28° الناصرة $دولار أمريكي 3.05 ₪يورو 3.52 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

غنّت ساندرا لليابان... فاستيقظ السؤال

ثمة أغان تنتهي بانتهاء موسيقاها و ثمة أغان تترك وراءها سؤالا لا ينتهي. حين غنت ساندرا لليابان لم أجدني أمام أغنية عن بلد بعيد فحسب بل أمام نافذة تطل على واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ الأمم: كيف يمكن لشعب أن يخرج من واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ الحديث ثم يحول رمادها إلى بداية جديدة؟ في السادس والتاسع من أغسطس 1945 سقطت القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناغازاكي تاركتين وراءهما مدينتين منكوبتين وآلاف الضحايا و جرحا إنسانيا لا يمكن اختزاله في الأرقام. كان يمكن لتلك المأساة أن تصبح لعنة تاريخية وأن يتحول الألم إلى قدر دائم وأن تنكفئ اليابان على جراحها وتبني هويتها كلها حول الضحية.

س م سارة محمد مرزوڨي- جزائرية مقالات نُشر: 15/09/2026 الساعة 10:14
حجم الخط
غنّت ساندرا لليابان... فاستيقظ السؤال
غنّت ساندرا لليابان... فاستيقظ السؤال

ثمة أغان تنتهي بانتهاء موسيقاها و ثمة أغان تترك وراءها سؤالا لا ينتهي. حين غنت ساندرا لليابان لم أجدني أمام أغنية عن بلد بعيد فحسب بل أمام نافذة تطل على واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ الأمم: كيف يمكن لشعب أن يخرج من واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ الحديث ثم يحول رمادها إلى بداية جديدة؟ في السادس والتاسع من أغسطس 1945 سقطت القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناغازاكي تاركتين وراءهما مدينتين منكوبتين وآلاف الضحايا و جرحا إنسانيا لا يمكن اختزاله في الأرقام. كان يمكن لتلك المأساة أن تصبح لعنة تاريخية وأن يتحول الألم إلى قدر دائم وأن تنكفئ اليابان على جراحها وتبني هويتها كلها حول الضحية.

لكن التاريخ اختار مسارا آخر. لم تنس اليابان ما حدث لكنها لم تسمح للمأساة بأن تكون تعريفها الوحيد. أعادت بناء مدنها واستثمرت في الإنسان والتعليم والبحث العلمي والصناعة والانضباط والعمل طويل النفس. خرجت من الحرب وهي تحمل ذاكرة ثقيلة لكنها حملت معها أيضا إرادة أثقل: أن يكون الغد مختلفا عن الأمس.

وهنا تحديدا يستيقظ السؤال. ماذا تفعل الأمم بمآسيها؟

فالمأساة في حد ذاتها لا تصنع نهضة. الذي يصنع النهضة هو ما تفعله الأمة بالمأساة بعد أن تهدأ أصوات الانفجارات. هناك شعوب تجعل من ذاكرتها مدرسة وأخرى تجعل منها غرفة مغلقة تعود إليها كلما أرادت تفسير حاضرها. هناك من يحفظ أسماء الضحايا كي يتعلم كيف يمنع تكرار الكارثة وهناك من يستدعي الضحايا باستمرار دون أن يسأل: ماذا يجب أن نبني كي لا يكون المستقبل نسخة أخرى من الماضي؟ الفرق ليس في حجم الألم وحده وإنما في القدرة على تحويل الألم إلى معرفة. اليابان لم تتعامل مع هيروشيما وناغازاكي بوصفهما صفحتين ينبغي محوهما بل بوصفهما جرحا يجب أن يبقى حاضرا في الوعي الإنساني. لكنها في الوقت نفسه لم تجعل من الجرح ذريعة لعدم الحركة.

وهذا درس يتجاوز اليابان. فالأمم التي نهضت بعد الحروب والكوارث لم تكن أمما بلا ذاكرة بل كانت أمما أدركت أن احترام الماضي لا يعني السكن فيه. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أعادت بناء مؤسساتها واقتصادها من تحت الأنقاض. وكوريا الجنوبية التي خرجت من حرب مدمرة وفقر شديد اختارت الاستثمار في التعليم والصناعة والتكنولوجيا حتى أصبحت خلال عقود قوة اقتصادية عالمية.
ليس المقصود مقارنة التجارب التاريخية ببعضها بصورة سطحية ولا القول إن طريق النهضة واحد. لكنه سؤال يستحق أن يطرح: متى تتحول الذاكرة من قوة تحفظ الهوية إلى قيد يمنع الحركة؟
ربما تكون المشكلة حين تصبح المأساة مبررا دائما بدل أن تكون درسا دائما.

نحن نحب أن نتحدث عن أمجادنا وعن جراحنا وعن الذين ظلمونا وعن الفرص التي ضاعت منا. وكل ذلك جزء من التاريخ. لكن التاريخ الذي لا ينتج معرفة يتحول إلى حكاية والحكاية التي لا تنتج فعلا تتحول إلى عبء.
لا تستطيع أمة أن تعيش إلى الأبد وهي تنظر إلى الخلف.
ولا يعني النظر إلى الأمام خيانة الذاكرة.
على العكس ربما يكون أفضل تكريم للضحايا هو أن نمنح أحفادهم مستقبلا لم يعد فيه الموت قدرا ولا الفقر مصيرا ولا التخلف عادة ولا انتظار الآخرين حلا دائما لمشكلاتنا.
لهذا بدت لي أغنية ساندرا في لحظتها أبعد من أغنية عن اليابان. جعلتني أفكر في تلك المسافة الفاصلة بين أمة تتألم وأمة تتعلم من ألمها.

فليس السؤال: كم مرة سقطنا؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا بنينا بعد كل سقوط؟
اليابان لم تستطع أن تعيد الزمن إلى ما قبل القنبلة ولم تستطع أن تمحو صور هيروشيما من الذاكرة. لكنها استطاعت أن تقول للتاريخ بالفعل لا بالكلمات: لقد حدثت الكارثة لكن الكارثة لن تكون مستقبلنا. و هنا ربما تكمن واحدة من أعظم أسرار النهوض: أن تعرف الأمة كيف تحفظ جراحها دون أن تجعلها وطنا وكيف تتذكر موتاها دون أن تدفن معهم أحلام الأحياء.

غنت ساندرا لليابان… فاستيقظ السؤال: لو كانت مآسينا وقودا للنهضة لا مادة للحسرة فقط فكم كان يمكن أن يتغير وجه عالمنا؟
 

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد