة" (1967)، وأضاف: "الجيش في جاهزية قصوى، نحن نحدد التوقيت والعملية قادمة". من جهته، دعا الوزراء بن غفير وسموتريتش وستروك إلى إنهاء وجود السلطة الفلسطينية والإعلان عن تسريع إقامة مستوطنات جديدة والسيطرة على أكبر قدر من الأرض. وبدورها أعلنت الإدارة المدنية (تحت مسؤولية سموتريتش) البدء بهدم كميات كبيرة من البيوت، بالإضافة إلى هدم معظم البيوت المحاذية للطرق الرئيسية. بدوره تباهى وزير الأمن كاتس بعد يوم من بداية العملية بأن الجيش قد دمّر منطقة فرش الهوا في الخليل وباتت أشبه بمشاهد رفح في قطاع غزة وفقاً له.
يتضح من تقرير الجيش بعد انسحابه أنه تمكن من العثور على أربع قطع سلاح ناري لا أكثر، ما اعتبره الإعلام الإسرائيلي بأن جدوى العملية أمنياً كانت متدنية كما ذكرت صحيفة "معاريف"، وحتى مشكوكاً فيها، وبأن العملية كانت مكلفة بما لا يتناسب مع أهدافها. بطبيعة الحال، من المتوقع أن تكون لدى الجيش خطط لاقتحام شامل للضفة بما يتماشى مع الأهداف السياسية لحكومة نتنياهو، لكن يبدو أن نوايا الأخير ذهبت بهذا الاتجاه، وإن لم يكن لتنفيذها بالكامل، لكن بما يخدمه انتخابياً عشية 27 أكتوبر.
وفقاً لتقرير محافظ الخليل وما تناقله الإعلام العبري، فإن المستهدف من العملية العسكرية كان البنية التحتية لحياة الفلسطينيين، بما فيه المساكن والأملاك العامة، ومنسوب ما يسمى الأضرار الجانبية، بما فيه تعطيل اقتصاد المدينة بنحو 4 ملايين دولار يومياً وتشويش التعليم لحوالي 262,000 طالب في 589 مدرسة عبر المنطقة.
أفادت صحيفة "معاريف" بأن الجيش يقوم بنقل وحداته من الضفة الغربية إلى الحدود الشمالية، رغم أن الحرب على إيران والتي يجري الحديث عنها ليست قراراً إسرائيلياً بل أمريكياً بامتياز، فقد اعتبر ترامب نتنياهو بأنه الوكيل المنفّذ وفقاً للقرار الأمريكي، وهو ما صرّح به ترامب حين أعلن عن دعمه لنتنياهو في الانتخابات لكونه شريكه في "إنهاء المهمة في إيران".
الانسحاب السريع وعودة النازحين:
ما يميز الحملة هو أنها، بخلاف التصريحات السياسية المغالية في ضخامتها وسعتها حين انطلقت، كانت نسبياً من الحملات العسكرية قصيرة العهد، وقد أنهى الجيش مهامه المعلنة خلال يومين أو ثلاثة، فيما إطالتها بقرار سياسي يبدو انتخابياً وموجّهاً إلى قاعدة اليمين الانتخابية.
الميزة الأخرى، وتكاد تكون سابقة، هي عودة النازحين فور الانسحاب، حيث تقوم العقيدة الإسرائيلية تاريخياً على استدامة النزوح القسري ومنع النازحين من العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم، بينما في هذه الحالة، بخلاف النزوح القسري في غزة أو في شمال الضفة ومخيمي جنين وطولكرم، فإن عودة النازحين كانت على وجه السرعة نسبياً ليعودوا جميعهم.
ما يوحي بأن نتنياهو، بخلاف الجيش، أراد تسخير العملية سياسياً وحصرياً، لكون المعارضة تعيب عليه توقيعه على اتفاق الخليل مع م.ت.ف في العام 1997، في الوقت ذاته تتوافق العملية العسكرية ونواياه المعلنة باستهداف كامل الضفة مع عقيدته القائمة على منع الدولة الفلسطينية وتقويض مقوماتها، بما فيه السلطة الفلسطينية، من خلال إضعافها أمام جمهورها ومصادرة سيادتها، وقطع أموال المقاصة التي يقوم بها سموتريتش بوصفه وزير المالية والوزير في وزارة الأمن.
خاصية الضفة الغربية:
يتضح من العملية الأخيرة في الخليل، وكذلك من عدم تنفيذ الحكومة للقرارات التي اتخذتها في العامين الأخيرين، بما فيه في منطقة الخان الأحمر ومنطقة E1، وكذلك بمشاريع البناء الاستيطاني، كذلك اضطرارها مؤخراً إلى إخلاء عدد من البؤر الاستيطانية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه إسرائيل مجموعة من العقوبات الدولية ومن كبريات الاقتصادات الأوروبية بما يتعلق بمنتوجات الاستيطان والمؤسسات المالية ذات الصلة، وكذلك التصريحات الأمريكية الرسمية ومطالبة واشنطن نتنياهو بوقف الإرهاب الاستيطاني بحق الفلسطينيين. لتجد إسرائيل نفسها في أكبر عزلة قد تقود إلى موقف دولي يفرض دولة فلسطينية، بالنظر إلى التحولات في الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي، وحصرياً في الأخير.
يتظاهر نتنياهو بعدم الاكتراث لهذه العزلة الدولية والملاحقات القضائية، لكنه في المقابل يواجه حالة إسرائيلية داخلية من انعدام الإجماع بصدد سياساته في الضفة الغربية، بما فيه اتهامه بأنه يدفع نحو صدام يمكن تلافيه، ليصل الأمر إلى اتهامه من قبل ليبرمان بأنه "مؤسس الدولة الفلسطينية" نتيجة لسياساته، فيما يستخدم أيزنكوت تعبير "الإرهاب اليهودي" بالإشارة إلى ميليشيات فتيان التلال الإرهابية.
فعلياً، لا تطرح المعارضة أو معسكر التغيير أي مشروع سياسي بديل لنتنياهو، إلا أنها تنجح إلى حدّ ما في محاصرة مشروعه، وتعارض الضم باعتباره خطراً وجودياً على إسرائيل.
الخلاصة:
يسود الانطباع في الإعلام الإسرائيلي بأن العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل قد أخفقت، ولم يكن لها مبررات أمنية، بل اعتبرتها سياسية انتخابية وحصرياً بعد إعلان الجيش عشية الانتخابات بأنه أنهى مهامه ليمنعه المستوى السياسي من ذلك. فيما تعزز العملية الإسرائيلية القناعة بأن نتنياهو يجيّر منظومات الدولة وأمنها القومي، وفقاً لمعارضيه، لصالح عقيدته ولمصلحته السياسية. كما من المتوقع بعد الانتخابات وإلى حين استقرار الوضع السياسي، أن يتصاعد التوتر بين المؤسسة الأمنية والسياسية المشرفة عليها، وهذا ينعكس على الجيش والشرطة.
رغم النزوح القسري لنحو ثلاثة آلاف فلسطيني في الخليل، إلا أن استيعابهم بشكل منتظم في بيوت الناس وفي مراكز الإيواء كان ناجعاً لدرجة حافظت على بقاء الناس قريبة من أحيائها وعلى عودتها المنتظمة والسريعة إلى بيوتها وممتلكاتها فور انسحاب قوات الاحتلال.
نقل الوحدات العسكرية من الضفة إلى الجبهة الشمالية استعداداً للتصعيد الإقليمي مع إيران، لا يتناسب لغاية الآن على الأقل، مع حقيقة أن قرار الحرب مع إيران هو أمريكي بامتياز، ومن المستبعد أن يؤدي أي صدام حربي إلى تغيير الوضع القائم تفاوضياً."