تاريخي وتجربتي في كتابة الشعر
لم تكن علاقتي بالشعر قرارًا اتخذته يومًا، بل كانت قدرًا يسير نحوي منذ طفولتي الأولى. كنت أرى العالم بعينٍ تبحث عمّا وراء الظاهر، وتسمع في الأشياء صوتًا خفيًا لا يسمعه غيري. ومع مرور الوقت، أدركت أن هذا الصوت هو الشعر، وأن الكلمة هي الطريق الذي اختارني قبل أن أختاره. بدأت أكتب قبل أن أعرف أن ما أكتبه يُسمّى شعرًا؛ كانت الجملة القصيرة التي أسجّلها على هامش دفتر المدرسة تحمل في داخلها بذرة قصيدة، وكانت النظرة العابرة إلى مشهدٍ ما تُشعل في داخلي رغبة في التعبير، ومع الزمن صار القلم امتدادًا لروحي وصارت الورقة مساحةً أختبر فيها قدرتي على تحويل التجربة إلى معنى واللحظة إلى نصٍّ يبقى.
لم تكن علاقتي بالشعر قرارًا اتخذته يومًا، بل كانت قدرًا يسير نحوي منذ طفولتي الأولى. كنت أرى العالم بعينٍ تبحث عمّا وراء الظاهر، وتسمع في الأشياء صوتًا خفيًا لا يسمعه غيري. ومع مرور الوقت، أدركت أن هذا الصوت هو الشعر، وأن الكلمة هي الطريق الذي اختارني قبل أن أختاره. بدأت أكتب قبل أن أعرف أن ما أكتبه يُسمّى شعرًا؛ كانت الجملة القصيرة التي أسجّلها على هامش دفتر المدرسة تحمل في داخلها بذرة قصيدة، وكانت النظرة العابرة إلى مشهدٍ ما تُشعل في داخلي رغبة في التعبير، ومع الزمن صار القلم امتدادًا لروحي وصارت الورقة مساحةً أختبر فيها قدرتي على تحويل التجربة إلى معنى واللحظة إلى نصٍّ يبقى.
ومع تقدّم السنوات اتّسعت تجربتي ونضجت رؤيتي، فأنجزت قبل مرحلة الروحانيات خمسةً وثلاثين ديوانًا شعريًا حملت تنوّعًا واسعًا في الأغراض والمضامين. كتبتُ في الشعر الوطني حين احتاج الوطن إلى كلمة صادقة، وكتبتُ في الشعر الإنساني لأن الإنسان هو جوهر كل شيء وفتحتُ قلبي للغزل فكتبتُ ما يشبه البوح وما يشبه الحنين، كما كتبتُ في الشعر الاجتماعي لأنني كنت أؤمن بأن الكلمة قادرة على كشف ما يختبئ خلف تفاصيل الحياة اليومية. لم يكن هذا التنوع صدفة، بل كان انعكاسًا طبيعيًا لرحلتي مع الحياة نفسها؛ فكل ديوان كان نافذة جديدة أطلّ منها على العالم، وكل نافذة كانت تضيف إلى تجربتي عمقًا جديدًا وصوتًا أكثر نضجًا.
ثم جاءت المرحلة التي شكّلت منعطفًا مهمًا في مسيرتي الشعرية: مرحلة الروحانيات. قبل نحو أربع سنوات، وبعد أن تسلّمت دين التوحيد، انفتحت روحي على أفقٍ مختلف تمامًا عمّا عرفته سابقًا. تغيّر مسار الكتابة، وبدأت أمتاز بكتابة الشعر الروحاني الذي يجمع بين الصفاء الداخلي والتأمل والبحث عن الحقيقة في أعماق النفس، وخلال هذه المرحلة أصدرت ثلاثةً وعشرين ديوانًا روحانيًا حملت بصمتي الخاصة وعبّرت عن رحلتي نحو النور وعن التحوّل العميق الذي أحدثه التوحيد في رؤيتي للعالم وللكلمة وللإنسان.
ومع مرور الزمن أدركت أن الشعر ليس مجرد كتابة، بل رؤية للعالم. الشاعر لا يكتب ليُرضي الجميع، بل يكتب ليقول الحقيقة كما يراها هو، ليكشف ما لا يُرى، وليمنح الأشياء الصغيرة معنى أكبر مما تبدو عليه. تعلّمت أن القصيدة التي لا تغيّر شيئًا في داخل الشاعر لن تغيّر شيئًا في العالم، لذلك كنت أكتب لأتطوّر ولأتغيّر ولأفهم ولأمنح نفسي فرصة جديدة للبحث عن الضوء. لم أكتب يومًا وأنا أفكّر في قارئٍ معيّن، لكنني كنت دائمًا أؤمن بأن القصيدة الحقيقية تجد طريقها إلى من يحتاجها، وحين يصلني أن أحدهم قرأ نصًا لي فشعر بالراحة أو وجد فيه ما يشبه تجربته، كنت أشعر أن الشعر أدى رسالته وأن الكلمة وصلت إلى قلبٍ كان ينتظرها.
رحلتي مع الشعر ليست تاريخًا يُكتب، بل تجربة تُعاش، وما زلت أؤمن أن الطريق أمامي مفتوح وأن كل قصيدة جديدة هي بداية جديدة، وأن الشاعر الحقيقي هو من يظلّ يبحث ويظلّ يسأل ويظلّ يكتب ما يشعر أنه يجب أن يُكتب.